في المحطات الفاصلة من تاريخ الشعوب، وتحديدًا في لحظات التحول الكبرى التي تعيد رسم الخرائط وتغيير موازين القوى، يظل الميدان وحدَه هو الصانعُ الحقيقي للخبر، والحقيقة الناصعة هي تلك التي تفرضها الوقائع الميدانية وتلمسها العيون، لا ما تسوقه المنصات الإعلامية ولا ما تصوغه التصريحات الصحفية المنمقة في الغرف المغلقة.

وفي ظل التطوُّراتِ المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والحديث عن تحالُفٍ سعودي ضد اليمن لحمية سفنه في البحر الأحمر، وأمام هذا يتوجب على العدو ان يدرك بأن بابَ المندب والمياه الإقليمية لليمن وليست منتجعًا إقليميًا للنزهات، ولا ساحة مفتوحة لتمرير الصفقات الإستراتيجية والمساومات السياسية.

وما يحدث حالًا مواجهةُ الحصار السعودي بحصار يمني وفي جغرافيا يمنية.

وأي تحال يُقام بهدف التغطية على جرائم العدوان، أو لحماية مصالح قوى الهيمنة الاستعمارية على حساب أمن اليمن ومعيشة شعبه الحرة، هو تحالف ولد ميتًا قبل أن تطأ خطواته الأولى رمل الشاطئ، ولن يغير من واقع المعادلة شيئًا.

فاليمن صاغ معادلته الميدانية في مواجهة التحديات بوضوح جليّ لا يدع مجالًا للريب أو التأويل؛ فالحصار يُقابل بالحصار، والتصعيد لا يُواجه إلا بالتصعيد الشامل.

إن هذه المعادلة حقيقة صاغتها التضحيات وقدمتها التطورات الميدانية كواقع قائم على أرض الميدان وفي عرض البحر.

ومن يراهن اليوم على أن اليمنَ جدارٌ قصير يمكن تسوِّره بأقل التكاليف، أو حقل تجارب جيو-سياسي لممارسة أدوات الضغط العسكري والخنق الاقتصادي، فهو بلا شك يقرأ التاريخ مقلوبًا، ولا يفهم طبيعة هذه الأرض الصلبة وشعبها الصامد، وعزيمته العصية على الكسر.

إن من جرب اليمن في محطات التاريخ القريبة والبعيدة، يعلم علم اليقين أين تكمن القشة التي تقصم ظهر الرهانات الخاطئة، ومن أراد الاندفاع اليوم نحو التورط في معركة بحرية معقدة ومجهولة النتائج في اليمن مع النظام السعودي ضد اليمن، فليتحمل تبعات النار التي يشعلها بيده، وليستعد لدفع الثمن باهظًا في مياهه واقتصاده ووسائط إمداده.

إن التوجهات الإقليمية التي تحاول اليوم الاستمرار في سياسة التضييق والحصار، وتوهم نفسها بإمكانية فرض معادلات الاستحواذ والهيمنة تحت مظلة تحالفات جديدة، تنطلي عليها مغالطة كبرى؛ فالواقع الذي تشكّل بفضل الثبات والصمود اليمني فرض حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها: إن القرار في هذه المياه الإستراتيجية كان وسيبقى قرارًا يمنيًا خالصًا ونشطًا، وأن أية ترتيبات أمنية أو سياسية لا تأخذ في الحسبان الحقوق المشروعة الكاملة لليمنيين ستصطدم بالصخرة الميدانية ذاتها التي تحطمت عليها كافة الرهانات السابقة.

إن الرسالةَ الأساسيةَ والنهائية التي يكتبها الواقع اليوم بحروف من نار ودماء هي أن زمن التبعية وتمرير المشاريع على حساب الجغرافيا اليمنية قد مضى إلى غير رجعة.

ولا يمكن لمن استهان بمعاناة شعب بأكمله على مدى سنوات طويلة أن يرسم اليوم خريطة الأمن البحري وفق مقاساته ورغبات داعميه، فالبحر -بجغرافيته وحرمته وسيادته- يعود أولًا وأخيرًا لأهل الأرض والموقع.