أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبين، وَأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم.

أَيُّهَــــا الإِخْــــوَةُ وَالأَخَوَات:

السَّــلَامُ عَلَـيْكُمْ وَرَحْـمَــةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُــه؛؛؛

وصلنا بالأمس إلى قوله "عَلَيهِ السَّلَامُ"، ((يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانًا فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ))، في هذه الجمل المهمة، والمفيدة أسس وقواعد للتعامل مع الناس، وقد تقدم في الوصية ما هو مهمٌ، ومفيدٌ في التعامل مع ﷲ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وليكون أيضًا منطلقًا في التعامل مع الناس، الإنسان: هو كائنٌ اجتماعي، بدءًا من نشأته في أسرته، وتعامله مع المجتمع، ومع الناس من حوله، وظروف حياة الإنسان مرتبطةٌ في كل شؤونها بالتعامل مع الناس من حوله، في مجتمعه، إضافةً إلى المسؤوليات الجماعية التي هي مسئولياتٌ في إطار التزاماتنا الإيمانية والدينية، كمسئولية التعاون على البر والتقوى، كمسئولية الجهاد في سبيل الله، وكمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كمسئولية إقامة القسط، ولأن الواقع بالنسبة للإنسان شاء أم أبى واقِعٌ اجتماعي، تربطه بالآخرين علاقة، ومعاملة، من واقعه القريب من حوله، الأسرة، الجيران، المجتمع القريب، الأمة التي ينتمي إليها، وهكذا.

فالمسألة ذات أهمية كبيرة جدًّا، ما هي الأسس التي ينطلق الإنسان من خلالها في التعامل مع الناس، ﷲ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" جعل مساحةً واسعةً في القرآن الكريم، من توجيهاته، وتعليماته، وأوامره، ونواهيه، وشرع في شرعه كذلك الكثير من الأحكام، والتشريعات التي تنظم مسألة التعامل مع الناس، من داخل أسرتك، إلى أبعد مستوى، إلى أوسع نطاق، وضبط ذلك بضوابط قائمة على أساسٍ من القيم العظيمة، والأخلاق الكريمة، على أساسٍ من الحق، والعدل، والإنصاف، والرحمة، والإحسان، والصدق، والوفاء، وغير ذلك، وأتى مع ذلك الوعد والوعيد، الوعد من ﷲ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بالأجر العظيم، بالخير الكبير، بما يكافئك ﷲ به في عاجل الدنيا، وما يكتبه لك في الآخرة بناءً على ذلك، ولذلك فجزء أساس من الدين يتعلق بمعاملتك مع الناس، ولأهمية المسألة ورد في الحديث النبوي الشريف ((الدين المعاملة))، لأهمية هذا الجانب، باعتبار أنه يرتبط به مسؤوليات ما بينك وبين ﷲ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، محسوبٌ عليك في تعاملك مع الناس طريقة تعاملك، فيرتبط بذلك الجزاء، يرتبط بذلك ما تحاسب به يوم القيامة، والتعامل مع الناس فيه: الكلام، ما يقوله الإنسان لهم، ما يتخاطب به معهم، فيه المعاملات المختلفة والمتنوعة، التي هي ذات طبيعة عملية، سواءً في إطار المسئوليات أو في مختلف ظروف الحياة.

جوانب المعاملات بين الناس مجال واسع، فكلها يجب أن تكون مبنيةً على أساس تعليمات ﷲ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتوجيهاته، والوعي بأن علينا في ذلك مسؤوليات، وأن علينا في ذلك ضوابط معينة، والتزامات معينة، حتى لا ينطلق الإنسان في التعامل، وفي العلاقة مع الناس، من خلال مزاجه الشخصي، أهوائه الشخصية، كما هو حال الكثير من الناس، فهو يتعامل بدون إحساسٍ بالمسؤولية، بدون شعور، بدون إدراك، بدون وعي، بدون انتباه، لما يترتب على أسلوبه طريقته في التخاطب، والتعامل من حسابٍ وجزاء، وكأن المسألة مباحة، ليقول ما يشاء أن يقول ويتخاطب بالطريقة التي تُرضي نفسه في حالة الرضا، أو في حالة الغضب، أو ليتصرف فيما يريده ويسعى إلى الحصول عليه، بأي طريقة ولو كان في ذلك ظلم، ولو كان في ذلك اغتصاب لحقوق الآخرين، تجاوز لحقوق الآخرين، لا يبالي المهم بالنسبة له أن يحصل على ما يريده بأي طريقة، بأي كيفية.

قد تكون الحالة النفسية للإنسان إذا انطلق من مُنطلق هوى النفس، ورغبات النفس، والمزاج الشخصي، في تعامله مع الآخرين، في تصرفاته معهم، في كلامه معهم، هي الحالة التي تؤثر على الإنسان تأثيرًا سيئًا، فيتجاوز، يتجاوز الضوابط، والتعليمات الإلهية، يتعدى حدود ﷲ في ذلك، فيُسيء، ويظلم، ويكون تعامله بالشكل الذي له نتائج سيئة في الواقع، فنسبةٌ كبيرةٌ من المشاكل بين الناس: مشاكل أسرية، مشاكل بين أبناء المجتمع، مشاكل بين الأخ وأخيه أحيانًا، بين القريب وقريبه، هي تعود إلى هذه المشكلة، طريقة الإنسان، طريقة الإنسان في التعامل، عندما ينطلق من منطلق أهواء النفس، رغبات النفس، المزاج الشخصي، يتعامل بدون مسؤولية، بدون انتباه، ولا التفات إلى القيم العظيمة التي يجب أن يلتزم بها كمسلم، إلى ضابط التقوى لله، أن يتقي ﷲ فيما يقول، في طريقة تعامله مع الآخرين.

فكم حصلت من مشاكل كبيرة أثرت على الناس تأثيرًا كبيرًا في حياتهم، فرقت الاسر، باعدت بين الأحباء والأصدقاء، اثارت الفتن بين أبناء المجتمع، بين الجار وجاره، بين القريب وقريبه، بين مختلف أبناء المجتمع، احيانًا كلمات مسيئة مستفزة ينتج عنها فتن، أو تقطع العلائق والأسباب، أو يترتب عليها نتائج سيئة في الواقع، فيما ينتج عنها من تباعد، وتنافر، ووحشة، وهكذا في مجالات التعامل كم يحصل من ظلم، كم يحصل من إساءات، البعض قد يظلم قريبه، أو قريبته، أو يتيمًا من أبناء أسرته، من أقاربه، كم يحصل مما يعود إلى مسألة التعامل فأمير المؤمنين "عَلَيهِ السَّلَامُ"، قدم هنا قاعدةً مهمةً ومفيدة، تساعد الإنسان على أن يحسن تصرفه، وأن يكون له معيار تجاه ما يقول، تجاه ما يعمل، في علاقاته، في تصرفاته، في معاملاته، مع أبناء مجتمعه تساعده على أن يتعامل بشكلٍ صحيح، قال "عَلَيهِ السَّلَامُ": ((يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَانًا فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ))، لا تنطلق فقط من انطلاقتك النفسية، من مراعاة مشاعرك النفسية، بحساب وضعك الشخصي فقط، لأن هذه الحالة هي حالة الأنانية، من لا يفكر إلا بنفسه، من لا يحسب إلا حساب نفسه، من لا يراعي إلا نفسه فقط، لا يبالي بالآخرين أبدًا، المهم أن يعجبه الشيء، أن يناسبه الشيء، أن يتعامل بالطريقة التي يرغب بها، أن يقول ما يرغب بقوله دون مبالاة بالآخرين، هي الحالة الخطيرة على الإنسان.

لكن الأسلوب الصحيح الذي يساعدك على أن تتصرف بالطريقة التي أمرك ﷲ بها: هو أن تجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين غيرك، تجاوز حالة الأنانية، وانظر إلى الآخرين أيضًا، وإذا انطلقت من هذا المنطلق؛ فهذا سيكون عاملاً مساعدًا لك على الالتزام بتعليمات ﷲ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتوجيهاته في طريقة تعاملك مع الآخرين من حولك، اجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين غيرك، معيار تقيس به حالة التعامل مع الآخرين، من خلال وعيك أيضًا بهم بمشاعرهم، بأحاسيسهم، وهكذا يقول: ((فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا))، وهذه الحالة التي يربينا عليها الإسلام كمجتمعٍ مسلم، أن نحمل في أنفسنا المحبة للخير للأخرين، ألا تكون فقط تحب لنفسك الخير، تحب لنفسك أن يتعامل الناس معك بأرقى طريقة، بالحق، والعدل، والإنصاف، والإحسان، وأن يريدوا لك الخير ثم أنت لا تحمل تجاههم نفس المشاعر، ولا تبادلهم هذه المشاعر، الحالة التي يربيك عليها الإسلام: هي هذه الحالة؛ أن تشعر بالآخرين، أن تنظر نظرة إيجابية للأخرين من حولك، من أبناء مجتمعك، أن تنظر إليهم هذه النظرة، تحب لهم من الخير ما تحب لنفسك، تلحظ أن تتعامل معهم بما تحب أن يتعاملوا به معك، ((فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا))، والإنسان إذا لم يحمل هذه الروحية، فهو يحمل حالة الأنانية، لا يريد إلا نفسه، لا يفكر إلا بنفسه، لا يحسب إلا حساب نفسه، ولا يبالي بالآخرين أبدًا، وهي حالة سلبية جدًّا، كم ينتج عنها من تعاملات سيئة، من تصرفات سيئة، وإذا حمل الإنسان هذه المشاعر الإيجابية، التي تدل على زكاء نفسه، طهارة نفسه ووجدانه ومشاعره، تخلصه من الأنانية، فهذا سيسهل عليه طريقة التعامل مع الآخرين.

((وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ))، أول، وأكبر، وأخطر محذور، يجب أن نحذر منه في التعامل مع الآخرين من حولنا، مع أبناء مجتمعنا، مع الناس هو: الظلم، الظلم خطيرٌ جدًّا الإنسان إذا مارس الظلم سواءً فيما يقوله هناك ظلم في الكلام، وظلم في التعامل، الظلم دائرته واسعة في مختلف مجالات التعامل، البعض قد يظلم فيما يقوله، البعض في تعامله، البعض في سطوته وجبروته... إلخ، وأيضًا الظلم بالنسبة للناس من حيث اقتدارهم قد يكون من موقع مسؤولية، كمن يظلم وهو متمكن من مسؤولية معينة، فالظلم محذورٌ خطيرٌ جدًّا حرمه ﷲ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وتوعد عليه باشد الوعيد فالإنسان يجب أن يكون حذرًا من أن يتورط في الظلم فيما يقول، فيما يعمل، في تعامله، في تصرفاته مع الآخرين، البعض قد يتورط كما قلنا في ظلم قريب له، في ظلم يتيم، أو في ظلم قريبةٍ له؛ لأنه يستقوي عليهم، وبحسب قدرته، وإمكاناته، يمارس ظلمه بحق الآخرين، البعض قد يظلم وهو في موقع مسؤولية.