في ظل استمرار العدوان والحصار الاقتصادي المفروض على اليمن منذ أكثر من عقد، ومع اشتداد الضغوط المالية والنقدية التي أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني، يواصل البنك المركزي في العاصمة صنعاء أداءه بمهنية ومسؤولية، رغم التحديات الداخلية والخارجية التي فرضتها الحرب الاقتصادية الممنهجة.
وفي خطوة وُصفت بالسيادية والجريئة، أعلن البنك مؤخرًا عن إصدار عملة معدنية من فئة 50 ريالاً وورقية من فئة 200 ريال، ضمن رؤية وطنية تهدف إلى إعادة التوازن للكتلة النقدية، ومعالجة النقص الحاد في الفئات المتوسطة والصغيرة، دون التسبب بآثار تضخمية أو اهتزاز في سعر الصرف.
الإصدار الجديد، الذي جاء وفق معايير فنية دقيقة وتقنيات أمان عالية، مثّل ردًا عمليًا على محاولات الإخضاع المالي والقيود الغربية، وأثبت قدرة حكومة التغيير والبناء على تحويل التحديات إلى فرص، وصيانة السيادة النقدية.
يأتي القرار في ظل انهيار العملة وتدهور سعر الصرف في المحافظات المحتلة، مقابل حالة من الثبات النسبي في المحافظات الحرة، التي حافظت على الريال كرمز سيادي جامع.
في هذا السياق، التقى موقع أنصار الله بالخبير الاقتصادي رشيد الحداد، الذي قدّم قراءة تحليلية وافية حول دوافع إصدار العملة، وأبعاده الاقتصادية والسياسية، وآثاره المتوقعة على السوق المحلية والمشهد المالي العام.
وتطرق إلى مستقبل الريال اليمني، وأهمية الاستقلال النقدي، وموقف حكومة التغيير والبناء من استحقاقات السلام. إلى نص الحوار:
حاوره – محمد المطري
■ ما قراءتكم لقرار إصدار العملة المعدنية من فئة 50 ريالًا والورقية من فئة 200 ريال؟
هذه الخطوة تؤكد مدى اقتدار البنك المركزي في صنعاء على مواجهة التحديات، واستجابته لمتطلبات الواقع المالي. الإصدار لا يهدف لزيادة الكتلة النقدية كما تفعل حكومة المرتزقة في عدن، بل هو إحلال نقدي، أشبه بعملية ترميم يتم من خلالها استبدال عملة جديدة بدلا عن التالفة بنفس القيمة الاسمية والشرائية.
■ هل الدافع تقني بحت أم أن هناك أبعاداً أخرى؟
الجانب التقني موجود بالتأكيد، خاصة لمواجهة التلف الكبير في الكتلة النقدية المتداولة، ولكنْ، هناك أبعاد سيادية وسياسية واضحة: إصدار العملة يمثل تحدياً للعقوبات الأمريكية، ويؤكد استقلالية البنك المركزي في صنعاء باعتباره مؤسسة سيادية تعمل لصالح اليمن، وليس لخدمة أجندات الخارج.
■ هل تمثل هذه الخطوة زيادة فعلية في الكتلة النقدية؟
لا، ما تم هو إعادة ضخ لفئات كانت شبه خارجة عن التداول، لا يوجد زيادة تضخمية حقيقية، بل إعادة تدوير لكتلة نقدية متهالكة.
■ ما مدى تأثير هذه الخطوة على التضخم وسعر الصرف؟
الإصدار سيساهم في تحسين التداول وتقليل الانكماش التجاري، ولن يؤثر سلبًا على سعر الصرف أو معدل التضخم، بل على العكس، سيدعم استقرار السوق.
■ ماذا تقولون للذين يدّعون أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تضخم؟
هذا الطرح غير علمي. التضخم يحدث عندما تُضخ عملة دون غطاء كما فعل بنك مركزي عدن، ما حدث في صنعاء هو استجابة لحاجة السوق، وتم الإعداد له بمهنية عالية ووفق معايير دقيقة.
■ ما أثر هذه الإصدارات على العلاقة بين بنكي صنعاء وعدن؟
الانقسام بدأ منذ 2016 بنقل وظائف البنك المركزي إلى عدن، ورافقه طباعة ضخمة بدون غطاء. صنعاء التزمت بالسياسات النقدية الرشيدة، وما نراه اليوم من إصدارات هو مجرد محاولة لتصحيح الوضع الداخلي، وليس سببًا للانقسام.
■ هل يشير ذلك إلى مزيد من التباعد النقدي؟
التباعد موجود فعلاً، والدليل الفارق الهائل في سعر الصرف بين صنعاء وعدن، والذي يبلغ أكثر من 2400 ريال للدولار. هذا التباعد لا علاقة له بإصدار فئة 50 أو 200 ريال، بل هو نتيجة مباشرة لفشل السياسة النقدية في عدن.
■ ما تأثير هذا التباعد على المواطن؟
التأثير كبير، خصوصًا على التجار والعاملين بين المحافظات، فإرسال مبلغ مالي من محافظة خاضعة للاحتلال إلى صنعاء قد يفقده أكثر من 80% من قيمته، وهذا يعمّق الأزمة المعيشية، ويضرب الحركة التجارية. مع التأكيد على أن هذا التباعد كان قبل سك الـ50 وطباعة الـ200.
■ كيف كان تقبّل السوق المحلي للعملة المعدنية الجديدة؟
التجاوب كان ممتازًا، لأن السوق كان متعطشًا لهذه الفئات، العملة الجديدة صُممت بجودة عالية وسُكّت محليًا وفق أعلى المواصفات.
■ هل ستؤثر إيجاباً على تداول المواطنين؟
بالتأكيد ستُسهم في تسهيل التعاملات اليومية، وتقليل اعتماد السوق على العملات المتهالكة، وهذا ينعكس إيجابًا على مستوى السيولة والراحة في التعاملات النقدية.
الجوانب الفنية والضمانات الأمنية
■ هل تضمنت العملات الجديدة ميزات أمان ضد التزوير؟
نعم، تم تزويد العملات بميزات أمنية دقيقة، منها الشريط الليزري والعلامات السرية، وهي مواصفات تمنع التزوير، وتم اعتمادها وفقًا للمعايير الدولية.
■ هل تتوافق هذه الإصدارات مع معايير سك العملات عالميًا؟
بشكل كامل البنك المركزي التزم بالمعايير الدولية في التصميم والطباعة، وبهذا لا يمكن لأي جهة – بما فيها الولايات المتحدة – الطعن في قانونية هذه العملة أو الادعاء بأنها مزورة.
■ هل الإصدار جزء من سياسة مدروسة أم حل مؤقت؟
هو جزء من سياسة نقدية شاملة ومدروسة تهدف إلى إعادة التوازن للسوق، ولا يُعد حلاً مؤقتًا. البنك المركزي يعمل على حلول جذرية، وليس ردود أفعال آنية.
■ كيف يمكن استثمار هذه الخطوة لدعم الاستقرار النقدي؟
من خلال الحفاظ على هذا النهج النقدي السليم، ودعم السوق المحلية بالفئات اللازمة، وضبط عمليات المضاربة، وتثبيت سعر الصرف.
■ كيف ترون مستقبل العملة الوطنية؟
المستقبل مرهون بالتزام دول العدوان باستحقاقات السلام، لكن حكومة التغيير والبناء ماضية في حماية الريال اليمني، واستعادة دوره الكامل كعملة سيادية شاملة لكل اليمنيين، وقد بدأ ذلك فعلاً من خلال قبول واسع لها في المحافظات الجنوبية.
رسالة ختامية من الخبير الاقتصادي رشيد الحداد:
"نؤكد من خلال موقع "أنصار الله" أن السلطة النقدية في حكومة التغيير والبناء ما تزال منفتحة على أي تفاهمات اقتصادية تحقق مصلحة الشعب، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الانهيار المتعمد في المحافظات المحتلة أو الحصار الأمريكي المستمر.
وسنمضي في حماية عملتنا الوطنية، وتجاوز أزمة السيولة، مهما كان حجم التحديات. وانزعاج الولايات المتحدة اليوم من هذه الخطوة، هو أكبر دليل على صوابها".