موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

لا شك بأن حدة الخطاب الصهيوني تجاه اليمن تعكس استمرار تصاعد مستوى القلق والمخاوف لدى الكيان من نُهوض هذا البلد. ومع أن العمليات اليمنية توقفت بعد إعلان "وقف إطلاق النار" -الذي لم يلتزم به العدو- في غزة، إلا أن قادة الكيان ما انفّكوا يُرعدون بالتهديد، خصوصاً بعد أن أيقنوا أن الموقف اليمني الإسنادي لغزة قد حطَّم كبرياءهم، وكشف حجمهم الطبيعي.

أمريكا أيضاً ليست غائبة عن هذا المآل، فهي الراعية والداعمة، وهي المُحرضة والمُحفزة، كما أنها الحامية للكيان الصهيوني، ولا تزال ومعها الكيان الإسرائيلي يعيشون حقائق وواقعاً أفرزه عامان من المواجهة، فميناء أم الرشراش لا يزال مُعطَّلاً، والعديد من شركات الطيران مستمرة في مقاطعتها مطارات العدو، فضلاً عن استمرار مراجعة القدرات التي فشلت في تحقيق الردع، وهي مسألة يرى فيها مراقبون إهانة كبيرة لأمريكا بما تعنيه من قوة وقدرة على التأثير في سياسات العالم، ناهيك عن كون ذلك يحشرها في زاوية ضيقة أمام مجلس اللوبي الصهيوني الذي يدفعه للوفاء بالتزامات حماية الكيان والحفاظ على تفوقه في المنطقة.

ربما من السلامة الاستفادة من التجربة السابقة في المواجهة مع اليمن، فبقاء أثر عمليات قواته المسلحة حتى اليوم -رغم توقف هجمات البحر الأحمر وضرب عمق الكيان- يعطيه ميزة التفوق سواء بالقدرة على تجاوز هالة القوة التي لا تُقهَر، أو بأخلاقيته حين تحرك دفاعاً عن شعب مستضعف استفرد به أعتى قوى الشر في العالم. تؤكد وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية أن القواتِ اليمنية "اكتسبت مكانةً دوليةً بارزةً خلال العدوان وحرب الإبادة في غزة نتيجة عملياتها العسكرية ضد الاحتلال وسفنه والمتخادمة معه في البحر الأحمر ومضيق باب المندب والبحر العربي وخليج عدن".

حقائق تسحق نفسية العدو الصهيوني

الواضح أن ما بعد مؤتمر "شرم الشيخ" لإيقاف إطلاق النار زاد من شهية العدو للعبث بالمنطقة، فرفع من وتيرة الإجرام في غزة على الرغم من سريان الاتفاق، كما استمر بعدوانه على جنوب لبنان بشكل متصاعد، زد على ذلك الاستباحة للأراضي السورية. وهو ما يُقرأ منه أن العدو لا يزال يحاول تصوير أنه قادر على فتح عدة جبهات في وقت واحد. وهذه الحماقة ارتكبها خلال العامين الماضيين، إلا أنه حينها ارتطم بحقائق سحقت معنوياته وهزمت نفسيته، حتى وإن استمر كالعادة في المكابرة على أمل ترجيح الكفة لصالحه.

يظن العدو أن بمقدوره -من خلال سياسة التمرد- تجاوز معضلة القوى المقاومة لمشروعه التوسعي في المنطقة، أو ترويضها للقبول به والتعايش معه كيفما هو، كقدَر لا فكاك منه، بعنصريته ودمويته، وبنهمه لسرقة ثروات الدول والهيمنة على قرارها، بحيث تصير مجرد إدارات محلية تتبع كيانه. غير أن الحاصل -وهو حقيقة أكيدة- أن قوى المقاومة والرافضة للمشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة لم يتبدل حالها ولا مواقفها سابقاً حين أخرج فريق الأعداء كل ما في جعبتهم من سلاح ووحشية وتكتيكات ساذجة، ولا يبدو أن ذلك التبدل يمكن أن يحدث، لأن قوى المقاومة تنطلق من ثوابت دينية وأخلاقية.

أمريكا و"إسرائيل" حين تَلَبَّسَهما الوهم

لا يمكن للعدو بأي حال أن يفرض هيمنته أو يسلب الشعوب إرادتها، ومحور المقاومة وإن كان ثُلَّة قليلة، إلا أن تعويله لم يكن يوماً على عدد المقاتلين، وإنما على إيمانهم وإرادتهم، لهذا فإن العربدة في الاعتداء على العرب والمسلمين واحتلال أراضيهم لا يمكن أن تستمر، ووجود هذا الكيان مؤقتٌ ولا يمكن أن يستمر، كما هو الحال بالنسبة لأمريكا التي لا تزال تتوهم بأن تفوقها الاقتصادي والعسكري يُبقيها المسيطرة على العالم والمؤثرة على قراراته، بينما هذا الأمر أصبح يختلف عليه اثنان، بدليل أنها أصبحت تتلقى الهزائم، وتَفِرّ، وبدليل المؤتمرات والتجمعات الدولية التي صارت تنعقد وتصدر بياناتها وفق مصالحها دون أن يكون لواشنطن أي تأثير، وبدليل أن القضية الفلسطينية التي حاولت أمريكا -وما تزال- صرف أي حضور لها في أي محفل دولي، باتت البيانات الختامية تتضمنها على غير رغبة الشيطان الأمريكي، ثم الدليل الأخير أن أمريكا لم تعد قادرة حتى على ضبط الشارع الأمريكي أو تَبَدُّل قناعاته، والأمر هنا لا شأن له بالديمقراطية، وإلا لماذا كانت ردود الفعل العنيفة تلك لأجهزة الأمن الأمريكية ضد التظاهرات؟ ولِماذا كانت العقوبات أو التلويح بها كالحرمان من التمويل كما حدث لبعض الجامعات؟.

ثم من المهم التعاطي مع العدوان أو التهديد الصهيوني لليمن على أنه لا يُعبِّر عن قوة وثقة بتحقيق نصر، وإنما بكونه يأتي من جهة في إطار الحفاظ على المكانة الوهمية للعدو الإسرائيلي كمُتصدِّر عسكرياً لقائمة "الشرق الأوسط"، ومن جهة أخرى إعطاء العالم الشعور بأن مثل أمريكا و"إسرائيل" لا يمكن هزيمتهما. ولإدراك الحقيقة يكفي النظر إلى حال الكيان اليوم، فخلال عامين ارتكب أبشع الجرائم واستخدم كل أنواع السلاح بما فيها المحرمة، ولجأ إلى أحط الأساليب، بالتجويع ومنع الدواء وحليب الأطفال عن الوصول إلى الفلسطينيين، مع ذلك لم يتمكن من استعادة جثث أَسْرَاه إلا بإرادة المقاومة، أضِف إلى ذلك أن استمراره اليوم في القتل والحصار هو بذاته دليل آخر على قناعته بأنه لم يتمكن من تحقيق أي أهداف استراتيجية في غزة.

حتى وهو ينهش اليوم جزءاً من القطاع تحت مُسمى "الخط الأصفر" يظل -وهو القوة المدعومة بكل الإمكانات وتقف معه أمريكا ودول الاستعمار- عاجزاً عن تحقيق النصر وجَلْب المكاسب لكيانه.

العدو تحت طائلة "الضرب"

توَهَّم الكيان بأن دخول أمريكا في معركته سَيُلْحِق الهزيمة بإيران، إلا أن أمريكا خابت وتراجعت وتستَّرت بالتصريحات التي كَذَّبَتها النتائج، وظن العدو الصهيوني أن أمريكا ستَرُدّ عنه القصف اليمني، إلا أنها انسحبت مهزومة، وقبل ذلك اطمأن إلى تحريك "البنتاجون" لبارجاته وحاملات الطائرات سعياً لإرهاب دول المنطقة سيما قوى المقاومة، إلا أنها أُصيبت أيضاً بالخيبة وهي ترى ما كان يمثل أبرز أدوات الإرهاب الأمريكي ينهار بعد أن وضعت لها القوات اليمنية تاريخ انتهاء.

مسار تطور القدرات يشير إلى أن ما يَجترحُه اليمن من إعجاز في مواجهة الطواغيت لم يُصبه بالتراخي، لذلك فإن تهديدات الكيان "الإسرائيلي" ليست مُفاجِئة، واليمن يُحضِّر نفسه لمواجهة قادمة حتمية كما كشف عن ذلك السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي. بينما العدو لا يزال يحاول امتصاص تأثير الصدمات التي تلقاها خلال العامين الماضيين، والتي كشفت عن أنه تحت طائلة "الضرب" وإنْ حَشَدَ ما حَشَد. على أن رد الفعل اليمني لأي حماقة صهيونية سيكون تأثيره أعظم، فجِراح الضربات السابقة لم تَنْدَمِل بعد وبحاجة لوقت من أجل التعافي. ومؤخراً كشفت وسائل إعلام العدو عن حجم الانهيار النفسي العميق الذي يضرب الصهاينة منذ عملية طوفان الأقصى، حيث أظهرت معطيات خطيرة أن التكلفة المتوقعة للإصابات النفسية الناجمة عن العملية ستصل – خلال خمس سنوات فقط – إلى 500 مليار "شيكل"، في واحدة من أكبر الضربات التي يتعرض لها الكيان الإسرائيلي منذ تأسيسه.

ويؤكد مراقبون أن ارتفاع نسبة مَن يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة إلى 29.8%، (ما يقارب ثلث الصهاينة)، وهي تمثل "نسبة كارثية في كيان صغير يعتمد -في بقائه- على معنويات مرتفعة وجاهزية قتالية واقتصادية مستمرة". وكشفت تحقيقات داخلية "أن آلاف الجنود الصهاينة والمغتصبين يعيشون اليوم حالة خوف دائم، وهلع من أي صافرة إنذار أو صوت مرتفع".

العدو لن يتطاول أكثر من ذلك

الأصل في نغمة التهديد الصهيونية هو أن المجرم "نتنياهو" إنما يحاول تهيئة الصهاينة الغاصبين لموجة جديدة من صافرات الإنذار والهرولة إلى الملاجئ، مع ما يعنيه ذلك من انسحاق نفسي أكثر، وتراكم أسباب انعدام الثقة في الكيان.

ضَرَبَ اليمن الكيان الصهيوني وحاصره، ولم يتمكن العالم حتى الآن من فك الحصار عنه، وكان ذلك إسناداً لغزة، أما في عمليات الرد على الغارات العدوانية وقصف المُنشآت المدنية والتجمعات السكانية فلم يكن ذلك يتأخر لأكثر من ساعات بشكل أكثر إيلاماً، وحينها كان التحرك اليمني السريع ووصول الصواريخ والطائرات المسيرة إلى أهدافها يمثل ضربة قاسية ومخيفة للعدو، لكونها تأتي فيما هو في ذروة الاستنفار والاستعداد والترقب للرد، مع ذلك فإن كل إجراءاته لم تكن تُسعفه حتى لاكتشاف الزائر القادم من اليمن، ليكون الكيان بذلك قد ساهم في ترسيخ حقيقة أن القوات المسلحة اليمنية باتت تمثل خطراً حقيقياً وأكيداً على المشروع الصهيوني، ويُنظَر إليها أنها قوة عربية إسلامية قادرة على ضرب أمن الكيان.

رد اليمن هذه المرة على أي حماقة قد يرتكبها متطرفو الكيان الصهيوني سيكون دفاعاً عن الوطن، سيادته ومصالحه، ما يعني أن القوات اليمنية ستتفرغ لتأديب هذا الكيان بصورة ستراكم رصيد الصفعات التي تلقاها خلال الفترة الماضية، وستكون هذه المرة كالقشة التي ستَقْصِمُ ظهره. وبالفعل كما قال الـ"نتنياهو" إن كيانه بالنسبة لليمن عدو محتل ومُستبيح لدول المنطقة ولابد من زواله. وهذا يعني أن دوافع ضرب العدو ثوابت حتمية، وعليه إلى جانب أمريكا أن يتعلما من الدروس السابقة أن اليمن لا يَترك ثأرَه. وأن الكيان لن يُترك يعربد كما يشاء، ويتجرأ بالتطاول على أبناء الأمة.