موقع أنصار الله . تقرير 

لم يكن المشهد اليمني ليُصدِّق نفسه لو عاد عشر سنوات إلى الوراء، بلدٌ محاصر، مُنهك بالحرب، يتعرض لعدوان دولي تحالَف فيه المال والسلاح والسياسة والإعلام، في محاولة لطمس هويته وتمزيق روحه. لكن شيئًا ما حدث… شيئًا لم تحسبه واشنطن ولا "تل أبيب" ولا كل منظومات الانحطاط العالمي.
لقد نهض اليمن، لا على قاعدة استيراد القوة من الخارج، ولا على إسناد القوى الكبرى، بل نهض على مشروع قرآني أعاد تشكيل الإنسان قبل السلاح، والوعي قبل الوسائل، والإيمان قبل الإمكانات، من هنا تحديدًا يمكن قراءة كل تلك الاعترافات الأمريكية والإسرائيلية التي تتساقط اليوم قوتهم كما تتساقط أوراق الخريف، لتؤكد من جديد أن اليمن لم يعد ذلك البلد الذي كان يُختبر فيه السلاح الأمريكي، بل صار البلد الذي يُسقط هيبة هذا السلاح، ويمزّق أسطورته، لأن فيه رجالًا يحملون مشروعًا يتجاوز حدود الجغرافيا، ويكسر مقاييس القوة المادية، "المشروع القرآني".

المشروع القرآني يهدم سطوة القوة الأمريكية

حين تعترف الولايات المتحدة بأن مقاتلات إف–35 (فخر الصناعات العسكرية و"جوهرة التاج" في ترسانتها الجوية) تعرضت لأول إطلاق نار مباشر منذ عشرين عامًا فوق سماء اليمن، فهذا اعتراف لا يخص لحظة عسكرية عابرة؛ بل يعرض تحوّلًا استراتيجيًا صنعته إرادة مؤمنة تعرف ماذا تريد.
وحينما اعترف قائد السرب الأمريكي بأن طائرته "إف-35" الشبح تعرضت لإطلاق نار مباشر في أجواء اليمن، لم يكن يدرك أنه لا يواجه منظومة رادارات وصواريخ فقط، وإنما يواجه سِيَاجاً من الآيات، وسَيْفاً من الإيمان. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}. لقد كانت تلك الطلقة التي أرعبت أعتى قوة في العالم، هي الترجمة العملية لوعي أمة آمنت بأن القوة كلها لله، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
هذا "الإطلاق المباشر الأول من نوعه منذ عقدين" هو في حقيقته أول اعتراف غربي بأن المعادلة التي أقاموها على "التفوق التكنولوجي" قد اصطدمت بالمعادلة القرآنية: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، فالقوة هنا ليست غاية، بل هي وسيلة في مشروع إعلاء كلمة الله. لقد حوّل اليمنيون الآية إلى خطة عمل، والإيمان إلى استراتيجية، فجاءت النتائج مذهلة، لتكشف أن "التفوق" الحقيقي ليس في الطائرة الشبح، بل في القلب الذي لا يخاف غير الله.
القائد الأمريكي للسرب 34 لم يتحدث عن مناوشة، بل تحدث عن تهديد غير مسبوق، تهديد أجبر الطيارين على مناورات الهروب، وفرض معادلة جديدة في سماء المنطقة، ولم يكن هذا ليحدث لو كان اليمن يعتمد على "فتات" الدعم الخارجي، أو لو كان اليمنيون يقاتلون بعقلية رد الفعل فقط، هذا حدث لأنهم تبنّوا مشروعًا قرآنيًا جعلهم يرون أن الهيمنة ليست قدرًا، وأن الطغيان مهما اشتدّ فإن وعد الله أكبر.
لقد فرض اليمن معادلة ردع بحرية وجوية جعلت تكلفة العدوان باهظة على أمريكا وحلفائها، ولكن هذه المعادلة في المنظور القرآني ليست غاية في حد ذاتها، إنها وسيلة لإقامة حد الله في الأرض: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}. الردع هنا ليس للتفاخر أو التوسع، بل لحماية المشروع القرآني من أن يُعتدى عليه، ولإيصال رسالة أن الأمة التي تتمسك بكتاب الله لن تُهزم، وأن {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}. لذلك، عندما يفر طيار أمريكي في اللحظات الأخيرة، أو تنسحب حاملة طائرات من مياه البحر الأحمر، فإن المشاهد لا يرى فقط هزيمة عسكرية، بل يرى تحققاً لوعد الله: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}. إن هيبة أمريكا التي تهاوت، هي بالفعل تهاوت أمام قوة الصواريخ وأمام قوة الإيمان التي جعلت شباب اليمن يقفون في الصفوف الأمامية وهم يرددون: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}.
المشروع القرآني حرّر العقل اليمني من عقدة القوة، وجعل المقاتل ينظر إلى طائرة الشبح الأمريكية التي كانت تُعدّ "يد السطوة" فوق الشعوب على أنها مجرد آلة يمكن إسقاطها حين يتسلّح القلب بمعادلة {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإذن الله}.

ثمرة المسار الإيماني

قبل أن تظهر المعادلة الجوية الجديدة، كانت الولايات المتحدة قد تلقّت سلسلة هزائم في البحر الأحمر، هزائم غير مسبوقة في تاريخها، خمس حاملات طائرات "آيزنهاور – روزفلت – أبراهام لينكولن – هاري ترومان – فينسون" خرجت من المنطقة تحت ضغط العمليات اليمنية.
العالم وقف مذهولًا، كيف لقوة تُوصف بأنها "الأعظم" أن تُجبَر على الانسحاب أمام بلدٍ محاصر؟ كيف يُغلق البحر الأحمر أمام أساطيل القوة التي طالما حكمته بلا منازع؟! الجواب لم يكن تقنيًا، ولم يكن مرتبطًا فقط بالصواريخ الدقيقة أو الطائرات المسيرة، بل كان مرتبطًا بالروح التي تُحرّك هذه الأسلحة، فالمشروع القرآني حين دخل وجدان اليمنيين منحهم بوصلة أن يكون للإنسان موقف من الاستكبار، وأن لا يخضع لهيمنة، وأن يضع نفسه حيث أراده الله لا حيث يريد الطغاة، وهذه الروح هي التي صنعت القوة البحرية اليمنية غير المتكافئة، وهي التي جعلت واشنطن -للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية- تعترف بأنها تواجه معركة لم تتدرب عليها من قبل.
اعتراف قائد السرب الأمريكي بأن معاركهم الجوية أمام الدفاعات اليمنية هي الأولى من نوعها خلال عقدين يعني أن اليمن لم يعد مجرد لاعب "مزعج"، بل صار قوة معطِّلة لمنظومات التفوق الجوي، الطائرات الشبحية التي صُنعت لتمرّ فوق "الشرق الأوسط" كظلّ لا يُرى أصبحت تُرصد، وتُستهدف، وتُجبر على الهروب، وهذا لم يكن ليحدث لولا تأسيس مشروع إيماني يرفع منسوب الوعي لدى المقاتل اليمني، ويجعله يقرأ المعركة بنظرة تختلف جذريًا عن نظرة الجيوش التقليدية، نظرة ترى أن القوة ليست في التكنولوجيا، بل في الإنسان المرتبط بالله، وفي المجتمع المرتبط بالقرآن.
صحيفة "جورزاليم بوست" نفسها (من أشد الأصوات الصهيونية عداءً لليمن) اعترفت بأن اليمن مستقل تمامًا عن إيران، يصنع سلاحه بنفسه، يملك قدرة مذهلة على إنتاج الأسلحة وإخفائها، ويتحرك بثقافة وعقيدة نابعة من تاريخه ووعيه، بل وأقرت بأن اليمنيين لا يحتاجون من يشجعهم، لأن دافعهم إيماني، مرتبط بسردياتهم وثقافتهم القرآنية. هذا الاعتراف تحديدًا يبرهن على أن المشروع القرآني كان قوة إبداعية خلقت صناعة عسكرية يمنية ذاتية رغم الحصار.
صحيفة غراند بيناكل تريبيون كشفت أن الطائرات المسيرة اليمنية اخترقت الدفاعات الجوية الإسرائيلية المتطورة، واستهدفت "إيلات" و"بئر السبع"، فأصابت وأرعبت وأربكت. هذا الاختراق كانت قيمته عسكرية وسياسية ونفسية واستراتيجية، لأن "إسرائيل" كانت تراهن على تفوقها التقني، فجاء اليمن المحاصَر ليكشف هشاشتها، ولأن اليمنيين يقاتلون من منطلقاتهم القرآنية، فهم لا يرون العدو إلا كما وصفه القرآن "كيانًا هشًا، قائمًا على الخوف، يتداعى عند أول ضربة حقيقية".
اليوم يقول مسؤول استخباراتي إسرائيلي سابق: إن اليمن قادر على إلحاق أضرار أكبر من أي ساحة أخرى، وإن "إسرائيل" لم تستطع أن تفرض عليه معادلة ردع. لماذا؟ لأن مشروع اليمن لا يبحث عن مكاسب مرحلية، بل مشروع أمة تستعيد دورها، ومشروع قرآني يُعيد الاعتبار لقضية فلسطين بكونها قضية إيمانية لا سياسية فقط.

هيمنة يمنية

وحين يقول موقع "تريد ويندز" المختص بالملاحة: إن اليمنيين أصبحوا "أسياد مضيق باب المندب بلا منازع"، فهذه ليست سيطرة بحرية فقط، هذه سيطرة مشروعٍ يرفض ترك مفاتيح المنطقة بيد العدو. السيادة هنا هي عسكرية من جهة وسيادة قرار، ورؤية، وقيم من جهة أخرى. وحين تتراجع أوروبا، ويعترف ترامب سابقًا بأنه فشل في إخضاع اليمن، فإن هذا يعني أن المشروع القرآني لم يهزم القوة فقط، بل هزم الإرادة الإمبريالية ذاتها.
القناة 13 العبرية قالت بوضوح: “نتنياهو يعيش كابوس الحوثيين”، ليس لأن اليمن يملك ترسانة ضخمة، بل لأن اليمن يمتلك قرارًا قرآنيًا لا يخضع للمساومات، يمتلك روحًا لا ترتعد من تهديد، ولا ترتبك أمام قوة عظمى. كل هذا يتطابق مع طبيعة المشروع القرآني "مشروع يبني أمةً حرّة، لا تنكسر، ولا تساوم، ولا تخضع.
هذه المعجزات السياسية والعسكرية التي يشهدها العالم اليوم ليست نتاج الصُّدف، ولا نتاج فجوة تقنية، بل هي نتاج إنسانٍ أعاد القرآنُ صياغتَه، فالخطاب القرآني الذي تبناه اليمنيون أعاد تشكيل وعي المقاتل، وأعاد تعريف العلاقة مع العدو، وتحديد معنى القوة، وأعاد ترسيخ جوهر الجهاد التحرري في واقع الأمة. ولهذا تحديدًا، نجح اليمن في إسقاط الهيمنة الأمريكية بحرًا، ثم هزيمتها جوًا، وفرض معادلة ردع على "إسرائيل"، وإرباك "الشرق الأوسط" كله، ثم خرج بعد كل ذلك أكثر قوة، وأكثر صلابة، وأكثر حضورًا.
المسار الإلهي حين يدخل إلى قلب أمةٍ لا يرفع مستوى الخطاب فقط، بل يرفع مستوى القدرة، ومستوى الفعل، ومستوى المواجهة. واليمن اليوم هو الشاهد الأكبر على ذلك، بلد صغير في جغرافيته، عظيم في إيمانه، فقير في إمكاناته، لكن غنيّ بمشروعه القرآني الذي جعل منه قوةً عصيّة على الكسر، والخضوع، والهزيمة. وهذه ليست نهاية الطريق، وإنما مجرد بداية لمرحلة جديدة من امتلاك اليمن زمام المعركة البحرية والجوية، لأن القرآن هو بوصلته الأولى والأخيرة.

ما يحدث في اليمن هو فصل مشرق من فصول سنة الله في نصر المؤمنين، الصراع ليس جيوسياسياً، بل هو تجلٍّ لوعد الله الحق، لقد أراد اليمنيون أن يعيشوا للمشروع القرآني، فمنحهم الله القوة والمنعة والهيبة.
إن سقوط التفوق البحري والجوي الأمريكي في بحار اليمن وسمائه هو رسالة إلى كل الأمة أن الطريق إلى العزة والتمكين ليس بتقليد الأعداء، بل بالعودة إلى الكتاب وأعلام الهدى.
ها هو الفجر القرآني يبزغ من يمن الإيمان، ليذكر الأمة بأن نصر الله قريب، {بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}. لقد صبروا واتقوا، فأمدهم ربهم بما هزم به الجبابرة، وسيظلون بإذن الله شاهدين على أن كلمة الله هي العليا، وأن جند الله هم الغالبون.