موقع أنصار الله . تقرير | أنس القاضي
تناولت الحلقة السابقة الإطار المفاهيمي المستخدم في تفسير التدخلات الأمريكية، إلى جانب تحليل موقع دول أمريكا اللاتينية ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة الصادرة في ديسمبر 2025م، مع اعتماد فنزويلا نموذجاً راهناً لفهم آليات التدخل المعاصر. وفي هذه الحلقة تنتقل الدراسة إلى التتبع التاريخي للسلوك التدخلي الأمريكي من خلال استعراض تجارب كوبا، وغواتيمالا، وتشيلي، ونيكاراغوا، وبوليفيا، بوصفها نماذج تاريخية في فترات مختلفة وظروف متباينة توضّح كيف تشكّلت أنماط التدخل الأمريكي عبر الزمن، وكيف تغيّرت أدواته مع ثبات أهدافه الاستراتيجية في الإخضاع الأمني ونهب الموارد وتصريف السلع الأمريكية في أسواق هذه البلدان، والتحكم في المواقع الاستراتيجية-الجيوسياسية.
لا يمكن فهم السلوك التدخلي الأمريكي في أمريكا اللاتينية بوصفه نتاج لحظات توتر سياسية محدودة، أو ردود فعل آنية على حكومات بعينها، بل بوصفه مساراً تاريخياً ممتداً تَشكّل في سياق صعود الولايات المتحدة كقوة إمبريالية توسعية رأسمالها الاحتكار خارجاً لنهب الموارد وتصريف السلع، وقد مثّلت أمريكا اللاتينية -بحكم القرب الجغرافي وضعف البنى الاستعمارية الأوروبية فيها في مراحل مبكرة- المجالَ الأول لاختبار هذا النمط من التوسع والسيطرة.
في هذا السياق، لم يكن التدخل الأمريكي استثناءً عن القواعد، بل كان جزءاً من منطق إدارة المجال الحيوي، حيث جرى التعامل مع دول القارة بوصفها وحدات سياسية يجب ضبط مساراتها بما ينسجم مع متطلبات الهيمنة الاقتصادية والأمنية الأمريكية. وتكشف التجارب التاريخية المتعددة أن هذا السلوك اتخذ أشكالاً مختلفة: من الاحتلال العسكري المباشر، إلى الانقلابات، إلى الحصار والعقوبات، وصولاً إلى أدوات أكثر تعقيداً في المرحلة المعاصرة، دون أن يتخلى عن هدفه الجوهري: منع تشكّل دول ذات قرار سيادي مستقل.
يمثّل التدخل الأمريكي في كوبا إحدى أقدم وأكثر الحالات دلالة على تشكّل السلوك الإمبريالي الأمريكي في أمريكا اللاتينية، ليس فقط من حيث التوقيت المبكر، بل من حيث الوظيفة البنيوية التي أدتها كوبا في الوعي الاستراتيجي الأمريكي بوصفها موقعاً متقدّماً في البحر الكاريبي ومفتاحاً للأمن البحري والاقتصادي في نصف الكرة الغربي. وقد بدأ هذا التدخل بصورة مباشرة مع الحرب الأمريكية–الإسبانية عام 1898م، التي قادها الرئيس ويليام ماكينلي، والتي لم تكن مجرد مواجهة مع القوة الاستعمارية الإسبانية، بل لحظة انتقال حاسمة للولايات المتحدة من قوة قارية إلى فاعل إمبريالي خارجي.
ورغم أن الحرب الأمريكية رُوِّج لها تحت شعار "تحرير كوبا من الاستعمار الإسباني"، فإن نتائجها الفعلية قادت إلى إخضاع الجزيرة لمنظومة نفوذ أمريكية مباشرة، وقد كانت هذه أول حرب إمبريالية في التاريخ، تتحارب دولتان على استعمار دولة ثالثة، فبعد انسحاب إسبانيا لم يُمنح الكوبيون استقلالاً سيادياً كاملاً، بل فُرض عليهم ما عُرف بـ"تعديل بلات" (Platt Amendment) عام 1901، الذي أُدرج في الدستور الكوبي، ومَنح واشنطن حق التدخل العسكري متى رأت أن "الاستقرار" أو "المصالح الأمريكية" مهددة. كما أتاح هذا التعديل للولايات المتحدة إقامة قواعد عسكرية دائمة، أبرزها قاعدة غوانتانامو، التي لا تزال حتى اليوم رمزاً صارخاً لانتهاك السيادة الكوبية. وهكذا، جاء إعلان استقلال كوبا عام 1902 استقلالاً شكلياً، خاضعاً لإكراه سياسي وقانوني واقتصادي مباشر.
خلال العقود التالية، أُعيد إنتاج هذا النمط من التبعية عبر دعم الولايات المتحدة لنخب سياسية واقتصادية مرتبطة بمصالحها، ومن ذلك دعم نظام فولغينسيو باتيستا، الذي حكم البلاد بقبضة استبدادية، وفتح الاقتصاد الكوبي أمام رأس المال الأمريكي، ولا سيما في قطاع السكَّر، إضافة إلى السياحة والأنشطة العقارية المرتبطة بها، بما حوّل هافانا إلى فضاء اقتصادي–خدمي تابع للمصالح الأمريكية.
في هذا السياق، لم تكن كوبا دولة مستقلة فعلياً، بل جزءاً من المجال الاقتصادي–الأمني الأمريكي، تُدار سياساتها بما يضمن انسياب المصالح الرأسمالية الأمريكية.
شكّل انتصار الثورة الكوبية عام 1959م -بقيادة فيديل كاسترو وتشي جيفارا- قطيعة جذرية مع هذا المسار، فلم تكتفِ الثورة بإسقاط نظام باتيستا، بل أعادت تعريف دور الدولة، والملكية، والعلاقة مع الرأسمال الأجنبي، من خلال تأميم القطاعات الأساسية، وإعادة توزيع الأراضي، وبناء نموذج اجتماعي–اقتصادي مستقل نسبياً عن السوق الأمريكية. هنا، لم يكن الصدام مع واشنطن ناتجاً عن تهديد عسكري مباشر، بل عن كسر نموذج التبعية ذاته، وتحويل كوبا إلى سابقة سياسية واقتصادية خطِرة -من المنظور الأمريكي- في الفضاء اللاتيني.
ردّت الولايات المتحدة -في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور ثم جون كينيدي- بسلسلة إجراءات هدفت إلى إسقاط النظام الجديد أو خنقه. تمثّل ذلك أولاً في دعم عمليات تخريب سرية، ثم في محاولة الغزو الفاشلة عبر عملية خليج الخنازير عام 1961م، التي نفذتها قوات منفيين كوبيين بدعم مباشر من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وبعد فشل الخيار العسكري المباشر، انتقلت واشنطن إلى اعتماد الحصار الاقتصادي الشامل ابتداءً من 1962م، بوصفه أداة طويلة الأمد لإضعاف الدولة الكوبية واستنزاف مجتمعها.
لم يكن الحصار إجراءً مؤقتاً، بل تحوّل إلى سياسة احتواء ممتدة عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة، من الحرب الباردة إلى ما بعدها، مع تشديده بقوانين مثل قانون هيلمز–بيرتون عام 1996م، الذي وسّع الطابع العابر للحدود للعقوبات، وقيّد أي محاولة دولية لكسر العزلة المفروضة على كوبا. ويكشف هذا الاستمرار أن الهدف لم يكن تعديل سلوك سياسي بعينه، بل منع نجاح نموذج سيادي مستقل قد يشكّل إلهاماً لبقية دول أمريكا اللاتينية.
تكشف الحالة الكوبية -في ضوء هذا المسار الطويل- أن التدخل الأمريكي لم يكن استجابة لتهديد أمني مباشر، بل تعبيراً عن رفض بنيوي لأي مشروع يعيد تعريف علاقة الدولة بالاقتصاد وبمركز النظام الدولي، فسياسة الاحتواء لم تستهدف كوبا بوصفها دولة معادية فحسب، بل بوصفها سابقة سياسية غير مقبولة داخل "المجال الحيوي الأمريكي"، وهو ما يفسّر استمرار الحصار حتى بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، وبقاء كوبا حتى اليوم حالة استثنائية في السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية.
تُعد تجربة غواتيمالا واحدة من أكثر الحالات كَشْفاً لطبيعة السلوك التدخلي الأمريكي في أمريكا اللاتينية خلال مرحلة الحرب الباردة المبكرة، ليس لأنها شهدت إسقاط حكومة منتخبة ديمقراطياً فحسب، بل لأنها تُظهر بوضوح كيف تداخلت المصالح الاقتصادية الخاصة مع القرار السياسي والأمني الأمريكي، بما جعل التدخل أداة لحماية بنية الملكية الرأسمالية الأمريكية.
وصل الرئيس التقدمي خابيير أربينز (Jacobo Árbenz) إلى السلطة في جواتيمالا عام 1951م عبر انتخابات ديمقراطية، وجاء فوزه في سياق داخلي اتسم بتراكم اختلالات اجتماعية حادة، أبرزها تركّز ملكية الأراضي الزراعية في أيدي أقلية ضيقة، وسيطرة الشركات الأجنبية —ولا سيما شركة الفواكه الأمريكية التي تعمل في زراعة الموز— على قطاعات حيوية من الاقتصاد. وقد مثّل برنامج أربينز الإصلاحي -الذي بلغ ذروته مع إصدار المرسوم 900 عام 1952م- محاولةً لإعادة صياغة دور الدولة على نحو تقدمي في تنظيم الملكية الزراعية عبر مشروع الإصلاح الزراعي، من خلال مصادرة الأراضي غير المستثمرة وتعويض مالكيها، ثم إعادة توزيعها على الفلاحين.
غير أن هذا البرنامج اصطدم مباشرة بمصالح شركة الفواكه الأمريكية "United Fruit Company"، التي كانت تملك مساحات شاسعة من الأراضي المزروعة وغير المزروعة، وتتمتع بنفوذ اقتصادي وسياسي واسع داخل غواتيمالا وخارجها. ولم يكن هذا النفوذ اقتصادياً فقط، بل امتد إلى دوائر صنع القرار في واشنطن، حيث ارتبطت الشركة بعلاقات وثيقة مع شخصيات مركزية في الإدارة الأمريكية، من بينها جون فوستر دالاس وزير الخارجية، وشقيقه ألن دالاس مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وكلاهما كانت له علاقات ومصالح سابقة بالشركة.
في هذا السياق، جرى تصوير حكومة أربينز، 1952-1953م بوصفها "تهديداً شيوعياً" في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، رغم أن سياساتها الإصلاحية لم تتجاوز -في جوهرها- إعادةَ توزيعٍ جزئيةً للأراضي ضمن إطار الدولة الوطنية. ومع تولّي الرئيس دوايت أيزنهاور الحكم في الولايات المتحدة عام 1953م، انتقل هذا التصوير من المجال الدعائي إلى التخطيط العملي، حيث كلّفت وكالة الاستخبارات المركزية بتنفيذ عملية سرية عُرفت باسم عملية "PBSUCCESS".
في يونيو 1954م، قادت الـ CIA انقلاباً عسكرياً غير مباشر في غواتيمالا، عبر دعم قوة صغيرة من المرتزقة بقيادة العقيد كارلوس كاستيو أرماس، بالتوازي مع حرب نفسية وإعلامية مكثفة، وضغوط دبلوماسية، وتهديدات عسكرية غير مباشرة. وعلى الرغم من محدودية القوة العسكرية للمتمردين، فإن تآكل الدعم الدولي، وانقسام المؤسسة العسكرية، وضغط الولايات المتحدة، أدّت إلى استقالة أربينز في 27 يونيو 1954م، وانهيار التجربة الإصلاحية دون معركة واسعة.
أعقب الانقلاب تفكيك شامل لمكتسبات الإصلاح الزراعي، وإعادة الأراضي من الفلاحين إلى الشركة الأمريكية والنخب المحلية المتحالفة معها، إضافة إلى إطلاق موجة قمع سياسي واسعة استهدفت النقابات، والحركات الفلاحية، والقوى الاشتراكية. وبذلك، لم يقتصر أثر التدخل على إسقاط حكومة بعينها، بل أسّس لمسار طويل من عدم الاستقرار ومن العنف السياسي الذي بلغ ذروته لاحقاً في حرب أهلية دامت عقوداً، وكرّست غواتيمالا نموذجاً للدولة التابعة أمنياً واقتصادياً.
تكشف هذه التجربة أن التدخل الأمريكي في غواتيمالا لم يكن استجابة لتهديد عسكري أو أيديولوجي حقيقي (محاربة الشيوعية كما زعمت الولايات المتحدة رغم انه لا حق لها بذلك أصلاً)، بل تدخلاً استعمارياً يهدف إلى منع الدولة من لعب دور توزيعي مستقل، وإلى حماية مصالح رأس المال الأمريكي العابر للحدود من أي إعادة تنظيم اجتماعي–اقتصادي. ومن هنا، يمكن فهم حالة غواتيمالا أنها لحظة مفصلية في تاريخ التدخل الأمريكي، حيث تبلور نموذج إسقاط الحكومات المنتخبة ديمقراطياً حين تتعارض سياساتها مع بنية الهيمنة الاقتصادية، وهو نموذج سيُعاد إنتاجه لاحقاً في تجارب أخرى داخل أمريكا اللاتينية.
تُعد التجربة التشيلية من أكثر الحالات دلالة على تطوّر أدوات التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية، إذ لم يبدأ التدخل فيها بانقلاب عسكري مباشر، بل بسلسلة ضغوط اقتصادية ومالية ممنهجة هدفت إلى تقويض حكومة منتخبة ديمقراطياً من الداخل، تمهيداً لإسقاطها بالقوة حين تنضج الظروف. وقد شكّل فوز الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي في انتخابات سبتمبر 1970م لحظة صدام حاد مع الولايات المتحدة، ليس بسبب تهديد عسكري أو اصطفاف عدائي مباشر، بل لأن برنامج أليندي سعى إلى إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، وتقليص الهيمنة الأجنبية على الموارد الاستراتيجية.
منذ تولّيه السلطة، أطلق أليندي برنامجاً إصلاحياً واسعاً شمل تأميم قطاع النحاس (وهو العمود الفقري للاقتصاد التشيلي)، والذي كانت تهيمن عليه شركات أمريكية كبرى مثل Anaconda و Kennecott. كما شمل البرنامج توسيع دور الدولة في القطاعات المصرفية والصناعية، وتعزيز الإنفاق الاجتماعي. مثّلت هذه السياسات خروجاً واضحاً عن النموذج الليبرالي التابع، وأعادت طرح مسألة السيادة الاقتصادية في دولة تُعد من أكثر دول أمريكا اللاتينية اندماجاً في الاقتصاد العالمي.
في واشنطن، قوبل هذا التحول باعتباره تهديداً استراتيجياً، لأن تجربة أليندي مثّلت سابقة خطِرة للولايات المتحدة في وصول مشروع اشتراكي إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع لا الكفاح المسلح، ويمكن نجاحه داخل نظام ديمقراطي تعددي. وقد عكست وثائق رسمية لاحقة حجم القلق الأمريكي، حيث اعترف الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر بأن الولايات المتحدة قررت العمل على "جعل الاقتصاد التشيلي يصرخ"، في إشارة صريحة إلى استخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح سياسي.
ابتداءً من 1971م، شرعت الولايات المتحدة في تجفيف مصادر التمويل الخارجي لتشيلي، والضغط على المؤسسات المالية الدولية لوقف القروض، وتشجيع هروب رؤوس الأموال، بالتوازي مع دعم قوى داخلية معارضة، وتمويل إضرابات في قطاعات حيوية، أبرزها إضراب سائقي الشاحنات عام 1972م، الذي شلّ حركة الاقتصاد وأربك الحياة اليومية. لم تكن هذه الإجراءات عرضية، بل جزءاً من استراتيجية متكاملة لإنتاج أزمة اقتصادية واجتماعية تُفقد الحكومة قدرتها على الحكم، وتُهيئ الرأي العام الداخلي والمؤسسة العسكرية لتقبّل خيار الانقلاب.
في 11 سبتمبر 1973م، بلغ هذا المسار ذروته مع الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه، قائد الجيش، بدعم سياسي واستخباراتي أمريكي. انتهى الانقلاب بمقتل الرئيس أليندي داخل قصر "لا مونيدا"، وبدء حقبة حكم عسكري استمرت حتى 1992م، اتسمت بقمع واسع، واعتقالات جماعية، وتصفية ممنهجة للقوى اليسارية والنقابية.
غير أن جوهر التدخل الأمريكي في تشيلي لا يُختزل في إسقاط أليندي، بل في ما تلا ذلك، فقد تحوّلت تشيلي في عهد بينوشيه إلى مختبر لتجربة السياسات النيوليبرالية، بإشراف اقتصاديين تشيليين تلقّوا تعليمهم في جامعة شيكاغو الأمريكية، عُرفوا باسم "صبيان شيكاغو"، حيث جرى تفكيك القطاع العام، وخصخصة الشركات، وتقليص دور الدولة، وإعادة فتح الاقتصاد أمام رأس المال الأجنبي. وبهذا، لم يُعَدْ تشكيل السلطة السياسية فقط، بل أُعيدت هندسة الدولة والنخبة الاقتصادية بما يضمن توافقها طويل الأمد مع متطلبات النظام الرأسمالي المفروض أمريكيا على العالم.
تكشف التجربة التشيلية -في هذا السياق' أن التدخل الأمريكي لم يكن يهدف فقط إلى تغيير حكومة بعينها، بل إلى منع نجاح مسار ديمقراطي–اجتماعي مستقل، وإلى تثبيت نموذج اقتصادي تابع حتى لو تطلّب ذلك تقويض الديمقراطية نفسها. ومن هنا، تُعد تشيلي مثالاً مركزياً على انتقال التدخل الأمريكي من الانقلابات السريعة إلى إدارة أزمات اقتصادية وسياسية مركّبة، تنتهي بإعادة إنتاج التبعية بأدوات جديدة.
تُعد تجربة نيكاراغوا نموذجاً متقدّماً لتحوّل أدوات التدخل الأمريكي من الانقلابات العسكرية المباشرة إلى الحرب بالوكالة وإدارة الصراع طويل الأمد. في سياق الحرب الباردة شكّل انتصار الثورة الساندينية عام 1979م، بقيادة دانييل أورتيغا ورفاقه في الجبهة الساندينية للتحرير الوطني (FSLN)، لحظة قطيعة حاسمة مع نظام أناستاسيو سوموزا ديبايلي، الذي حكم البلاد لعقود بدعم سياسي وعسكري مباشر من الولايات المتحدة، وحوّل نيكاراغوا إلى دولة أمنية–زبائنية شديدة الارتباط بالمصالح الأمريكية.
مع سقوط نظام سوموزا، لم يقتصر التحول على تغيير رأس السلطة، بل شمل محاولة إعادة بناء الدولة على أسس اجتماعية–اقتصادية جديدة، عبر إصلاح زراعي، وتوسيع دور الدولة في التعليم والصحة، وتقليص نفوذ النخب المرتبطة بالنظام السابق. ورغم أن الحكومة الساندينية لم تعلن قطيعة كاملة مع الغرب، ولم تنخرط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، إلا أن مشروعها السياسي عُدّ في واشنطن تهديداً استراتيجياً، لا بسبب قدراته العسكرية، بل لأنه قدّم نموذجاً ثورياً قابلاً للامتداد في أمريكا الوسطى.
بلغت المواجهة ذروتها مع وصول الرئيس رونالد ريغان إلى البيت الأبيض عام 1981م، حيث أعادت إدارته صياغة السياسة الأمريكية تجاه نيكاراغوا ضمن خطاب "احتواء الشيوعية" في نصف الكرة الغربي. وفي هذا الإطار، قررت واشنطن تجنّب الغزو العسكري المباشر -لما يحمله من كلفة سياسية ودولية- والانتقال إلى خيار الحرب غير المباشرة عبر دعم وتسليح ميليشيات مضادة للثورة عُرفت باسم "الكونترا"، تكوّنت أساساً من عناصر الحرس الوطني السابق الموالي لـسوموزا، إضافة إلى مجموعات مسلحة مدعومة إقليمياً.
امتد هذا الصراع طوال ثمانينيات القرن العشرين، واتسم باستراتيجية استنزاف شاملة، استهدفت البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة الساندينية، من خلال الهجمات على البنية التحتية، والمزارع، والمؤسسات الخدمية، ما أدّى إلى إنهاك الاقتصاد، واستنزاف الموارد المحدودة للدولة، وإبقاء المجتمع في حالة تعبئة دائمة. ولم يكن الهدف إسقاط الحكومة سريعاً، بل منعها من الاستقرار ومن ترجمة مشروعها السياسي إلى مسار تنموي مستدام.
وقد تكشّف الطابع غير المشروع لهذا التدخل في فضيحة إيرين–كونترا (1986م(، حين تبيّن أن إدارة ريغان موّلت الكونترا بطرق سرّية، متجاوزة قرارات الكونغرس الأمريكي التي قيّدت هذا الدعم. كما لجأت نيكاراغوا إلى محكمة العدل الدولية، التي أصدرت عام 1986م حكماً يدين الولايات المتحدة لانتهاكها سيادة البلاد ودعمها أنشطة عسكرية غير قانونية، في سابقة قانونية دولية نادراً ما يُشار إليها في الخطاب السياسي الغربي.
إلى جانب الدعم العسكري للكونترا، فرضت الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً على نيكاراغوا عام 1985م، ما ضاعف من الضغوط الداخلية، وعمّق الأزمة المعيشية، وأسهم في إنهاك القاعدة الاجتماعية للثورة. وبذلك، تضافرت الحرب بالوكالة مع الأدوات الاقتصادية لإنتاج بيئة خانقة، جعلت كلفة الاستمرار في المسار الثوري باهظة على الدولة والمجتمع.
انتهى هذا المسار بانتخابات 1990م، التي خسر فيها الساندينيون السلطة، في سياق داخلي شديد الإرهاق، وضغوط خارجية مكثفة، ما يبيّن أن التدخل الأمريكي لم يكن يهدف فقط إلى إسقاط الثورة بالقوة، بل إلى فرض خيار سياسي عبر الاستنزاف، يُنتج تحوّلاً في موازين القوى دون تدخل عسكري مباشر.
تكشف الحالة النيكاراغوية أن السلوك التدخلي الأمريكي تطوّر في هذه المرحلة نحو إدارة الصراع طويل الأمد، حيث تُستخدم الحرب بالوكالة، والعقوبات، والضغط السياسي، كبدائل وظيفية للغزو، بما يسمح بتعطيل أي مشروع سيادي أو تنموي مستقل، حتى وإن جاء هذا المشروع عبر ثورة شعبية واسعة. ومن هنا، تمثّل نيكاراغوا حلقة مركزية في فهم انتقال التدخل الأمريكي من الانقلابات السريعة إلى استراتيجيات الاستنزاف المنهجي داخل أمريكا اللاتينية.
تُظهر التجربة البوليفية، في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أن السلوك التدخلي الأمريكي في أمريكا اللاتينية لم يعد مشروطاً بوجود أنظمة سلطوية أو بسياق الحرب الباردة، بل بات قادراً على الاشتغال داخل الأطر الديمقراطية الشكلية نفسها، متى ما أفرزت هذه الأطر سياسات تمسّ المصالح الاستراتيجية أو تعيد تعريف دور الدولة في إدارة الموارد، ففي هذا السياق، شكّلت بوليفيا حالة كاشفة لتحوّل أدوات التدخل من الانقلابات العسكرية التقليدية إلى انقلابات هجينة تجمع بين الضغط السياسي، والتشكيك الانتخابي، والتحريض المؤسسي.
وصل المناضل النقابي الرئيس إيفو موراليس إلى السلطة عام 2006م عبر انتخابات ديمقراطية، بوصفه أول رئيس من السكان الأصليين في تاريخ بوليفيا الحديث، وقاد مشروعاً سياسياً–اجتماعياً ركّز على استعادة دور الدولة في إدارة الموارد الطبيعية، ولا سيما الغاز الطبيعي في البداية، ثم الليثيوم لاحقاً، باعتباره مورداً استراتيجياً عالمياً في ظل التحول نحو الطاقات الجديدة، وقد أعادت هذه السياسات صياغة علاقة بوليفيا بالشركات متعددة الجنسيات، وقلّصت النفوذ الخارجي في قطاعات حيوية، مع توسيع الإنفاق الاجتماعي وتحسين مؤشرات الفقر والتعليم.
غير أن هذا المسار -رغم شرعيته الانتخابية- وضع حكومة موراليس في مواجهة غير مباشرة مع مصالح اقتصادية دولية كبرى، ومع رؤية أمريكية تعتبر السيطرة على سلاسل توريد الموارد الاستراتيجية جزءاً من أمنها القومي.
ومع اقتراب انتخابات أكتوبر 2019م، تصاعد التوتر السياسي، وجرى التشكيك بنتائج الاقتراع التي أظهرت فوز موراليس بولاية جديدة. وقد لعبت منظمة الدول الأمريكية (OAS) دوراً محورياً في هذا السياق، عبر إصدار تقرير أولي أشار إلى "مخالفات" انتخابية، استُخدم سياسياً لتقويض شرعية النتائج، رغم الجدل اللاحق حول منهجية التقرير ودقته.
في نوفمبر 2019م -وتحت ضغط احتجاجات عنيفة، وتمرد داخل أجهزة الأمن، وتدخل غير مباشر من المؤسسة العسكرية- أُجبر موراليس على الاستقالة ومغادرة البلاد، في مشهد عكس انتقال التدخل من القطيعة العسكرية الصريحة إلى إنتاج أزمة شرعية داخلية تُستخدم لإسقاط حكومة منتخبة. أعقب ذلك تشكيل حكومة انتقالية برئاسة جانين أنييز، اتخذت مواقف سياسية واقتصادية أعادت بوليفيا بسرعة إلى مسار أكثر توافقاً مع الولايات المتحدة، وفتحت المجال أمام إعادة النظر في سياسات إدارة الموارد.
لم يقتصر أثر هذا التحول على تغيير السلطة، بل رافقته موجة قمع سياسي وأمني استهدفت أنصار الحكومة السابقة والحركات الاجتماعية، ما أظهر أن الانقلاب -رغم غطائه "الدستوري"- حمل في مضمونه إعادة ضبط قسرية لمعادلة السلطة. غير أن التجربة البوليفية كشفت أيضاً حدود هذا النمط من التدخل؛ إذ أدّت الانتخابات اللاحقة عام 2020م إلى عودة التيار التحرري نفسه إلى الحكم بفوز لويس آرس، مرشح حركة الاشتراكية (MAS)، في مؤشر على أن الانقلاب لم ينجح في تفكيك القاعدة الاجتماعية للمشروع السياسي الذي قاده موراليس. وبسبب انقسامات داخل صفوف اليسار وتوحد القوى اليمينية انهارت التجربة مجدداً في انتخابات العام 2025م.
تكشف حالة بوليفيا أن الشرعية الانتخابية وحدها لا تشكّل ضمانة ضد التدخل الخارجي، عندما تفرز سياسات سيادية تمسّ الموارد الاستراتيجية أو تعيد دور الدولة في الاقتصاد والانحايز للمجتمع. كما تُبرز أن التدخل الأمريكي المعاصر بات يعمل عبر أدوات مؤسسية وإعلامية وقانونية، تسعى إلى إعادة توجيه المسار السياسي دون الحاجة إلى دبابات أو احتلال مباشر. وبهذا المعنى، تمثل بوليفيا مثالاً حديثاً على كيفية تكيّف النزعة التدخلية مع خطاب الديمقراطية، وتحويلها من قيمة حمائية إلى أداة قابلة للتعطيل متى ما تجاوزت حدودها المرسومة -أمريكيا- داخل النظام الدولي.
هذه التجارب نماذج للتحليل، وليست حصراً للتدخلات الأمريكية، ويتبين منها أن السلوك التدخلي الأمريكي في أمريكا اللاتينية اتخذ أشكالاً متحوّلة عبر الزمن، لكنه حافظ على منطق ثابت:
التصدي لأي محاولة لإعادة توزيع الثروة للمجتمع، أو تأميم الموارد بانتزاعها من الاحتكارات الأجنبية وإعادتها للدولة، أو بناء سياسة خارجية مستقلة عن فلك الولايات المتحدة، بغضّ النظر عن الإطار السياسي الذي جاءت فيه هذه المحاولات، سواء أكان ثورياً أو إصلاحياً أو ديمقراطياً.
بهذا المعنى، فإن فنزويلا المعاصرة -التي تتعرض اليوم لتهديدات من الولايات المتحدة- لا تمثّل استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية ممتدة، ستسمح دراستها التركيبية في المحور التالي باستخلاص الأنماط الثابتة والأدوات المتغيّرة في هذا السلوك.
تنتقل الورقة التحليلية في الحلقة المقبلة من عرض الحالات التاريخية إلى التحليل العام، عبر تفكيك الأنماط الثابتة التي حكمت التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، مقابل الأدوات المتغيّرة التي استخدمتها عبر الزمن. وستتوقف عند التحوّل من الانقلابات العسكرية المباشرة إلى الإكراه السياسي–الاقتصادي، ودور الاقتصاد كساحة مركزية للصراع، وآليات إعادة تشكيل النخب المحلية لضمان هيمنة طويلة الأمد، إضافة إلى تسييس الولايات المتحدة لمفهوم "الأمن القومي" وتحويل مفهوم حماية الأمن القومي إلى ذريعة للتدخل.