موقع أنصار الله . تقرير 

في واقع الأمة الراهن، تبدو مخاطر الولاء للأعداء أكثر وضوحاً، حيث تسارع بعض الأنظمة نحو الاندماج مع العدو الصهيوني، متناسين تحذيرات القرآن الكريم من التولي لليهود والنصارى، فهذا العدو يمارس جرائم واسعة بحق شعوب أمتنا، من قتل وتشريد إلى تهجير ونهب، ومع ذلك نجد من يتماهى معه أو يبرر تصرفاته، كما نرى اليوم تخندقَ البعض في خنادق العدو ضد الشعب الإسلامي في إيران التي تواجه عدواناً صهيوأمريكيا، فالتولي -حسب التوصيف القرآني- ليس موقفاً عابراً، بل انعكاس لمرض في القلوب وغياب الوعي الإيماني. إن القرآن الكريم يربّي الأمة على الاعتصام بالله، والولاية الصادقة لله ورسوله وللمؤمنين، ليظل الإنسان بعيداً عن الانحراف وحصيناً في مواجهة أعداء الدين.

في هذا التقرير نستعرض بعض الآيات القرآنية من سورة المائدة التي تحذر من تولي اليهود والنصارى، ونقدم -على ضوئها- الرؤية القرآنية لتحصين الأمة من هذا الداء الهدام:

التحذير القرآني من موالاة اليهود والنصارى 

في الخطاب القرآني تتكرر صيغة النداء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، وهو نداء يحمل في طياته معنى التنبيه والتحذير معاً. فكل من ينتسب إلى الإيمان مدعوٌّ إلى أن يراجع موقفه وسلوكه وولاءه. ومن بين أبرز القضايا التي تطرحها آيات سورة المائدة (51–59) مسألة الولاء والانتماء، وهي قضية لا تتعلق بمجرد العلاقات الاجتماعية أو السياسية فحسب، بل تمسّ عمق الهوية الإيمانية للإنسان.

تأتي الآيات لتضع مبدأً واضحاً.. يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}(المائدة(51ـ59)

تأتي هذه الآيات المباركة لتحمل توجيهات حاسمة تتعلق بعلاقة الأمة الإسلامية بغيرها، وبخاصة أهل الكتاب. وقد ركزت هذه الآيات على قضية خطيرة هي قضية الموالاة والمعاداة، وكيف يمكن أن تنحرف القلوب حتى يقع بعض المؤمنين في موالاة من يعادي دينهم، تبدأ الآيات بنداء متكرر في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} (المائدة:51)، هذا النداء موجّه لمن يحمل اسم الإيمان. فالله سبحانه يخاطب الذين آمنوا ليحذرهم من خطر قد يقع فيه المؤمن نفسه، ومعنى ذلك أن مجرد الانتساب إلى الإيمان لا يمنع من الوقوع في الانحراف إن لم يكن القلب واعياً ومحصناً.

ثم يبيّن القرآن حقيقة علاقة اليهود والنصارى فيما بينهم بقوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (المائدة:51) أي أن بينهم روابط وتحالفات قائمة على مصالح مشتركة، ولذلك لا يصح للمؤمن أن يدخل في ولاء يذيب شخصيته الإيمانية أو يجعله تابعاً لمنهج غير منهج الله.

ويؤكد خطورة ذلك بقوله: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة:51) بعد التحذير يبين القرآن السبب الحقيقي لهذا الانحراف، وهو مرض القلب: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} (المائدة:52). المرض هنا ليس مرض الجسد، بل مرض عدم الإيمان واليقين، ومن علاماته أن الإنسان يسرع في التقرب إلى الأعداء، ويبرر ذلك بالخوف أو بالمصلحة، كما قالوا: {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} (المائدة:52)، أي أنهم يخافون من تغير الظروف السياسية أو الاقتصادية، فيبحثون عن حماية عند الآخرين، مع أن القرآن يربّي المؤمن على الاعتماد على الله.

ولهذا يأتي الرد الإلهي: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} (المائدة:52) أي أن النصر الحقيقي يأتي من الله، لا من التبعية للآخرين، وعندما يتحقق وعد الله بالنصر تنكشف حقيقة هؤلاء المنافقين، كما تصفهم الآية الكريمة: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} (المائدة:53). كانوا يظهرون الولاء للمؤمنين، لكن قلوبهم كانت تميل إلى غيرهم. ولذلك حكم الله عليهم بقوله: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} (المائدة:53)، أي ضاعت أعمالهم لأن أساسها لم يكن الإيمان الصادق. ثم يبيّن القرآن أن الدين لا يتوقف على أشخاص معينين، فمن يرتد عن الحق فإن الله يأتي بغيره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (المائدة:54).

ويصف هؤلاء المؤمنين بصفات عظيمة:

•             {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}

•             {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}

•             {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}

•             {وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة:54).

فهذه الصفات تبني شخصية الأمة القوية التي تجمع بين الرحمة بالمؤمنين والعزة أمام الأعداء.

بعد التحذير من الولاء الخاطئ يبين القرآن من يستحق الولاء الحقيقي: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة:55)، فالولاية في الإسلام تقوم على ثلاثة أركان:

1.            الولاية لله سبحانه وتعالى.

2.            الولاية لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)

3.            الولاية للذين آمنوا، والمقصود هنا الإمام علي (رضوان الله عليه) ومن سار على نهجه من أعلام دين الله وأوليائه.

ثم يبين نتيجة هذه الولاية: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (المائدة:56). أي أن النصر مرتبط بالانتماء الصادق إلى منهج الله.

خطورة تولي اليهود والنصارى

عندما يطرح القرآن الكريم قضية التولي لليهود والنصارى فإنه لا يطرحها باعتبارها مسألة عادية أو موقفاً سياسياً عابراً، بل يقدمها كقضية خطيرة تمس هوية الإنسان وموقفه الإيماني. فأسلوب القرآن في التحذير من التولي يحمل في طياته ما يوقظ في نفس المؤمن شعوراً بالاشمئزاز والنفور من هذه المسألة، لأن نتيجتها النهائية أن يصبح الإنسان في حكم من يتولاهم.

إن التعبير القرآني يكشف الحقيقة بوضوح حين يقول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، فهذه الآية تختصر القضية كلها، فالتولي ليس مجرد علاقة أو تقارب، بل هو انتقال في الحكم والانتماء، حتى يصبح الإنسان محسوباً في صفهم، وهذه النتيجة كفيلة بأن تثير في نفس المؤمن حالة من التقزز؛ لأن من يلعن انحرافهم ويستنكر فسادهم لا يمكن أن يقبل لنفسه أن يصبح في حكمهم أو أن يُحشر في صفهم.

ولهذا نجد أن دقة القرآن في التعبير تُعد هداية بحد ذاتها، فكل مفردة فيه تهدي إلى المعنى بوضوح، كما قال الله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}، فالإحكام هنا يظهر في أن الآية تكشف للمؤمن نتيجة التولي منذ البداية، حتى ينفر منه بطبيعته.

وعندما يقول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} فإن الخطاب موجه إلى المؤمنين أنفسهم، إلى من لا يزال يحمل اسم الإيمان ويرى نفسه جزءاً من الأمة، فالقضية لا تتعلق فقط بمن ترك دينه صراحة، بل قد تتعلق بإنسان يظن أنه ما يزال مؤمناً، ومع ذلك يدخل في دائرة التولي لليهود، فيصبح حكمه حكمهم.

وهنا يجب على الإنسان أن يتأمل: ماذا يعني أن يصبح حكمه حكم اليهود والنصارى؟ هل هي مسألة عادية يمكن التغاضي عنها؟ إن القرآن يدعو الإنسان إلى الرجوع إليه ليعرف حقيقة ما ذكره الله عنهم. فالقرآن الكريم يبين الكثير من الصفات التي ذُكروا بها، ومن ذلك قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}.فإذا أصبح الإنسان في حكمهم، فإنه ينال نصيباً مما وصفوا به في القرآن من اللعن، ومن الخبث، ومن المكر، ومن الكفر بنعم الله.

ولا تقف خطورة التولي عند حدود الحكم فقط، بل تمتد إلى واقع الإنسان نفسه. فالذي يتولاهم يصبح ظالماً لنفسه، وظالماً لأمته، بل وظالماً للبشرية كلها، لأنه يدخل ضمن المسار الذي وصفه الله بقوله: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً}، ومن يسعى في الأرض فساداً فإنه يظلم نفسه ويظلم عباد الله جميعاً.

إن الله سبحانه وتعالى أراد للإنسان أن يعيش نفساً زكية طاهرة، وأن يحيا في هذه الدنيا مكرماً، لكن التولي يقود الإنسان إلى نتيجة مختلفة؛ إذ يصبح جزءاً من دائرة الفساد التي تمتد آثارها إلى مختلف شؤون الحياة. ولهذا فإن الإنسان حين يتولاهم قد يصبح – من حيث يشعر أو لا يشعر – شريكاً في كل ما يصدر عنهم من فساد أو ظلم في الأرض، وتتضح خطورة هذا الأمر أكثر عندما نتأمل في طريقة القرآن في ربط الإنسان بتاريخ من يتولاهم. فالقرآن الكريم خاطب اليهود في زمن النبي صلوات الله عليه وعلى آله بقوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، ومع أن أولئك الذين خوطبوا في زمن النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) لم يكونوا هم أنفسهم الذين قتلوا الأنبياء في الأزمنة السابقة، إلا أن القرآن خاطبهم بهذا الخطاب؛ لأنهم تولوا أولئك الذين ارتكبوا تلك الجرائم، وعدّوهم سلفاً صالحاً لهم، فصار حكمهم حكمهم.

وهكذا يبين القرآن حقيقة عميقة: أن التولي لا يربط الإنسان بالحاضر فقط، بل يجعله مرتبطاً بتاريخ من يتولاهم ومسارهم كله. ولذلك فإن قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ليس مجرد تحذير عابر، بل قاعدة قرآنية تكشف خطورة الولاء والانتماء، وتدعو المؤمن إلى أن يكون واعياً لمواقفه وارتباطاته حتى لا يجد نفسه في صفٍ لم يختره لنفسه ابتداءً.

المسارعة إلى تولي اليهود والنصارى: أسبابها ونتائجها

يعرض القرآن الكريم ظاهرة خطيرة في واقع الأمة، وهي المسارعة إلى تولي اليهود والنصارى رغم وضوح التحذير من ذلك. فمع كل ما يبينه القرآن من خطورة التولي ونتائجه، يقول الله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} (المائدة:52). وكأن الآية تشير إلى مفارقة عجيبة؛ فبدلاً من أن تدفع هذه التحذيرات الإنسان إلى الابتعاد والحذر، نجد من يسارع في الاتجاه المعاكس.

إن عبارة {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} تدل على اندفاع سريع نحو خدمتهم وتنفيذ خططهم وتوليهم، وهو موقف يناقض ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن. فالمؤمن الطبيعي يفترض أن يكون حذراً جداً من أي ميل نحوهم، وأن يبقى قلبه سليماً ممتلئاً بولاء الله ورسوله والمؤمنين.

ويربط القرآن هذا السلوك بمرض القلوب، حيث يقول: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. فالقلب السليم المملوء بالإيمان لا يميل إلى هذا الطريق، أما القلب المريض فتتجمع فيه أسباب الانحراف؛ من شك أو نفاق أو تأثير ثقافي أو مصالح شخصية. لذلك يحاول هؤلاء تبرير موقفهم بعبارات ظاهرها الحرص على المصلحة، كما قال تعالى: {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} (المائدة:52)، أي يزعمون أنهم يخافون على أنفسهم أو على مجتمعهم من الأخطار.

لكن القرآن يكشف حقيقة هذا الادعاء؛ فلو كانت القلوب سليمة وممتلئة بالإيمان لما استولى عليها هذا الخوف، لأن الله قد بيّن حقيقة ضعفهم بقوله: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} (آل عمران:111). فالثقة بالله تمنح المؤمن قوة وشجاعة، بينما المرض في القلب يدفع إلى التراجع والخضوع.

ويحذر القرآن من عاقبة هذه المسارعة، مبيناً أن أصحابها سيواجهون الندم حين تنكشف الحقائق، إذ يقول تعالى: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (المائدة:52). فـ«عسى» من الله وعد، أي أن الله سيكشف الأمور ويظهر ما أخفوه في صدورهم.

وعندما تتكشف الحقائق يدرك المؤمنون حقيقة أولئك الذين كانوا يعلنون الولاء للأمة، فيقولون متعجبين: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} (المائدة:53). وعندها تتضح الخسارة الحقيقية، كما قال تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} (المائدة:53).

وهكذا يكشف القرآن أن المسارعة في التولي ليست موقفاً عفوياً، بل نتيجة مرض في القلوب، وأن نهايتها خسارة وندم حين تظهر الحقائق ويعلم الناس حقيقة المواقف والولاءات.

كيف نحصّن قلوبنا من التولي لليهود والنصارى

يقدم القرآن الكريم العلاج الحقيقي لتحصين القلوب من الوقوع في التولي لليهود والنصارى، وذلك من خلال توجيه واضح في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة:55). فالآية لا تكتفي بالتحذير من التولي للكافرين، بل ترسم للمؤمن الطريق الصحيح لملء قلبه بولاء بديل يحميه من الانحراف.

فالإنسان لا يستطيع أن يترك قلبه فارغاً، بل لا بد أن يملأه بولاء صحيح. ولذلك يوجه القرآن المؤمنين إلى أن يكون ولاؤهم أولاً لله سبحانه وتعالى، ثم لرسوله، ثم للذين آمنوا الذين وصفهم الله بصفات محددة. هذا الولاء الصادق هو الذي يحصّن القلوب ويجعلها بعيدة عن أي ميل نحو أعداء الأمة.

وتتحدث الآية عن نموذج متميز من المؤمنين بقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، وهي آية ارتبط تفسيرها عند كثير من العلماء بالإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في حادثة تصدُّقِه بالخاتم أثناء الركوع. ومن هنا تشير الآية إلى نموذج رفيع من الإيمان يجمع بين العبادة الصادقة والإنفاق في سبيل الله حتى في أوقات العبادة.

إن تحديد هذه الصفات يبين أن المقصود ليس عموم المؤمنين، بل نوعية متميزة من أهل الإيمان الذين يمثلون القدوة والقيادة في الأمة. فالتولي لهم يعني الارتباط بنهج الإيمان الصادق والالتزام العملي بقيم الإسلام.

ويؤكد القرآن نتيجة هذا الولاء الصحيح في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (المائدة:56). فهذه الآية تربط بوضوح بين الولاية الصحيحة وبين الانتماء إلى حزب الله، الذي وعده الله بالغلبة والنصر.

وفي المقابل، فإن من لا يسلك هذا الطريق لا يكون ضمن حزب الله، بل يجد نفسه في الاتجاه الآخر الذي وصفه القرآن بقوله: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (المجادلة:19).

وهكذا يتضح أن تحصين القلوب من التولي لليهود والنصارى لا يتحقق بالشعارات فقط، بل بترسيخ الولاية الحقيقية لله ورسوله وللمؤمنين الصادقين، لأن هذا الولاء هو الذي يملأ القلب إيماناً ووعياً، ويجعل الإنسان ثابتاً في مواجهة الضغوط، وقادراً على الوقوف في وجه كل محاولات الانحراف أو التأثير.

أهمية الوعي في تحصين الأمة من تضليل اليهود وخداعهم

يقدم القرآن الكريم رؤية واضحة تساعد الأمة على فهم الأساليب التي يستخدمها الأعداء في الخداع والتضليل. فكثيراً ما يظهرون بمظهر من يقدم الخير أو المساعدة، من خلال مشاريع خدمية أو مساعدات مالية، حتى يظن البعض أن ما يقدمونه نابع من نية صادقة. غير أن القرآن يضع قاعدة أساسية ينبغي أن تبقى حاضرة في وعي الأمة، وهي ما قاله الله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} (البقرة:105).

هذه القاعدة تكشف حقيقة الموقف؛ فمهما ظهرت المشاريع أو المساعدات في صورة إنسانية، فإن الهدف الحقيقي قد يكون صناعة النفوذ والتأثير في المجتمعات. فالمشاريع التعليمية مثلاً قد ترتبط بالمناهج التي يضعونها هم، والمساعدات الصحية قد تتحول إلى وسيلة لبناء صورة إيجابية في أذهان الناس، تجعلهم يغضّون الطرف عن المخاطر السياسية أو الثقافية التي قد ترافقها.

وهكذا قد يتحول العمل الخدمي إلى وسيلة لكسب القلوب والتأثير في العقول، بحيث يبدأ الناس في النظر إلى تلك الجهات باعتبارها جهات خير وإحسان، بينما يتم في الواقع تمرير أهداف أخرى أعمق تتعلق بالهيمنة أو التأثير طويل المدى.

ويقدم القرآن مثالاً مبكراً لأسلوب الخداع هذا في قصة آدم عليه السلام مع الشيطان، حين قال له: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} (طه:120). فقد قدّم الشيطان نفسه ناصحاً ومحباً للخير، بينما كان هدفه الحقيقي إيقاع آدم في الخطأ. وهذا المثال القرآني يكشف أن الخداع غالباً ما يأتي في صورة نصيحة أو منفعة.

ولهذا يلفت القرآن النظر إلى ظاهرة التضليل حين يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} (البقرة:8-9)، كما يقول: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} (البقرة:11). فالتضليل في كثير من الأحيان يأتي تحت شعارات الإصلاح أو المساعدة أو التطوير.

ولهذا يؤكد القرآن أن أساس الحماية من هذا الخداع هو الثقة بالله والاعتماد على هدايته، لأن الله هو الأعلم بحقيقة الأعداء، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} (النساء:45).

وعندما تمتلك الأمة هذا الوعي، فإنها تستطيع أن تتعامل بوعي مع الواقع؛ تستفيد مما يقدم من خدمات دون أن تفقد يقظتها أو تغير موقفها المبدئي. فالهداية الحقيقية والخير الحقيقي لا يأتي إلا من الله، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} (البقرة:105). وبالتمسك بهدي الله تبقى الأمة محصنة في وعيها وموقفها، قادرة على تمييز الحقائق وعدم الوقوع في شباك التضليل والخداع.

مقومات الصراع مع اليهود

أولاًـ الثقة بالله وتوليه

يقول شهيد القرآن  السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه): ( إن مشكلة العرب، والمسلمين أنهم لم يثقوا بالله، لم يثقوا بالله؛ ولهذا لم يرجعوا إلى كتابه, لم نثق بالله فلم نرجع إلى كتابه,

لو أن هناك ثقة بالله، كيف من يعلم السر في السموات والأرض، يعلم الغيب في السموات والأرض لا يعلم مستقبل هذه الأمة؟! لا يعلم ما سيحصل لهذه الأمة, لا يعلم كيف يهدي هذه الأمة؟!.

لقد فعل كل شيء لكن هذه الأمة - كما قلنا سابقاً - هي التي ابتعدت عن القرآن, ابتعدت عن قرناء القرآن, ابتعدت عن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)، ثم انطلقت في الميدان مجردةً من سلاحها الحقيقي، من هديها، من هداتها، من قادتها.. ثم انطلقت لتصارع فهُزمت وأُذلت، وأصبحت أمةً تحت أقدام اليهود والنصارى، لابد لها لن تتولى الله ليس فقط أن تدعوه, أن تعرفه، أن تثق به، يعرفون الله حق معرفته، يثقون به حق الثقة، فإذا عرفوا الله، إذا وثقوا به، إذا عرفوا رسوله (صلوات الله عليه وعلى آله)، تولوا الله، وتولوا رسوله، وتولوا الإمام عليا، وتولوا عترة رسول الله أهل بيته، حينئذٍ سيكونون حزب الله، حينئذٍ سيحبهم الله ورسوله، وسيكونون فعلاً حزب الله، ولا بد أن يغلبوا، أولئك حزب الله {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}).

ثانياًـ الاعتصام بحبل الله

يقول الله سبحانه وتعالى {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، في حياته، في مواجهته لأعدائه، هذه الأمة إذا اعتصمت بالله، إذا اعتصمت قيادتها بالله ستُهْدَى إلى الصراط المستقيم في مواجهتها مع عدوها.

ثم يرشد هذه الأمة إلى خطورة من تواجه... ومن العجيب، ومن العجيب أنه قال عن اليهود والنصارى أنه قد ضرب بينهم العداوة والبغضاء، أي أن الله سبحانه وتعالى قد خفف كثيراً كثيراً كثيراً، فاليهود والنصارى الذين نصارعهم الآن هم من بعد التخفيف, بعد التخفيض، ومع هذا يغلبوننا.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:102). هذا من معاني الاعتصام بحبله والرجوع إليه وتحقيق العبودية له {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}، اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا لتكونوا بمستوى مواجهة هذه الطائفة التي تصد عن سبيل الله, وتبغي العوج لدين الله، هذه الطائفة التي تريد أن تكونوا كفاراً ضالين، هذه الطائفة التي لا تود لكم أي خير.

ثالثاً ـ السعي نحو الاكتفاء الذاتي

يقول شهيد القرآن (رضوان الله عليه): ((لا بد لهذه الأمة أن تتجه نحو الاكتفاء الذاتي، لتعتمد على نفسها في مجال غذائها، فتهتم بالزراعة، تهتم بالتصنيع، في كل المجالات، تهتم بالتصنيع العسكري، تهتم بالتصنيع في مختلف الأشياء التي يحتاجها الناس لتكون بمستوى المواجهة، تهتم أن تنشئ جيلاً يعرف كيف ينظر إلى الغرب، يصيح بالعداء لأمريكا، بالعداء لإسرائيل. ولن تستطيع ذلك إلا بالتخلص من الأنظمة الفاسدة والعميلة، لأنهم هم الذين عطلوا البلاد الإسلامية من أن تنتج الخيرات من داخلها، فيحصل أبناؤها على الاكتفاء الذاتي في أغذيتهم, وفي ملابسهم, وفي غيرها. وهم الذين أوصلوا المسألة وطوروا القضية من صراع عسكري إلى صراع حضاري يحتاج إلى أن تنهض الأمة من جديد, وتبني نفسها من جديد، حتى تكون بمستوى المواجهة للغرب, والمواجهة لربيبة الغرب إسرائيل)).