موقع أنصارالله- محمد ناصر حتروش
في ظل التطورات الدراماتيكية التي تعصف بالمنطقة، والتي وضعت القواعد الأمريكية والكيان الصهيوني في مرمى نيران جبهات المقاومة، يبرز التساؤل الجوهري حول نجاح طهران في امتصاص الصدمة وتحويلها إلى وقود لموجات رد لا تهدأ، وما هي حقيقة التوجه نحو "الخيار النووي" كضرورة وجودية لكسر غطرسة الهيمنة الأمريكية؟
في هذا الحوار الحصري الذي أجريناه مع المحلل السياسي والخبير في الشؤون الإيرانية، رضا القزويني، ليضع النقاط على الحروف، كاشفاً عن كواليس التماسك المؤسساتي والدستوري الذي أربك حسابات الأعداء، حيث أوضح القزويني كيف أطلقت إيران مئة موجة من الصواريخ لفرض قواعد اشتباك جديدة، بعيداً عن أوهام "تغيير النظام من الداخل" التي تبخرت أمام تلاحم الشعب الإيراني مع قيادته والحرس الثوري.
وتطرق إلى أبعاد التنسيق بين قوى محور المقاومة، وإصرار طهران على رفض وقف إطلاق النار إلا بشروطها التي تضمن تغيير وجه المنطقة، واضعاً قراءة استراتيجية في مستقبل المواجهة المفتوحة، وتفكيكاً للأوهام الأمريكية أمام جبهة لا تعرف التراجع.

إلى نص الحوار:
س1: كيف تمكنت مؤسسات الدولة الإيرانية من الحفاظ على تماسكها الإداري والعسكري في الساعات الأولى التي تلت "زلزال" اغتيال القائد الأعلى وعدد من قيادات الصف الأول؟ 

النظام في إيران ليس قائماً على شخص واحد. صحيح أن ولي الفقيه هو القائد الأعلى والشخص الأول في النظام السياسي، لكن هناك دستوراً متيناً حدد صلاحيات كل المؤسسات وسد الفراغ؛ لذلك بعد رحيل المؤسس الإمام الخميني لم يحدث فراغ في السلطة واستمر البلد في نشاطه الروتيني، كما هو الحال بعد استشهاد السيد الخامنئي؛ لم يكن ولم يحدث أي ارتباك في الداخل نتيجة الطبيعة المؤسساتية ونتيجة تماسك الشعب مع النظام.

س2: مع وصول موجات الرد الإيراني إلى 100 موجة، ما هي الرسالة الاستراتيجية التي تسعى طهران لإيصالها عبر استهداف القواعد الأمريكية تزامناً مع ضرب المواقع الحساسة في الكيان الصهيوني؟ وهل انتقلت المواجهة من "الردع" إلى مرحلة "فرض قواعد اشتباك جديدة" وشاملة في المنطقة؟
إيران بلد كبير وعظيم بقدرات علمية واقتصادية وصناعية هائلة، الكثير يعرف ذلك وحذروا ترامب من مغبة الحرب مع إيران، وجرأة الرد على الاعتداء لوحدها ستسجل في تاريخ الصراعات الأمريكية. حجم الردع الإيراني على الكيان المؤقت وعلى مواقع ومصالح أمريكا في المنطقة يظهر القدرة الإيرانية، ومن خلال إغلاق مضيق هرمز أظهرت إيران أنها لاعبة فعّالة في الحرب، وأنها وضعت قواعد اشتباك جديدة، بالإضافة إلى فتح النيران على حلفاء القوة المعتدية، وطبعاً هناك مفاجآت أكثر فأكثر في حال قررت أمريكا العدة للتصعيد.

س3: العدوان المعلن يهدف صراحة إلى تدمير القدرات الاستراتيجية لإيران؛ إلى أي مدى أثرت هذه الضربات المتواصلة على البنية التحتية للبرنامج النووي والصاروخي؟ وهل هناك توجه داخل القيادة الجديدة نحو "الخيار النووي" كضرورة وجودية لردع أي محاولة مستقبلية لإسقاط النظام؟

العدوان أُعلن ليس فقط ضد القدرات الاستراتيجية الإيرانية بل يهدف إلى زعزعة إيران وتفتيتها وإسقاط النظام فيها، لكنه لم يستطع ذلك. قالوا خلال أربعة أيام ستنتهي الحرب بإنجازاتها، لكن مضى قرابة 40 يوماً دون إنجاز. صحيح أن البنية التحتية الإيرانية تضررت كثيراً، ولكن بالمقابل إيران أيضاً وجهت ضرباتها المؤلمة للعدو والحلفاء والمتعاونين. رغم كل ذلك القدرات الصاروخية والنووية ما زالت موجودة وستبقى، لا نعرف إذا كان القائد الجديد لديه عقيدة نووية جديدة أم لا، لكن هناك الكثير في إيران يطالبون بذلك.


س4: يراهن الأعداء على "تغيير النظام من الداخل" عبر الضغط العسكري؛ كيف يقرأ الشارع الإيراني اليوم هذا العدوان؟ 
العدوان تسبب بتماسك قوي جداً داخل الشارع الإيراني، وحتى قبل الحرب كانت الأصوات المؤيدة للنظام السياسي ضخمة. خلال الفوضى وأعمال الشغب التي حدثت في يناير، شاهدنا بالمقابل الملايين التي خرجت إلى الشوارع للتنديد بالشغب وللوقوف بجانب النظام في مسيرة يوم 12 يناير. الشعب غاضب جداً من أمريكا والصهاينة بسبب الحرب واغتيال القائد وقتل الأطفال والقصف اليومي، وفي ثاني أيام العدوان على إيران بدأ الشعب الإيراني بالنزول إلى الشوارع في كل إيران ليلياً مع هتافات مؤيدة للحكومة وبعلم البلد. كل هذا جاء دعماً للقائد الجديد ودعماً للقوات المسلحة الإيرانية بكافة أصنافها.

س5: في ظل استهداف القواعد الأمريكية في دول الجوار، كيف تدير إيران علاقاتها الدبلوماسية المتوترة مع عواصم المنطقة التي تتواجد فيها هذه القواعد؟ وكيف يتم التنسيق في هذه اللحظة المصيرية مع "محور المقاومة" لضمان عدم الاستفراد بإيران في هذه المواجهة الكبرى؟

إيران حذرت هذه الدول لسنوات وحتى قبل فترة الحرب عدة مرات بأن التواجد الأمريكي هو مضر بالأمن الإقليمي، لكن لم ترد تلك الدول المتحالفة مع أمريكا والصهاينة، والآن تبين كيف تؤثر الحرب في المنطقة على تلك الدول، وحتى واشنطن لم تكن قادرة على حماية أمن حلفائها بل ما يهمها أمن الصهاينة فقط. محور المقاومة في الحقيقة هو محور متماسك وعقائدي وأخلاقي وإنساني، لكن لا ننسى أن لبنان بلد محتل والمقاومة اللبنانية تدافع عن أرضها وشعبها، وأيضاً العراق بلد تتواجد فيه القواعد الأمريكية العسكرية والاستخباراتية، وحتى المقاومة الفلسطينية تدافع عن شرفها وأرضها، لذلك هذا التماسك يأتي من خلال نقطة تربطهم وهي تواجد العدو المحتل والعدوان الغاشم.

س6: بعد المواجهة التي استمرت 40 يوما، ما هو تصور طهران لنهاية هذه الجولة؟ 
إيران لا تريد في هذه المرحلة وقف إطلاق النار لأنها تعتقد أن الوقف في هذه المرحلة سيكون بمصلحة المعتدي، إنها تريد تلقين الدروس والعبر للمعتدين وتعزز من منطق الردع، طهران لا تريد إنهاء الحرب إلا وفق شروطها، وهي أعلنت تلك الشروط، وفي حال عدم تحقق تلك الشروط تعرف أن الحرب ستعود مرة أخرى. الدبلوماسية من قبل بعض الدول نشطة الآن وهناك تواصل لتبادل الرسائل، لكن الإيرانيين على عقيدة تامة أنه لا يمكن وقف لإطلاق النار بدون الحصول على نتائج مجدية.

س7: بين "الخداع السابق" واتفاق البنود العشرة الحالي: كيف ستتجنب إيران الدغ الأمريكي مجددا؟
تعتمد طهران رؤية جديدة تتجاوز حسن النوايا التي سادت في الاتفاقات السابقة، حيث يفاوض الدبلوماسيون الإيرانيون وفق شروط عشرة لا يمكن التنازل في أي من تلك الشروط والمفاوض الإيراني يمتلك أوراق القوة المتمثلة في القاعدة الشعبية والجهوزية العالية للقوات المسلحة الإيرانية بمختلف وحداتها، تعتمد إيران  على ترسيخ إنجازات الدفاع الوطني، مما يعني أن أي تراجع أمريكي سيعني عودة الميدان للرد فوراً، وهو ما يمثل "الضمانة الميدانية" لمنع اللدغ.
 إيران طرحت شروطها العشرة وعلى أمريكا الآن أن تثبت جدارتها بكسب الثقة الإيرانية، وليس العكس، اتفاق البنود العشرة يرتبط ارتباطا وثيقا بكامل المحور وليس على الساحة الداخلية وحسب إيران تؤكد أن أمنها واستقرار المنطقة مرهون بأمن دول المحور كاملاً.