تقرير ميداني: يحيى الربيعي
لا يمكن فصل الملاحم الميدانية التي تشهدها جبهة البناء الزراعي والمائي في المحافظات اليمنية عن إطارها المرجعي البنيوي والاستراتيجي الذي صاغه "نموذج العمل التنموي المتكامل"، والذي يمثل وثيقة موجهة ومخططاً استراتيجياً صلبًا لبناء دولة يمنية حديثة ومستقلة، ذات مؤسسات قوية قادرة على حماية الوطن وانتزاع سيادته وقراره. ويتأسس هذا المسار التحولي على حشد واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية بكفاءة عالية على هدى الله تعالى، عبر استنهاض متزامن ومثمر لطاقات المجتمع ومؤسسات الدولة وفق نهج ثوري تنموي تعاوني وتكاملي، وهو ما يضمن تحويل التحديات المفروضة جراء الحصار الشامل إلى فرص لصناعة أمة تمتلك قرارها الاجتماعي والسياسي والعسكري الحر والمستقل.
وفي عمق هذه الرؤية الاستنهاضية، تبرز محورية "الاقتصاد المجتمعي" كركيزة أساسية توازن بين الجهدين الحكومي والخاص، مستهدفة تحويل ملايين الأسر من حالة انتظار الإعانات والاتكال على الخارج إلى مربع الإنتاج الفاعل، مما يمنح الاقتصاد الوطني المقاوم صلابة وثباتاً بنيوياً في مواجهة حرب التجويع والحصار.
إن خفض فاتورة الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الأساسيات لا يتحقق بالآليات البيروقراطية الباردة، بل بالسياسات الثورية المركزية التي تحمي الأولويات الوطنية، وبالمرونة واللامركزية في التنفيذ عبر الأطر الرسمية والشعبية في الميدان.
ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، تبرز التجربة الفريدة لـ "الثورة المائية في ذمار" كترجمة ميدانية فورية ومباشرة لهذه المحددات الصارمة، حيث تحولت موجهات القيادة من نصوص نظرية إلى أدلة عمل تنفيذية تحكم حركة الميدان الزراعي لإنقاذ الحوض المائي وتشييد الكرفانات، متجاوزة عقلية العجز المالي لتؤسس لمعادلة تنموية جديدة ترتكز على التلاحم التشاركي المطلق.
تتحرك عقارب الاستراتيجية التنموية في محافظة ذمار وفق محددات حاسمة وموجهات صارمة فرضتها طبيعة المعركة المصيرية لانتزاع السيادة الغذائية والمائية. وتؤكد البيانات الميدانية والتقارير الرسمية الصادرة عن قيادة السلطة المحلية في ذمار أن التحول الجذري في التعاطي مع الموارد المائية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ترجمة عملية وميدانية مباشرة لموجهات ومحاضرات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، والتي تحولت بقرار جماعي وفوري إلى أدلة عمل تنفيذية تحكم حركة الميدان الزراعي.
وفي هذا السياق، يقدم وكيل محافظة ذمار، أحمد علي الضوراني، قراءة توثيقية حازمة لطبيعة التحدي الوجودي الذي واجهته المحافظة؛ حيث يوضح أن التوسع العشوائي وغير المدروس لزراعة القات شكّل طوال العقود الماضية عامل استنزاف مدمّر للحوض المائي في ذمار، وهو ما استدعى تدخلاً استراتيجياً عاجلاً لإعادة توجيه المسار نحو الاعتماد الكلي والمطلق على مياه الأمطار باعتبارها المصدر الأساسي والوحيد لتغذية المياه الجوفية والسطحية على مستوى المحافظة والجمهورية ككل.
وارتباطاً بهذا المسار التحولي، أكد الضوراني أن تفاصيل الملحمة التنموية التي قادها الفريق التنموي في المحافظة كشفت عن تساقط أوراق مقولات الإدارات البيروقراطية المعقدة، والتي أدارت البلاد لعقود ما قبل ثورة 21 من سبتمبر 2014م بعقلية الاستنزاف والفساد، وظلت لسنوات طويلة تغرس في أذهان الناس أن مشاريع "حصاد مياه الأمطار" وغيرها من المشاريع تتطلب لإنشائها موازنات واعتمادات مالية ضخمة، بينما أثبتت الأيام -وبالتجربة العملية- أن حفر عشرات "الكرفانات" المائية في مختلف المديريات ممكن جدا بالمقاربة التشاركية بين الجهد الحكومي والزخم الشعبي والقطاع الخاص.
وحسب ما توضحه الأرقام المسجلة في تقارير اللجنة الزراعية بالمحافظة أن تكلفة حفر الكرفان الواحد انخفضت إلى مستويات قياسية، إذ لم تتجاوز في كثير من الأحيان سقف المليون ريال يمني. مشيراً إلى أن هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا المبادرة والعطاء السخي للمجتمع، والتعبئة والتفعيل الرسمي للأصول الثابتة المعدات الحكومية التابعة للوحدة التنفيذية، ومكتب الأشغال، ومكتب التحسين، ومكتب الزراعة.
وتابع الوكيل تفكيك مسارات هذا الإنجاز، مؤكداً أن التلاحم بين الدولة والمجتمع في ذمار أسس لمعادلة تنموية جديدة؛ حيث ضخت وحدة التمويل الزراعي 40 ألف لتر من مادة الديزل كدعم لوجستي مباشر، تنفيذاً لتوجيهات قيادة المحافظة واللجنة الزراعية، لتبدأ معها معركة الآليات التي امتزجت فيها معدات الدولة بآليات المواطنين من قلابات وشيولات في مشهد تضامني كسر قيود العجز المالي.

واستطرد في السياق ذاته مضيفاً: ولم تتوقف عبقرية التنفيذ عند حدود حفر الخزانات المائية، بل امتدت لتشمل دورة اقتصادية دائرية متكاملة؛ إذ جرى استغلال الأتربة والمواد الصخرية المستخرجة (الـ"بيسكورس") في توسيع الأراضي الزراعية البكر في المراهق، ورصف شبكات الطرق المحلية. وفي خطوة تؤكد التلاحم الاجتماعي والتنموي، قامت اللجان المجتمعية ببيع الفائض من هذه الأتربة وتوجيه العائدات المالية مباشرة لتمويل مشاريع بنية تحتية حيوية، كان من أبرزها تشييد وبناء حمامات صحية في مدارس البنات، كما تجسد بشكل عياني في مشاريع "جمعية منقذة".
وعلى صعيد الارتدادات الميدانية المباشرة، أشار الوكيل الضوارني إلى أن النتائج الميدانية السريعة أحدثت صدمة إيجابية بددت كل مستويات التردد أو عدم القبول الجماهيري الذي أبداه بعض المواطنين في المراحل الأولى لانطلاق المشروع. ومع تدفق أول السيول المطرية، وتحول الكرفانات المائية إلى شريان حياة حقيقي حبَسَ المياه واستبقاها لفترات تجاوزت الشهر الكامل على الرغم من ضعف الموسم المطري وشحّ المتساقطات في تلك الفترة. مشيراً إلى أن هذا الانجاز المائي سمح للمزارعين ببدء عمليات ري مباشر وواسع النطاق للمحاصيل الاستراتيجية والنقدية، وفي مقدمتها محصول الفاصوليا الذي يجري زراعته بنظام الزراعة التعاقدية، والممتدة حقوله بمساحاتها الشاسعة في الأودية.
أما على الصعيد الهيدرولوجي، فقد أكد الوكيل بالقول: "سجلت الآبار الارتوازية والسطحية التي كانت قد أعلنت جفافها التام في وقت سابق، عودة تدريجية ومؤكدة لتدفق المياه الجوفية نتيجة لعمليات الترشيح والتغذية العكسية المباشرة التي أحدثتها الكرفانات المنتشرة في خارطة جغرافية واسعة شملت: مديرية عنس (تحديداً في ذي سحر وميفعة عنس والجراش)، ومديرية ضوران، ومديرية المنار، ومديرية جبل الشرق، ومديرية الحداء، ومديرية جهران".
ومن واقع القراءة التحليلية للمخاطر، أوضح الوكيل الضوراني أن السلطة المحلية والمجتمع في محافظة ذمار يضعون هذه الإنجازات في سياقها الصحيح باعتبارها مجرد خطوة أولى ونقطة في بحر الخطة الاستراتيجية الشاملة للتوسع المائي؛ لاسيما وأن البيانات تشير إلى مؤشر خطر أمني ومائي بالغ التعقيد، حيث تراجعت مستويات المياه الجوفية من أمتار قليلة قريبة من السطح إلى أعماق سحيقة تصل إلى مئات الأمتار تحت الأرض، ما يمثل تهديداً حقيقياً بالوصول إلى العجز الكلي حتى عن توفير مياه الشرب الحيوية إذا لم يتم تدارك الوضع عبر هذه المصدات المائية.
ومن هذا المنطلق الحمائي، واصل حديثه مشيراً إلى أن التدفق الهائل لمياه الأمطار التي يذهب جزؤها الأكبر هدراً نحو البحار والصحاري يفرض استمرار النفير العام لتشييد المزيد من الكرفانات والمنشآت المائية. وفي مقابل هذا التحدي، نوه الضوراني بأن الرهان المعقود على وعي وتفاعل المجتمع قد أثبت نجاحه المطلق؛ إذ فاجأت الاستجابة الشعبية كافة التوقعات الرسمية، وحلت كعمود فقري للمشروع، فمقابل كل معدة كانت تحشدها السلطة المحلية كان المجتمع والمشايخ والأعيان والجمعيات التعاونية الزراعية يبادرون بالدفع بعشرين معدة وقلاباً وحراثة، في ملحمة تنموية تؤسس لنهضة زراعية صلبة لا يمكن أن تقوم أو تستمر إلا بفرض السيطرة الكاملة على مقدرات الثروة المائية، وحمايتها من الاستنزاف.

وفي ذات السياق التحليلي الموجه، يؤكد عضو المجلس المحلي بمحافظة ذمار وعضو لجنة الخدمات، عبد الحكيم وهبي مسعود، أن المعادلة الميدانية القائمة اليوم في ذمار ترتكز على مبدأ التكامل المطلق والحتمي بين أجهزة الدولة والسلطة المحلية وبين وعي وعطاء المواطنين، معتبراً هذا التلاحم الجبهة الحقيقية التي تفشل مخططات العدوان الرامية إلى تجويع الشعب اليمني وتركعيه عبر الحصار الاقتصادي؛ حيث تحول هذا التحدي إلى قوة دافعة لتحقيق نهضة زراعية شاملة ومستدامة تمكنت البلاد من خلالها من تجاوز أصعب المراحل التاريخية بثبات ويقين.

والمفارقة الإنتاجية تظهر جلياً هنا، وفيما تكشف الشهادات التوثيقية الصادرة من قلب الميدان عن فشل كامل للمشاريع التقليدية ذات الطابع البيروقراطي أو الممولة خارجياً، والتي كانت تلتهم ملايين الدولارات والمليارات من العملة المحلية دون إحداث أثر حقيقي ومستدام في حياة المجتمع، يسلط رئيس الاتحاد التعاوني الزراعي، عبدالوهاب علاية الضوء على الفارق الهائل بين تلك المشاريع التي كانت تكلف -في بعض المحافظات- ما يزيد عن 600 مليون ريال للمنشأة المائية الواحدة، وبين النموذج الجهادي والتكاملي المطبق حالياً في ذمار، والذي تميز بإنتاجية عالية وبتكلفة مالية تكاد تكون رمزية وبسيطة جداً.
ويمضي علاية في توثيق هذه الفعالية، مؤكداً أن التجربة الفريدة التي انطلقت في أربع مديريات رئيسية، وفي مقدمتها مديرية ميفعة عنس، استطاعت حشد الطاقات الشعبية بالتوازي مع الدعم الرسمي بالديزل والمعدات، لنتجاوز بذلك العوائق المالية المصطنعة.
لقد أثبت العمل التشاركي -فعلياً- أن الإرادة الوطنية قادرة على إنجاز تحولات كبرى بأقل الإمكانيات، لاسيما وقد تحولت الكرفانات من فكرة هندسية إلى أصول تنموية ثابتة تمتد في عرضها إلى عشرات الأمتار، وتتراوح أطوالها بين مئات الأمتار.

ولإبراز الأثر الإيجابي في المعادلة، يؤكد المرشد الزراعي بمخلاف منقذة، المهندس الزراعي سمير محمد الأسدي، أن دخول الكرفانات المائية خط الخدمة أحدث انقلاباً جذرياً في الواقع الزراعي والبيئي للمنطقة، وتجلى هذا الأثر الإيجابي بشكل فوري بمجرد امتلاء هذه المنشآت بالحصاد المائي الأول، إذ لم يقتصر العائد الاستراتيجي للمشروع على الاحتجاز السطحي للمياه، بل امتد ليحقق هدفين محوريين في عمق الأمن المائي: الأول، تمكين المزارعين من سحب المياه مباشرة عبر شبكات الري السطحي لري المساحات الخضراء والوديان الجافة التي حُرمت طويلاً من التدفق المستمر، أما الثاني -وهو الأهم استراتيجياً- فهو إحداث عملية تغذية عكسية ومباشرة للحوض الجوفي أدت إلى إعادة إحياء الآبار الارتوازية والسطحية التي أعلنت جفافها سابقاً، ما وفر مخزوناً مائياً متجدداً يضمن ديمومة العملية الإنتاجية.

وامتداداً لتطبيقات هذه الرؤية في الميدان الجغرافي المباشر، أوضح مدير عام المديرية، المهندس هاشم الوريث أن مشاريع حصاد مياه الأمطار الموسمية من سدود وحواجز وكرفانات هو تعزيز للثروة المائية واستغلال أمثل لها، وتدابير استراتيجية مارسها الآباء والأجداد، وبنوا على مخرجاتها حضارات زراعية حققت لهم الاكتفاء الذاتي، ووصلت ثمارها مشارق الأرض ومغاربها، مؤكداً أن معركة التغيير والبناء والتحرر التي تخوضها الإرادة اليمنية الصلبة بقيادة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي لاستعادة المكانة اليمنية وتحديداً في استقلالية القرار السياسي والاقتصادي، لا تتحقق إلا في حال ما كانت الأمة تمتلك غذاءها ودواءها وملبسها دون الركون لخيارات عجز إنتاجها لتبرير استجدائها من أيدي الآخرين، مشدداً على أن ما يشهده قاع جهران اليوم هو تجسيد حي لروح المقاومة المجتمعية التي تسقط كل روايات التشكيك في قدرة الذات اليمنية على إدارة أزماتها وإفشال مخططات الحصار الاقتصادي المفروض على لقمة عيش المواطن.
وفي بُعدٍ موازٍ، أكد الوريث أن هذه المنشآت المائية تجاوزت شكلية الأبعاد الهندسية التقليدية لتشكل -ببساطة الإنجاز- ركيزةً أساسية في عمق الأمن المائي والزراعي للمنطقة، ودرعاً وقائياً لحمايتها مما قد تتسبب فيه السيول من أضرار في ممتلكات المواطنين وانجراف للأراضي الزراعية.
وتفصيلاً لطبيعة هذه الأدوار الحيوية، تابع مشيراً إلى أن الدور المحوري لهذه الكرفانات يتجلى في مستويين استراتيجيين: الأول هو العمل كخزانات حجز وحصاد ضخمة لمياه الأمطار بكفاءة عالية، والثاني هو إعادة تدوير هذه الثروة المائية المهدورة واستغلالها بشكل مباشر في تغذية الأحواض والمياه الجوفية في المنطقة، مما يضمن استدامة المصادر المائية ومواجهة الجفاف، ويسهم بشكل حاسم في سد احتياجات الأراضي والمساحات الزراعية الشاسعة التي تمثل عصب الحياة الاقتصادية لسكان المديرية والمحافظة.
وزيادة في توصيف البعد الدفاعي للمشروع، أضاف "ومن الناحية الدفاعية، جاء إنشاء هذه الكرفانات كخطوة مدروسة وبديل استراتيجي لإنهاء المعاناة السنوية الناتجة عن تدفق السيول الجارفة التي كانت تصب مباشرة باتجاه عمق مدينة معبر، مسببة كوارث بيئية وخسائر في الممتلكات ومشاكل بنيوية واجتماعية معقدة على مدار السنوات الماضية".
ونتيجةً لهذا التدبير التخطيطي المحكم، لفت المهندس هاشم إلى أنه -وبفضل هذه الحواجز المائية- يتم حالياً كسر شدة السيول وتخفيف اندفاعها، مما يحول التهديد السنوي المتكرر إلى رافد مائي واقتصادي يخدم التنمية المستدامة والتمكين الزراعي، ويصنع موازين جديدة في معركة البناء والإعمار والتصدي للأزمات الحيوية.
وبدورهم، أكد كلٌّ من المنسق الاقتصادي في الهيئة العامة للزكاة، هاشم الكحلاني، ومدير عام الاستثمار بمحافظة ذمار، محمد طه أحمد، ومدير مكتب الزراعة بذمار، إبراهيم المهدي، أن معركة المياه والأرض مستمرة وبخطى ثابتة حتى تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل.
ومن ميدان العمل التعاوني، أكد رئيس جمعية قاع جهران التعاونية الزراعية، محمد عبدربه مشلي، أن التدخلات المدروسة والمنشآت المائية تمكنت من لجم الاندفاعات التي كانت تشكل في السابق أداة جرف للأراضي الزراعية ومصدر تهديد مباشر للمحاصيل، ما أدى مباشرة إلى الحفاظ على التربة من الانجراف، وحماية المحاصيل من الغرق، بالتزامن مع تدوير هذه المياه وتوجيهها لتغذية المخزون الجوفي للآبار العابرة والمستدامة.
وربطاً بين المنجز الميداني والواقع العام، أشار مشلي إلى أن ملحمة النجاح المتتالية في قاع جهران صاغت واقعاً يبرهن على صلابة البنية الداخلية وتماسكها العسكري والاقتصادي والاجتماعي في مواجهة التحديات، مؤكداً أن هذا التلاحم البنيوي تجسد في خندق البناء من خلال تظافر الجهود في أجواء بيئة عمل تشاركي يساهم من خلاله أبناء المجتمع بكل ما يملكون من إمكانيات، دافعين بالجهد والمال والأرض لترسيخ هذه المنشآت كواقع لا يمكن تجاوزه.
وتوضيحاً لطبيعة هذا المسار التكاملي، أردف مضيفاً "لقد سار هذا التحرك الجماهيري في مسار تكاملي وصارم رصدته خطوات العمل التشاركي بين عطاءات المجتمع الذي بادر بالمال والجهد، وبين الجانب الرسمي ممثلاً بدور الهيئة العامة للموارد المائية والهيئة العامة للزكاة في تمويل ودعم إنشاء هذه الكرفانات، وإنجاح الخطط المائية في مديرية جهران".
وتثميناً للأدوار المؤسسية المساندة، أشاد مشلي بدور مؤسسة بنيان التنموية البارز في التوعية والتحفيز والتشجيع المستمر، وبدور السلطة المحلية بالمديرية ممثلة بمدير عام المديرية الذي تولى مهمة التوجيه والمتابعة المستمرة والإشراف المباشر على كل خطوة من خطوات التنفيذ، بينما اضطلعت الجمعية بمسؤولية مباشرة في التنفيذ العملي والمتابعة الدقيقة لكافة مراحل العمل، وتسهيل وتذليل كل العقبات الميدانية وفقاً لأقصى قدراتها المتاحة.
وفي رؤية استشرافية تعزز استدامة المكتسبات، ومن جهته، أكد أمين عام جمعية مخلاف منقذة التعاونية الزراعية، مثنى أحمد مثنى منصور، أن الخطط المستقبلية للسلطة المحلية والجمعيات التعاونية تتجه في الأيام القادمة نحو إطلاق مبادرات مجتمعية جديدة تستهدف بقية المديريات ذات الأهمية الزراعية الكبرى، بناءً على هذه الرؤية المتكاملة التي يتبناها قادة الفريق التنموي في المحافظة. مشيراً إلى أن هذا النجاح يمثل رسالة حية وموجهة لكافة المحافظات اليمنية لتبني وتوطين مشروع الكرفانات المائية كركيزة أساسية لحفظ الثروة المائية وتحقيق التمكين الزراعي، في معركة مصيرية يتكامل فيها جهد الدولة كمخطط بعطاء الشعب المقاوم لتشييد صرح الاكتفاء الذاتي الشامل.

وختاماً، وتجسيداً للأثر الملموس على حياة الناس، تشير شهادات المزارعين في محافظة ذمار إلى أنه -وقبل تنفيذ هذه المنشآت الحيوية- كانت مياه الأمطار المتدفقة تذهب هباءً وتتسرب عبر المهارب والأودية دون أن يستفيد منها المجتمع أو تساهم في ري الأراضي، مما أبقى المزارع في حالة عطش دائم، مشيرين إلى النتائج الباهرة والملموسة لكرفانات ذمار، والتي أدت إلى إحداث ثورة في الوعي المجتمعي جعلت من المواطنين الذين كانوا بالأمس ينظرون إلى هذه المشاريع بنوع من الترقب أو عدم الاستيعاب في البداية، يتحولون اليوم إلى قوة دفع رئيسية ومطالِبة بتوسيع التجربة. وتشير التقارير الميدانية إلى أن مناطق ومديريات ذمار باتت تشهد حراكاً مجتمعياً مكثفاً يطالب بنقل هذا النموذج الناجح وتعميمه على كافة العزل والقرى، بعد أن لمس الجميع الأثر الإيجابي المباشر على مزارعهم وآبارهم.