موقع أنصار الله . تقرير 

في مشهد غير مسبوق من التلاحم والجهوزية، أعلن الشعب اليمني -بكافة مكوناته وأطيافه- استجابةً شاملة لدعوة قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، التي أطلقها مع مطلع العام الهجري الجديد 1448هـ، والتي دعا فيها إلى تضافر الجهود رسمياً وشعبياً للتصدي للعدوان والاحتلال والحصار الذي تقوده السعودية بدعم أمريكي منذ أكثر من أحد عشر عاماً. الدعوة التي جاءت في لحظة فارقة وجدت صداها فورياً في الشارع اليمني، الذي أكد أنها خارطة طريق للتحرر الشامل واستعادة السيادة والثروات المنهوبة، متجاوزة بذلك حالة الترقب إلى مرحلة النفير العام والاستعداد القتالي الكامل.
وتحولت الاستجابة إلى حالة مجتمعية شاملة تجسدت في احتشاد قبلي غير مسبوق، وتدفق الآلاف إلى معسكرات التدريب، وإعلان الحكومة والمؤسسات الدستورية تفويضاً مطلقاً للسيد القائد لاتخاذ الخيارات الحاسمة، وتنسيق عسكري كامل بين قوات التعبئة الشعبية والقوات المسلحة. إنها ساعة الحقيقة التي يرفع فيها اليمنيون شعار "المواجهة العسكرية هي الحل" بعد أن أغلقت السعودية كل أبواب السلام بالمماطلة والاستجابة للإملاءات الأمريكية، ودفعت الشعب إلى حافة الانهيار الاقتصادي والمعيشي.

بيان الهجرة والنفير العام

في بيانه بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية وحلول العام الهجري الجديد، حدد السيد القائد النقطة الخامسة بوضوح استراتيجي لافت، داعياً إلى التعاون في بلدنا رسمياً وشعبياً للتصدي للمخاطر والتحديات الناتجة عن الاستهداف العدائي الشامل من جهة الأعداء، ومحدداً أوجه هذا الاستهداف: احتلال مساحات واسعة من الأراضي اليمنية، السيطرة على الثروة الوطنية من نفط وغاز، انتهاك السيادة والاستقلال، الحصار والحرب الاقتصادية الشاملة، وتجييش التكفيريين والمرتزقة لاستهداف حياة المجتمع اليمني. البيان كان شرارة انطلاق لمرحلة جديدة عنوانها "إنهاء العدوان والاحتلال والحصار".
اللافت في هذه الدعوة أنها جاءت بعد سنوات من الصبر الاستثنائي الذي أشار إليه حزام الأسد (عضو المكتب السياسي لأنصار الله) بقوله: "لقد صبر شعبنا اليمني صبراً استثنائياً لم يكن بمقدور كثير من الشعوب أن تتحمله، وتحمل من المعاناة ما يفوق طاقة البشر، ومع ذلك بقي صامداً، متمسكاً بهويته وكرامته". هذا الصبر الأسطوري تحول اليوم إلى حالة غضب عارم وطاقة قتالية هائلة، بعد أن تأكد اليمنيون أن لا خيار أمامهم سوى المواجهة لانتزاع حقوقهم المغتصبة.

الحكومة تفوض القائد تفويضاً مطلقاً

على المستوى الرسمي، كان التحرك سريعاً وحاسماً. أعلنت حكومة التغيير والبناء -في بيان رسمي- تأييدها المطلق واستجابتها الكاملة لدعوة السيد القائد، مؤكدة أن هذا التأييد يأتي انطلاقاً من إيماننا بالله وجهاداً في سبيله وابتغاءً لمرضاته، وهو ما يعكس حالة التوحد السياسي والعسكري، ويزيل أي عوائق أمام قرارات الحسم.
ولم يتوقف الموقف الرسمي عند هذا الحد، بل أعلنت الحكومة جاهزيتها الكاملة لتنفيذ التوجيهات، وتذليل كل الصعوبات، وتوفير متطلبات المرحلة في خدمة القوات المسلحة وقوات التعبئة العامة، في رسالة واضحة بأن الدولة بكل مؤسساتها في حالة تعبئة قصوى. ودعت الحكومة "كل أبناء الشعب اليمني إلى وحدة الصف، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، والنفير العام والالتحاق بدورات التعبئة العامة والإعداد في مواجهة قوى العدوان، وهو ما حول الدعوة إلى برنامج تنفيذي على الأرض.

مجلسا النواب والشورى: حاضنة تشريعية للمعركة

مجلس النواب -بدوره- بارك دعوة السيد القائد، واعتبرها مرتكزاً أساسياً لمشروع سياسي وتنموي وسيادي للجمهورية اليمنية، ورؤية إستراتيجية متكاملة لترتيب البيت من الداخل. ولفت المجلس إلى أن الدعوة رسمت خارطة طريق تفصيلية ترسم مستقبل اليمن بناءً على ثنائية التكامل الرسمي والشعبي، مشدداً على أن تلك المؤامرات ستتحطم بفضل الله وحكمة القيادة وصخرة الصمود اليمني.
أما مجلس الشورى فاعتبر أن موجهات السيد القائد تمثل نقطة تحول جوهرية للانتقال بالبلاد من مربع الصمود الدفاعي إلى مسار المبادرة الشاملة، مؤكداً أن التوقيت الحساس يفرض على الجميع استشعار المسؤولية، وأن تلاحم القيادة والجيش والشعب كفيل بانتزاع الحقوق وتحقيق الاستقلال التام.

قوات التعبئة العامة.. مئات الآلاف على أهبة الاستعداد

إذا كانت البيانات السياسية تعبر عن الإرادة والموقف، فإن ما أعلنته قوات التعبئة العامة يكشف الحجم الحقيقي للاستعداد العسكري. في بيانها أعلنت التعبئة الجهوزية الكاملة والفورية لترجمة توجيهات السيد القائد لإسناد ورفد الجيش بالمقاتلين في أي زمان ومكان، كاشفة أن القوة المدربة والمسلحة والمشكلة في قواتها بلغت مئات الآلاف ومئات الألوية العسكرية التعبوية الشعبية. وهذه الأرقام تمثل قدرة ردع هائلة تجعل أي مغامرة سعودية جديدة في اليمن انتحاراً مضموناً.
وأكدت التعبئة أن التدريب والتشكيل لا يزال سارياً، وسيكون في الفترة المقبلة أكثر نشاطاً وأعلى جاهزية وبكل المستويات التدريبية والقتالية، مع تنسيق وربط كامل مع القوات المسلحة اليمنية على كل المستويات. ودعت أبناء الشعب إلى النفير العام، والالتحاق الواسع بدورات التعبئة العسكرية المفتوحة (طوفان الأقصى)، معتبرة ذلك واجباً دينياً ووطنياً، ومساراً لبناء القوة وتعزيز القدرة الدفاعية.

استنفار قبلي واسع: ننتظر إشارة البدء

في المحافظات والمناطق اليمنية الحرة تحولت الدعوة إلى حراك شعبي غير مسبوق. خرجت الحشود في مظاهرات ووقفات قبلية غاضبة، تعلن النفير العام والجهوزية القصوى، وتنتظر بفارغ الصبر ساعة الصفر وتوجيه الإشارة الحاسمة من القيادة. المشاركون في هذه الفعاليات أكدوا أن دعوة السيد القائد خارطة طريق للتحرر الشامل وسحق العدو السعودي، وأعلنوا التصدي للمخططات التي تُدار بإشراف أمريكي وتنفيذ سعودي، ومجددين الالتزام بمعادلة "وحدة الساحات" وإسناد الشعب الفلسطيني ومحور المقاومة.
في أمانة العاصمة وحدها أعلن مسؤول التعبئة خالد المداني تدشين مرحلة جديدة من الإعداد، كاشفاً أنه تم إعداد أكثر من 120 ألف مقاتل في المراحل الماضية، وأن المرحلة الحالية ستشهد مضاعفة الأعداد والتركيز على الدورات التخصصية والنوعية. وأكد أن العمل مستمر في بناء قدرات التعبئة لتكون رديفاً ومسانداً للجانب العسكري والأمني، وأن الجميع على العهد لقائد الثورة، ماضون في معركة تحرير البلد وانتزاع الحقوق.

رسائل إلى الداخل والخارج: آن الأوان

في خضم هذا الحراك، وجهت العديد من القيادات رسائل متعددة الاتجاهات، حزام الأسد وجه همسة في أذن النظام السعودي قائلاً: "هُزم من جعلتموه حامي عروشكم وموضع رهاناتكم. فهل آن أوان التوبة والإنصاف للشعب اليمني، وطلب الصفح من شعوب الأمة، أم أن المكابرة ستقودكم إلى مصير لا مفر منه؟"، وهي رسالة تضع الرياض أمام خيارين: إما الإنصاف والسلام العادل، أو مواجهة العواقب.
أما محمد الفرح، عضو المكتب السياسي لأنصار الله، فأكد أن "شعبنا اليوم بات على قناعة تامة وإيمان راسخ بأهمية وضرورة وعدالة المواجهة مع المحتل السعودي أكثر من أي وقت مضى، بل وأكثر حتى مما كان عليه الحال في بداية العدوان في مارس 2015". وأشار إلى أن فترة خفض التصعيد زادت من قناعة الشعب بضرورة الخيارات العسكرية، لأن السعودية بمماطلتها خيّرتنا بين أن نموت جوعاً أو أن نقاتل دفاعاً عن حقوقنا".
الفرح شدد أيضاً على أن صنعاء تمتلك اليوم أوراق قوة استراتيجية وعسكرية واقتصادية مهمة، وباتت قادرة على التأثير في ملفات حساسة ذات أهمية بالغة، وأن الرياض لم يعد أمامها سوى خيارين: إما البقاء في وضع يهدد طموحاتها ومصالحها الاقتصادية وأمنها واستقرارها ومكانتها الدولية، أو الاتجاه نحو معالجة الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية. إنه إنذار واضح بأن زمن الصبر اليمني قد انتهى، وأن المعادلات تغيرت جذرياً.
وفي توقيت متزامن، كشفت وزارة الخارجية عن لقاء جمع نائب الوزير بالمستشار العسكري للمبعوث الأممي، حيث تم التأكيد على أن  حالة اللا سلم واللا حرب لن تستمر إلى ما لا نهاية. نائب وزير الخارجية شدد على أن على السعودية الجلوس إلى طاولة التفاوض لتنفيذ خارطة الطريق، وإنهاء التصعيد في الملف الإنساني، محذراً من أن القراءة الخاطئة للتطورات في المنطقة هي التي دفعت إلى توقيف عجلة السلام، وقد تقود إلى تفجير الوضع من جديد.

وحدة الساحات.. اليمن قلب المحور

في كل البيانات والمواقف كان البعد الإقليمي حاضراً بقوة. باركت القيادات اليمنية الانتصار العظيم للثورة الإسلامية في إيران ولكل محور الجهاد والمقاومة، وأكدت أن هذا الانتصار رسّخ معادلة "وحدة الساحات" بالدماء والموقف. وجددت التأكيد على أن القضية الفلسطينية تظل البوصلة لجميع القوى الحرة، وعلى كيان العدو أن يعي أننا لن نقبل بتجزئة المعركة.
هذا التأكيد على وحدة الساحات هو إعلانٌ بأن اليمن جزء لا يتجزأ من محور المواجهة مع المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة، وأن أي تحرك يمني لتحرير أرضه واستعادة ثرواته هو -في الوقت نفسه- إسناد للمقاومة في فلسطين ولبنان، وضرب للمخططات الأمريكية الهادفة إلى إخضاع المنطقة.
ومع هذا الاحتشاد الشعبي غير المسبوق، والجهوزية العسكرية الكاملة، والتفويض السياسي المطلق، والإجماع الوطني الذي لم يعد فيه مكان للمترددين، يقف اليمن على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة، فالسعودية -التي راهنت على إنهاك الشعب اليمني بالحصار والحرب الاقتصادية- تجد نفسها اليوم أمام شعب موحد أكثر من أي وقت مضى، يمتلك الإرادة والإمكانات لفرض معادلاته بقوة السلاح.
المرحلة القادمة -بحسب كل المؤشرات- لن تكون مرحلة ترقب وانتظار، فقد انتهى زمن "خفض التصعيد" الذي استخدمته الرياض لكسب الوقت، وبدأ زمن الحسم الذي يقوده اليمنيون بأنفسهم. رسالة الشعب اليمني بكل مكوناته وصلت: "لن نقبل باستمرار الحصار، ولن نسكت عن نهب ثرواتنا، ولن نسمح ببقاء شبر واحد من أرضنا تحت الاحتلال". إنها ساعة الحقيقة التي طال انتظارها، والتي سيكتب فيها اليمنيون -بدمائهم وتضحياتهم- الفصلَ الأخير من ملحمة الصمود، ليعيش الوطن حراً عزيزاً مستقلاً، مستفيداً من ثرواته، محققاً نهضته الكبرى على أساس من هويته الإيمانية.