موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
تحوَّل المتغير الميداني الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية بمحاصرة الملاحة السعودية إلى أزمة استراتيجية معقدة تجاوزت المنطقة وباتت حاضرة في تفاصيل الاهتمام الدولي، كاشفة عن آثار ثقيلة على الاقتصاد العالمي، فضلاً عن قلق ما تُعرف بالقوى العظمى من نجاح اليمن المستمر في كسر قواعد الردع التقليدية التي أرساها الغرب لقرون طويلة، وصياغة المعادلات الجديدة، وقدرته على التحكم بمسارات المواجهة.
وتُجبر المستجدات هذه القوى الدولية والأقطاب الكبرى على إعادة تقييم موازين نفوذها وهيمنتها التاريخية في المنطقة؛ فالتحول الاستراتيجي الذي يصنعه اليمنيون -والمرتكِز على معادلة "الحصار بالحصار"- لا يمثل مجرد إعاقة لحركة الملاحة السعودية عبر البحر الأحمر وباب المندب، بل هو إعلان سياسي وعسكري صريح عن ولادة عهد جديد تتداعى فيه قدرة الأنظمة الغربية والأحادية القطبية على استمرار هندسة الأمن البحري وفرض شروط الاستسلام على الشعوب الحرة. وقد أسقطت هذه المعادلة المبتكرة الأوهام الدولية التقليدية التي اعتقدت أن حشد الترسانات الدفاعية كفيل بإدامة الحصار الاقتصادي على اليمن وتجويع شعبه دون دفع الثمن، لتجد القوى الكبرى نفسها اليوم أمام منعطف يعيد صياغة قواعد الملاحة الدولية وشرايين الطاقة الحيوية، واضعاً منظومة الردع الغربي في مأزق تاريخي أمام صلابة الإرادة والقدرات العملياتية للقوات المسلحة اليمنية.
وباعتبار أن السعودية هي من أكبر مصدري النفط في العالم، فإن التأثير المباشر للمعادلة اليمنية بحظر الملاحة والناقلات السعودية يعني شل أحد أهم التدفقات المغذية لمنظومة الطاقة الدولية، ما يضع معروض النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية العالمية في دائرة الخطر والتعطيل التام، ويُربك حرق الإمدادات للأسواق المستهلكة. ويتعاظم التأثير بتزامنه مع التعقيدات المحيطة بمضيق هرمز، ما يضع أسواق النفط الدولية في حالة ارتباك مزمن وتصاعد مستمر لأسعار خام برنت. والخطورة الكبرى هنا لا تكمن فقط في نقص المعروض المباشر، بل في النزيف الذي يصيب بلا شك العمق الصناعي في الغرب وآسيا نتيجة قفزات كُلَفِ التأمين البحري على السفن، واضطرار الشركات العالمية لتحمل أعباء الالتفاف عبر طريق رأس الرجاء الصالح، ما يضيف كلفاً تشغيلية باهظة وتأخيراً يمتد لأسبوعين، ما يعمق خناق التضخم على الاقتصاد العالمي المترهل أساساً.
وفي خضم هذا الارتباك يبرز السقوط المدوي وعمق المأزق السياسي والعسكري للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها؛ فقد بنت واشنطن سياستها في الشرق الأوسط لعقود على ركيزتين: الأولى، ضمان التفوق لحلفائها، والثاني، التحكم الأحادي المطلق بالممرات المائية الحيوية عبر التلويح بالقوة العسكرية الغاشمة وإيقاع الرعب في قلوب الخصوم. وخلال العامين الماضيين مثلت المواجهة البحرية -التي كان طرفاها اليمن والقوى الغربية- اختباراً كاشفاً لاستمرار قدرة هذه القوى على الإمساك بمعادلات التأثير وفرض الإرادة، وجاء حشد التحالفات البحرية متعددة الجنسيات وإرسال أحدث المدمرات الحربية وحاملات الطائرات الأمريكية في إطار المحاولة البائسة لفرض سياسة "الحماية بالوكالة"، وتثبيت الحصار على الشعب اليمني. إلا أن نجاح القوات المسلحة اليمنية اليوم في فرض حظر عملياتي صارم ضد الناقلات النفطية التابعة للنظام السعودي أثبت بالدليل الميداني القاطع عجز ترسانة الغرب المتطورة وفشل "هيبة الردع" الاستعماري التقليدي في تغيير الواقع على الأرض، مؤكداً أن زمن الفاعلية المطلقة للترسانات العسكرية والتفوق التكنولوجي الأعمى قد انقضى أمام العقيدة والتكتيكات النوعية.
ولا شك أن هذا الإخفاق العسكري الأمريكي يضع الإدارة الغربية عموماً في موقع العاجز سياسياً؛ فالتصعيد العسكري المفتوح غير مضمون النتائج ومكلف للغاية، والاستمرار في الوضع الراهن يعكس اعترافاً دولياً علنياً بفشل الهيمنة الأحادية وانتهاء حقبتها، ما سيدفع بالعواصم الغربية -خلف الكواليس- للبحث عن مخارج دبلوماسية، والضغط لتقديم التنازلات لجهة تنفيذ مطالب اليمن العادلة والمشروعة بفك الحصار الشامل.
وكواحد من نتائج الفشل الغربي-الأمريكي في ضمان تصدُّر الحلفاء، والحفاظ على قدرة السعودية في التحريك والتأير على المشهد الإقليمي بلا مفاجآت، يأتي التحرك اليمني المشروع ليمثل تحدياً كبيراً، له تأثيره الأكيد والمباشر على استمرار حضور هيمنة محور الشر والاستعمار عموما في المنطقة. إذ نزعت معادلة "الحصار بالحصار" عن الرياض ثوب القائد الذي طالما حاولت فرضه بالمال والغطاء الأمريكي. ولسنوات طويلة كان حصار النظام السعودي وعدوانه على اليمن أداة لاستعراض العضلات وتكريس الوصاية، غير أنه ومع نجاح اليمن في قلب الطاولة وعزل الصادرات النفطية السعودية بحراً، انهار الجدار النفسي والسياسي للنفوذ السعودي في المنطقة، وتجلت هشاشة الركائز التي بُنيت عليها هيمنتها الإقليمية. وهذا الانكسار العلني شكّل رسالة حاسمة ومباشرة، مضمونها أن الرياض تقف اليوم عاجزة عن حماية شريانها الاقتصادي والوجودي الأول، وبالتالي فإن رهن القرار الإقليمي برؤيتها يمثل انتحاراً سياسياً وأمنياً يهدد كافة القوى المرتبطة بالمظلة الأمريكية الهشة.
لا شك بأن العبرة الاستراتيجية التي صاغتها سواعد الشعب اليمني الصابر وقواته المسلحة عبر معادلة التحرر "الحصار بالحصار" تمثل اليوم درجة عالية من الاقتدار على كسر المفاهيم التقليدية للقوة وفرض الإرادة، وتؤسس لمرحلة تاريخية جديدة في العلاقات الدولية؛ حيث تبين بوضوح أن أدوات الضغط لم تعد حكراً على العواصم الاستعمارية الكبرى ولا الأنظمة النفطية الموالية لها. فاليمن يمثل اليوم نموذجاً حياً لهذا المتغير، وسواء شاء محور الشر الأمريكي الصهيوني أو أبى، فقد ولّى إلى غير رجعة ذلك الزمن الذي كان فيه اليمن يُعامل كحلقة ضعيفة في الجغرافيا السياسية يمكن تركيعها بالإملاءات والقيود الاقتصادية والتحكم بموانئه ومطاراته دون رادع يذود عن كرامته وسيادته. كما ان القواعد الجديدة للنفوذ في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد صياغتها أمريكية كما كانت طوال العقود الماضية، وإنما باتت تُصاغ بأمر واقع يفرضه الأحرار اليمنيون في الميدان، مؤكدين للاقتصاد العالمي وللقوى الكبرى أن الأمن والاستقرار الدوليين يمران حتماً عبر احترام سيادة الشعوب وحقوقها المشروعة، وأن الاستمرار في دعم غطرسة الهيمنة والوصاية السعودية الأمريكية الصهيونية لن يحصد منه المجتمع الدولي سوى الانكسار، والركود، والضغط القاسي للاعتراف الصاغر بموازين القوة الجديدة التي دشنها اليمن بعزيمة لا تلين.
أعلن اليمن -غير مرة- وأكد بأن إجراءاته إنما تعني بشكل محدد الملاحة المرتبطة بالسعودية، وعدا ذلك فإن حركة ملاحة الدول الأخرى لم تتأثر، وتسير بأمان كامل، وهو ما أكدته أيضا تقارير شركات مراقبة الملاحية الدولية، وبالتالي فإن التأثر العالمي بالإجراء ليس استهدافاً مجرداً للملاحة الدولية، بل هو ناتج طبيعي لما تشكله السعودية من أهمية بالغة لسوق النفط العالمية، وهو الأمر الذي يفرض على العالم النظر إليه وفق الخلفية الإنسانية والسياسية التي دفعت إلى هذا المستجد المؤثر.
العالم بأسره بات يعي بالمظلومية اليمنية المستمرة منذ (12) عاماً، وعليه أن يقف منصفاً ومنتصراً لقيم الحقوق الإنسانية، وردع هذه الغطرسة السعودية التي تستمد روحها من المجرم الأمريكي. ومطامع القوى الاستعمارية في اليمن لا شك بأنها هي مَن تُحرِّك هذه التوجهات المعادية لإضعاف الشعب اليمني من أجل السيطرة على موقعه الجيوسياسي الاستراتيجي ومنابع ثروته، فضلاً عن قتل الأصوات الحرة الرافضة للاستسلام، ومحاولة طمس قدرتها على التغيير.
ويُحمِّل استمرار الحصار على الشعب اليمني القوى المعتدية وحلفاءها الكلفةَ الكاملة لتعطل الملاحة. والمعادلة اليوم -حسب العميد يحيى سريع- باتت واضحة صريحة: "الحصار بالحصار، ولن تسلم شرايين الطاقة ما لم يُفك الحصار عن موانئنا ومطاراتنا".
وفي هذا السياق، تبددت كل الرهانات وانكشفت حقائق القوى التي أرهبت العالم لعقود بحربها الإعلامية والدعائية؛ إذ عرّت العمليات البحرية والجوية اليمنية حدود القوة البحرية الأمريكية والغربية عموماً، ولم تتمكن الترسانات الصاروخية ومجموعات حاملات الطائرات التي ملأت البحار من إيقاف الهجمات الموجهة بدقة، أو الحيلولة دون تحقيق أهدافها الميدانية. كما نجحت الحنكة اليمنية في حشر واشنطن بين خيارين أحلاهما مر: إما الانزلاق إلى تصعيد عسكري مفتوح غير مضمون النتائج ومرتفع التكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، أو الرضوخ للواقع الجديد والبحث عن مخارج دبلوماسية عبر إجبار حلفائها على إعادة النظر في التعامل مع المطالب اليمنية ورفع الحصار الشامل بشكل فوري وبلا شروط.
تؤكد صحيفة "ذا وول ستريت جورنال" أن استراتيجية القوات المسلحة اليمنية "أثبتت أن استخدام الورقة الاقتصادية والبحرية لم يعد حكراً على الدول العظمى، وأن التحالف العسكري الأمريكي لم ينقذ ناقلات النفط السعودية"، وهو ما يعكس حقيقة التغير في أساليب إدارة الصراعات البحرية.
من جانبه، يؤكد معهد "Royal United Services Institute – RUSI" (بريطانيا) "أن صمود صنعاء وفرضها معادلة الردع البحرية أدى إلى تفكك التنسيق الخليجي، وشعور حلفاء واشنطن بأن المظلة الأمنية الأمريكية أضحت مجرد وهم مكلف"، لا يوفر أي حماية حقيقية لمصالحهم الحيوية وقت الأزمات. فيما ترى صحيفة "Le Monde" الفرنسية أن الوضع "يكشف عن النهاية الفعلية لزمن الوصاية السعودية على اليمن. فالرياض أصبحت اليوم في موقف المدافع الذي يبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، بعدما تحول اليمن من طرف محاصَر إلى معادل إستراتيجي يتحكم بشرايين الطاقة العالمية"، ويرسم حدود قواعد اللعبة من جديد.