موقع أنصار الله – متابعات – 14 ربيع الأول 1448هـ
دعا الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، الدول الإسلامية إلى الانتقال من الحديث عن الوحدة إلى خطوات عملية، مقترحًا إبرام ميثاق للأمن المتبادل وعدم الاعتداء، وإنشاء آلية دائمة للوساطة ومنع النزاعات، وتعزيز التعاون الاقتصادي والعلمي بين دول العالم الإسلامي.
وفي كلمة له خلال افتتاح أعمال المؤتمر الدولي الأربعين للوحدة الإسلامية المنعقد في طهران تحت عنوان "الوحدة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي"، قال بزشكيان إن الوحدة الإسلامية ليست "تكتيكًا سياسيًا أو مصلحة ظرفية"، بل قضية استراتيجية ترتبط بعزة الأمة واستقلالها ومستقبلها.
وأضاف بزشكيان أن النبي محمد "لم يدعُ الناس فقط إلى الإيمان، بل صنع أمة"، معتبرًا أن تجربة المدينة المنورة أثبتت أن الوحدة لا تعني التطابق، وإنما تعني القدرة على العيش المشترك رغم الاختلافات المذهبية والسياسية والقومية والمصالح الوطنية.
وتساءل بزشكيان عما إذا كان الاختلاف الفقهي يجب أن يجعل دم المسلم مباحًا، أو أن يتحول الخلاف السياسي بين دولتين إسلاميتين إلى مبرر للهجوم إحداهما على الأخرى، مؤكدًا أن أمن دولة إسلامية لا ينبغي أن يقوم على انعدام أمن دولة إسلامية أخرى.
وقال إن العالم الإسلامي يضم أكثر من ملياري مسلم و57 دولة عضوًا في منظمة التعاون الإسلامي، ويمتلك موارد طاقة ضخمة وموقعًا استراتيجيًا على طرق التجارة العالمية وسكانًا شبابًا وقدرات صناعية ومالية وعلمية وتكنولوجية، لكن هذه الإمكانات لا تنعكس على الوزن السياسي والاقتصادي للعالم الإسلامي.
وأشار إلى أن اقتصادات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بلغت نحو 29 تريليون دولار عام 2024، بما يعادل نحو 23 في المئة من الاقتصاد العالمي، بينما لم تتجاوز التجارة البينية بينها 19 في المئة من إجمالي صادراتها، معتبرًا أن هذه الأرقام تكشف حجم الفجوة بين الإمكانات المتاحة ومستوى التعاون القائم.
ورأى أن "مشكلة العالم الإسلامي ليست نقص القدرات، بل عدم تحويل القدرات إلى إرادة وقوة مشتركة"، داعيًا إلى تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتعليم والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي والطب والمياه والطاقة والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والنقل والاقتصاد الرقمي.
وفي حديثه عن الحرب التي تعرضت لها إيران، قال بزشكيان إن الهجمات الأميركية والإسرائيلية بدأت في وقت كانت فيه المفاوضات بين طهران وواشنطن مستمرة بهدف التوصل إلى حل دبلوماسي، مؤكدًا أن إيران "لم تبدأ الحرب"، لكنها استخدمت حقها في الدفاع عن نفسها بعد استهداف قادتها ومسؤوليها وعلمائها وطلابها ومدنها وبنيتها التحتية.
وشدد على أن الدفاع عن إيران لا يعني العداء للدول والشعوب المجاورة أو الإسلامية، قائلًا: "لا ينبغي لأي أرض إسلامية أن تكون منصة للعدوان على أرض إسلامية أخرى، ولا ينبغي لأي دولة إسلامية أن تبحث عن أمنها في انعدام أمن جارتها".
وأكد أن إيران تمد يدها إلى دول الجوار لبناء ترتيبات أمنية مشتركة، مشيرًا إلى أن تجربة الحرب أثبتت أن الصواريخ والقنابل لا تميز بين "أم إيرانية وأم عربية".
وتطرق بزشكيان إلى القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن دعم إيران لفلسطين مستمر منذ أكثر من أربعة عقود، "ليس لأن الفلسطينيين شيعة، بل لأنهم مظلومون"، معتبرًا أن نصرة المظلوم مسؤولية إسلامية لا ينبغي أن تخضع للاعتبارات المذهبية أو العرقية.
وحذّر من أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يمنع عودة "الجاهلية" إذا غابت حرمة الإنسان، مشيرًا إلى أن تقنيات يمكن استخدامها في إنقاذ البشر وعلاجهم باتت توظف في القتل، وأن وسائل الاتصال الحديثة يمكن أن تتحول إلى أدوات لنشر الكراهية وتعميق الانقسامات المذهبية.
ودعا علماء العالم الإسلامي والجامعات ووسائل الإعلام إلى تحمل مسؤولية مواجهة خطاب التكفير والتحريض، مؤكدًا أن الإساءة إلى مقدسات المذاهب يجب أن تكون "خطًا أحمر"، وأن من يحرض مسلمًا ضد مسلم، أيًا كان دافعه، يخدم أعداء الأمة الإسلامية.
وطرح الرئيس الإيراني ثلاثة مقترحات لتعزيز الوحدة الإسلامية، في مقدمتها وضع "ميثاق للأمن المتبادل وعدم الاعتداء" بين الدول الإسلامية، يضمن احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويمنع استخدام أراضيها أو أجوائها أو إمكاناتها للاعتداء على دول إسلامية أخرى.
أما المقترح الثاني، فيتمثل في إنشاء آلية دائمة للوساطة والوقاية من النزاعات داخل العالم الإسلامي، مؤكدًا ضرورة أن تتمكن منظمة التعاون الإسلامي من التدخل قبل تحول الخلافات إلى حروب، بدل الاكتفاء بإصدار البيانات بعد سقوط الضحايا.
ودعا إلى إشراك دول موثوقة وعلماء ودبلوماسيين وخبراء قانونيين في إنشاء منظومة دائمة للإنذار المبكر والوساطة وتسوية الخلافات بين الدول الإسلامية.
ويتمثل المقترح الثالث في تحويل العالم الإسلامي من "مجموعة أسواق متفرقة" إلى شبكة من التعاون الفعلي، عبر تسهيل انتقال الطلاب بين الجامعات الإسلامية، وإنشاء مشاريع علمية مشتركة، وتوجيه مزيد من رؤوس الأموال الإسلامية إلى التنمية والتكنولوجيا داخل العالم الإسلامي، ورفع مستوى التجارة البينية.
وفي الشأن الداخلي الإيراني، أكد بزشكيان أن الدعوة إلى وحدة العالم الإسلامي تفرض على إيران تعزيز وحدتها الوطنية، مشيرًا إلى أن الإيرانيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والقومية والمذهبية والاجتماعية، وقفوا إلى جانب بلدهم خلال الحرب.
وشدّد على أن الحفاظ على هذه الوحدة مسؤولية الحكومة أيضًا، من خلال تحقيق العدالة والاستماع إلى المواطنين ومكافحة الفساد والتمييز واحترام كرامة جميع الإيرانيين، مؤكدًا أن "شيعي، سني، فارسي، كردي، عربي، بلوشي، امرأة، رجل، الجميع يجب أن يشعروا أن إيران هي بيتهم".
وختم بزشكيان بالتأكيد أن الوحدة الإسلامية "ليست تكتيكًا بل طريق نصر الأمة الإسلامية"، داعيًا إلى تحويل الأفكار والشعارات إلى إرادة وعمل مشترك، وموجهًا الدعاء إلى نصرة الشعب الفلسطيني في غزة والسودان ولبنان واليمن، وحماية الشعب الإيراني من العدوان والتهديد، وإعلاء قيم العدالة والسلام والتضامن بين المسلمين.