بقلم/ عضو المجلس السياسي الأعلى،  محمد علي الحوثي
 

بدأ السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي (يحفظه الله) خطابه في مناسبة المولد النبوي الشريف بوصفها مناسبة تتجاوز مجرد الاستذكار إلى تجديد الصلة الإيمانية برسول الله، واستحضار موقعه في الهداية والقيادة والقدوة.

ويقول السيد القائد ان إحياء المناسبة يأتي "تعظيماً لشعائر الله"، و "توقيراً لرسول الله"، و "ترسيخاً للانتماء الإيماني، والهوية الإيمانية"، و "استلهاماً للدروس منها في مقام التأسي والاقتداء". ثم يضيف أن هذا الإحياء يأتي "تعزيزاً للارتباط الإيماني برسول الله، من موقعه في الهداية والقيادة، والقدوة والأسوة"، مستشهداً بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.

ويتسع معنى المناسبة في الخطاب ليصبح جزءاً من مشروع أوسع يتعلق بالهوية والنهضة والتحرر. ويقول السيد القائد ان إحياء المولد يأتي "في إطار نهضة شعبنا العزيز الإيمانية التحررية، وحركته على أساس القرآن الكريم، وسعيه للتوجه نحو بناء النموذج الحضاري الإسلامي".

ومن هنا تنتقل المناسبة من مستوى الاحتفاء إلى مستوى البناء؛ فالمولد يصبح مدخلاً لاستعادة العلاقة بين الرسول والهوية، وبين الهوية والمسار العام للمجتمع. ولذلك يقول السيد القائد إن هذه المناسبة أصبحت "موسماً سنوياً، يسعى فيه للارتقاء الإيماني والأخلاقي، ولاكتساب المزيد من الوعي والبصيرة، ويزداد بذلك عزماً وثباتاً في مواصلة السير في طريق الحق، ومواجهة التحديات والمخاطر". ويكشف هذا المقطع عن ترابط واضح بين الإحياء والوعي والثبات؛ فالمناسبة لا تُقدَّم باعتبارها تعبيراً وجدانياً فقط، وإنما باعتبارها مجالاً لاكتساب الوعي والبصيرة وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات.

ثم ينتقل السيد القائد من المناسبة إلى واقع الأمة، فيجعل استعادة الصلة بالرسول والرسالة مدخلاً لإعادة تقييم الواقع. ويقول: "نحن -كأمّة مسلمة- أحوج ما نكون إلى إعادة التقييم لواقعنا، والسعي لترسيخ صلتنا الإيمانية الواعية بالرسالة الإلهية منهجاً لحياتنا في كل المجالات"، ولترسيخ صلتنا الإيمانية بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم "قدوةً، وقائدًا، وهاديًا، وأسوةً لنا". وهنا يظهر أحد المفاصل الرئيسة في الخطاب؛ إذ تنتقل العلاقة برسول الله من مجال المحبة والتوقير إلى مجال المنهج والهداية والقيادة، فاستحضار الرسول يصبح مدخلاً لمراجعة واقع الأمة، كما تصبح الرسالة معياراً لإعادة النظر في اتجاهها وعلاقاتها ومواقفها.

ويربط السيد القائد هذه المراجعة بمفهوم التحرر من التبعية، فيقول إن المطلوب هو "أن نسعى للخلاص من كل أشكال التبعية لقوى الشر والظلامية المضللة المفسدة في الأرض"، ومن هذا الموضع يبدأ مفهوم الاستقلال في التكوّن داخل الخطاب؛ فالتحرر لا يظهر منفصلاً عن استعادة الرسالة، بل بوصفه نتيجة من نتائج الوعي بها والتمسك بمنهجها.

ثم يعود السيد القائد إلى مرحلة ما قبل البعثة ليبين أثر الرسالة في تحويل الإنسان والمجتمع. ويقول إن نعمة الله برسوله وكتابه "أنقذنا بها من ظلمات الجاهلية، ورجسها، ومفاسدها، وضلالها"، وإنها "جعلت من الأميين البدائيين، الضائعين في المتاهات، أمة عظيمة، تتحرك برسالة الله تعالى، وتحمل أقدس هدف، وأعظم راية". ويصل هذا التحول بالقرآن والتزكية، فيقول إن الرسالة نقلتهم "من حالة الجهل والبدائية، إلى معارف القرآن الكريم: كتاب الله المجيد، ونوره وهديه العظيم، وإلى التزكّي بمكارم الأخلاق، والارتقاء الإيماني"، ثم يستشهد بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مَّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}. وتتضح هنا العلاقة بين الرسالة والتغيير؛ فالهداية لا تُعرض بوصفها معنى فردياً فحسب، بل بوصفها قوة تنتج معرفة وتزكية وأخلاقاً وبناءً للأمة.

ويقابل الخطاب هذا التحول بصورة الجاهلية السابقة للبعثة. ويقول السيد القائد: "تفاقم الشر، وعظم الطغيان، وانتشر الفساد، وعم الظلم، وتناقص الخير، وتضاءلت القيم الفطرية، وأصبح الواقع البشري مأساوياً وكارثياً". ثم يضيف أن المجتمع البشري كان "أحوج ما يكون إلى منقذ رباني، يعيد للإنسانية اعتبارها، ويضيء للبشرية دربها بنور الله تعالى، ويهديها إلى الصراط المستقيم".

ومن خلال هذه المقابلة تتشكل ثنائية مركزية بين الظلمات والنور، والانحراف والهداية، وهي ثنائية تلفت الإنسان إلى أهمية الوعي بها وهذه الثنائية توقظ الإحساس العالي بالمسؤولية واختيار الطريق الصحيح ولذلك يستمر في بناء الخطاب حتى في مقاطعه السياسية اللاحقة بتكرير الثنائيات وذلك ليس ترف ولكن لأهمية المواضيع وتحريكاً للإنسان والمستمع للانتباه والاستشعار الدائم لأهميتها.

ويتتبع السيد القائد في خطابه بمناسبة المولد النبوي الشريف على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم ربط الامتداد التاريخي للرسالة، فيربط مولد الرسول بدعوة إبراهيم وبشارات الأنبياء. ويقول: "وتحققت دعوة نبي الله إبراهيم صلوات الله عليه وعلى آله، وابنه إسماعيل عليه السلام"، ثم يستشهد بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ}. ثم يقول: "كما تحققت بشارة نبي الله عليهم السلام موسى، ونبيه عيسى".

ليضع الخطاب حول الرسالة المحمدية في امتداد رسالي واحد ومسيرة واحدة، لهدف واحد (هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور)، ثم ينتقل من وحدة الرسالات إلى موقع الرسول الخاتم فيقول السيد القائد: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، اصطفاه الله، واختاره، وأعده لأقدس وأعظم"، ما يعني أن الاختيار ليس اختيارياً، وأن الاختيار له مواصفات إلهية، "وأشرف مهمةٍ ومسؤولية، وأرسله رحمةً للعالمين"، مختار من الخالق عز وجل.

ليأتي بعد هذه اللفتة إلى مهمة أخرى تؤكد ان الانتقال إلى القرآن بوصفه محتوى الرسالة الخاتمة، مهم جداً وركيزة أساسية في مضامين الخطاب فيقول السيد القائد: "وكما جعل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لختام النبوَّة والرسالة أكمل وأعظم رسله وأنبيائه، جعل ختام كتبه، ومحتوى رسالته، القرآن"، فيوضح أيضاً أن الكتاب كما هو الرسول مختار، وأن الاختيار ليس اختياراً عابراً ولا اختياراً عشوائياً وأن "القرآن الكريم، أعظم كتب الله"، المختار لهذا الكتاب هو الحكيم الخبير جل وعز ما يعني أننا أمام مسؤولية عظيمة تمثلت في منهجية مكتملة (كتاب، ورسول).

ولذلك يعرض السيد القائد -يحفظه الله- القرآن في الخطاب من خلال مجموعة من الصفات المتكاملة؛ فيقول إنه {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}، وإنه "الحق الخالص"، و "المعجزة الخالدة"، ثم يقول: "إنه النور الذي أنزله الله إلى عبده ورسوله محمد لإخراج الناس به من الظلمات".

ويؤكد استمرار وظيفة القرآن عبر الزمن بقوله: "وحفظه الله للأجيال إلى قيام الساعة"، مستشهدا بقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

ويكوًن من هذه الصفات تصور متكامل للقرآن بوصفه "حقاً ونوراً وهداية وكتاباً محفوظاً"، بما يجعله في مركز استمرار الرسالة بعد الرسول يؤدي الدور الهادي والمهيمن الذي: من سار عليه وتمسك به، تمسك بالعروة الوثقى.

ومن القرآن يعود السيد القائد الى مضمون آخر، ليعود إلى الرسول في موقع (الهداية والقيادة)، فيقول: "ولأنه رسول الله؛ فهو القدوة، والأسوة، وهو في موضع الهداية والقيادة، وهو حجة الله على عباده"، ثم يستشهد بقوله تعالى: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}. ومن هذا الموضع ينتقل إلى تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ}. ويقول السيد القائد: "{مَعَهُ}: متبعين له"، و"{مَعَهُ}: متمسكين برسالة الله"، و"{مَعَهُ}: مهتدين بكتاب الله"، و"{مَعَهُ}: في مسيرته ومنهجه وموقفه" ثم يقرر بصورة صريحة أن "{مَعَهُ}: لا تعني مجرد الانتماء العام، بل الانتماء الصادق، القائم على الاتباع والولاء والموقف، وهذا التتابع التفسيري في الخطاب يمثل مرتكزات للمفاهيم تعد من الأكثر كثافة في بناء مفهوم الانتماء داخل الخطاب؛ إذ تجعل المعية انتقالاً من مجرد الانتساب إلى الاتّباع، ومن الانتماء إلى الموقف.

ثم يتناول السيد القائد قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}، ويشرح الشِدّة في إطار الثبات على الحق والرسالة. ويقول: "إن الشدة عليهم تتجلى موقفاً قوياً، ثابتاً، صريحاً، معلناً، وتتجلى ثباتاً على الحق والرسالة الإلهية، وتمسكاً بها، وإباءً وصلابةً"، ويحرص الخطاب على تحديد طبيعة هذه الشدة، فيقول السيد القائد: "شدَّتهم ليست نزعةً إجرامية، ولا انفعالًا مزاجيًا، ولا حالةً عدوانية؛ وإنما هي شدَّةٌ بالحق وللحق، بضوابط الأخلاق والقيم، وبمقتضى الحكمة، وتحت سقف العدل"؛ وهذه من أهم اللفتات والمضامين التي تحتاج وقفة من الاخوة الكتاب والصحفيين.. وغيرهم لما لها من ارتباط بالواقع المعاش ومالها من أمثلة حقيقية تاريخياً وحاضراً لتؤسس منها مدرسة تقف الأمة والأجيال على أن تنشأ مقتدية ومتمسكة بالهدي النبوي وتتحصن بالتعاليم المحمدية العالية في مسالكها وطريقها نحو المستقبل، بعيدة عن مزالق الضياع والحروب و فرض لغة القوة على أبناء دينها ووطنها وقوميتها.

وبذلك يوضح السيد القائد ويستطرد في خطابه ليقابل مفهوم تلك الشدة بقوله تعالى: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، ويؤكد السيد القائد ان هذه الرحمة "يتجلَّى أثرها في وجدانهم ومشاعرهم، وفي إحسانهم وتعاملهم، وفي علاقاتهم واهتماماتهم"، ويضيف أنها "عاملٌ عظيمٌ من عوامل إخائهم ووحدتهم وتعاونهم؛ وبالتالي قوَّتهم".

وبذلك تتكون العلاقة بين الرحمة والوحدة والقوة، فالرحمة تُنتج إخاء، والإخاء يرسخ الوحدة، والوحدة تعزز التعاون، والتعاون يقوي الأمة.

ثم يضيف السيد القائد مضمون آخر من قوام هذه الأمة بترسيخ (البعد التعبدي)، فهم حين ينطلقون لحمل قيم الشدّة والعدل يستشعرون أنهم عبيداً لله فيقول في تفسير {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا}: "فهم خاضعون لله، وعابدون له، وسليمون من حالة التكبر والغرور والأنانية"، ثم يربط هذا الخضوع بالتحرر من "الأطماع الدنيوية، والأهداف الرخيصة، والأنانية الشخصية"، لأنهم {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}.

لتكتمل بذلك صورة الأمة والفئة في الخطاب من ثلاثة أبعاد مترابطة:

- الثبات في مواجهة الخارج،

- والرحمة في الداخل،

- والخضوع لله بوصفه الأصل الذي يضبط الدافع والغاية.

ويحرص السيد القائد أن هذه الصفات ليست مثالية بعيدة عن الواقع أو ترتبط بمرحلة تاريخية سابقة، بل يقول: "وهكذا يبقى امتدادها الأصيل في الأجيال"، ثم يبني ثنائية لمفاهيم سننية بنتائج واقعية تعكس مضامين من لا يتحلى بمضامين الأمة المؤمنة وعاقبتهم، فيصل هذا الامتداد بقراءة سنن الصراع والعلو والزوال. فيقول السيد القائد وهو يتحدث عن الأطماع الصهيونية، والمؤامرات الأمريكية والإسرائيلية على أمَّتنا الإسلامية بشكلٍ عام، والإرهاب اليهودي، وعن بني إسرائيل بشكل خاص كما ذكرهم الله في القرآن: "إن الدلائل الواضحة أنهم يتجهون نحو الانهيار، وإلى نهاية عتوهم"، ثم يقرر أن "المستقبل الحقيقي، والتمكين الإلهي، والظهور المحتوم، هو للإسلام، وللرسالة الإلهية"، مستشهداً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}. وبهذا يدخل المستقبل في البناء المفاهيمي للخطاب؛ فالثبات لا يُبنى فقط على تقييم اللحظة الراهنة، وإنما على تصور لمآلات الصراع في ضوء السنن والوعد الإلهي.

ثم ينتقل السيد القائد إلى مسؤولية الأمة، فيقول: "إن الأمة الإسلامية تتحمل مسؤولية عظيمة، في تفريطها بمسؤوليتها المقدسة"، ويربط هذا التفريط بقضيتها الأولى وبمعاناة الشعب الفلسطيني وما تتعرض له الأمة من مخاطر. وتصبح فلسطين في هذا الموضع مجالاً مركزياً لظهور المسؤولية الأوضح، فيقول السيد القائد: "إنَّ معاناة الشعب الفلسطيني الرهيبة من الطغيان والإجرام الصهيوني في قطاع غزَّة، وفي الضِّفَّة الغربية والقدس، وفي سائر فلسطين، والانتهاك المستمر والمتكرر لحرمة المسجد الأقصى، والمسجد الإبراهيمي في الخليل، هو من نتائج ذلك التفريط". ثم يستشهد بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}.

ومن فلسطين تتسع دائرة الخطاب إلى إيران ولبنان واليمن فيقول السيد القائد: "وقد تجلت ثمرة الثبات على هذا الخيار الصحيح" ثم يذكر "الانتصار العظيم الذي تحقق للجمهورية الإسلامية في إيران"، و "ثبات محور الجهاد والمقاومة في مختلف جبهاته: في لبنان، وغزة، واليمن، والعراق".

وبعد تأكيده أهمية الخيار ومعرفة الثمرة منه، ينتقل إلى تثبيت مفهوم وحدة الساحات، فيقول: "نواصل العمل على ترسيخ مبدأ وحدة الساحات، وتعزيز التعاون بين محور الجهاد، ومساندة المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين وفي سائر جبهات المحور". وتظهر وحدة الساحات، في هذا السياق، بوصفها ثمرة لوحدة العدو وتشخيص التحدي ووحدة الموقف، لا باعتبارها مفهوماً آخر منفصلاً لا علاقة للأمة به.

ثم يخصص السيد القائد مساحة للمسار اليمني، فيقول: "نؤكد على ثبات شعبنا العزيز في توجهه الإيماني، ونهضته التحررية الجهادية، ومسيرته القرآنية، وسعيه لتحقيق الاستقلال التام على أساس من هويته الإيمانية، وانتمائه للإسلام". وهنا يرتبط مفهوم الاستقلال مباشرة بالهوية؛ فالاستقلال في الخطاب ليس مجرد وضع سياسي، بل امتداد للتوجه الإيماني والتحرري وللقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن التبعية الرعناء للغطرسة الاستكبارية أو لزعامات خاضعة لا تملك الاستقلال ولا توجه نحوه حتى.

ويصل الخطاب في مقاطعه الأخيرة إلى الموقف من السعودية، فيقول السيد القائد إن الحصار "يحرم فيه شعبنا العزيز من ثروته الوطنية، ويغلق عليه المطارات"، وهذه جريمة حرب مخالفة للقوانين فشعبنا يُمنع من الوصول حتى إلى دول تحالفت عليه في العدوان وساندت الإجرام من الدول العربية وكذلك من الوصول إلى الدول الإسلامية أو غيرها، ثم يتعمد الحديث ليضع الشعب اليمني بصورة علنيه بسيناريوهات تُعد ضده ويكاشف شعبه مكاشفة الأمين الناصح والحريص المخلص فيتحدث عن "تحشيد عسكري للتصعيد"، ويقول إن ذلك "يدل على ضرورة التحرك الجاد بكل السبل المشروعة لوضع حدٍ لذلك الطغيان والظلم".

ويضيف السيد القائد أن ذلك الخيار "يدل على صوابية خيار شعبنا العزيز، في اعتماده لمعادلة الحصار بالحصار، وفي الاستهداف للتحشيد العسكري".

ثم يعيد الموقف إلى مرجعيته الإيمانية والقرآنية، فيقول: "أدعو شعبنا العزيز إلى الاستعانة بالله تعالى، والتوكل عليه، وتكثيف جهوده، حتى يستعيد حقوقه المشروعة، ويدفع عن نفسه هذا الظلم"، ويستشهد بقوله تعالى: {ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ}، ثم بقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} ليعزز الارتباط بالله ويقوي العلاقة بمن يملك النصر.

ويغلق السيد القائد الخطاب بالعودة إلى الدعاء، وللتواصى الأخوي الصادق والمشاعر الإيمانية المرتبطة بربها فيقول: "ونسأل الله أن يبارك فيكم جميعاً، ويوفقنا وإياكم لما يرضيه عنا"، ثم يدعو للشهداء والجرحى والأسرى، ويختم بقوله: "وينصرنا بنصره، إنه سميع الدعاء".

وبذلك تنتظم مضامين الخطاب في مسار متصل يبدأ من: المولد والرسول، ثم ينتقل إلى الرسالة والقرآن، ومنهما إلى معنى الاتباع والمعية، ثم إلى بناء الأمة في علاقتها بالله وعلاقتها برسولها، ثم داخل مجتمعها ومواقفها مع خصومها، ثم إلى امتداد الرسالة في التاريخ، ومسؤولية الأمة في الحاضر، وفلسطين ووحدة الساحات، والاستقلال اليمني واستعادة الحقوق.

وتتكون من هذا المسار شبكة مفاهيمية يمكن التعبير عنها على النحو الآتي:

(الرسول ← الرسالة ← القرآن ← الهداية ← الاتباع ← المعية ← الهوية ← المسؤولية ← الثبات ← الاستقلال ← الموقف ← الحركة في الواقع).

ويظل الرابط الجامع بين هذه المستويات هو: أن الهداية في الخطاب ليست معنىً منفصلاً عن الحياة، بل تتحول إلى وعي، والوعي إلى انتماء، والانتماء إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى موقف حاضر في الواقع ومتصل ببناء الأمة.

وختاماً: ندعو شعبنا اليمني العزيز إلى الاهتمام لما دعاء ويدعو إليه السيد القائد -يحفظه الله- والاستعداد لأي مواجهة، كونه الخيار الأصح والأجدى - كما تحدث يحفظه الله - وصلى الله عليه و سلم على سيدنا محمد وعلى آله.