موقع أنصار الله – متابعات – 1 جمادى الأولى 1448هـ
تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدا خطيرا في أساليب الإجرام الاستيطاني، يتمثل في إقدام عصابات المستوطنين الصهاينة على اختطاف فلسطينيين واحتجازهم، لا سيما المزارعين منهم، بهدف دب الذعر في قلوبهم ودفعهم إلى ترك أراضيهم تمهيدا للاستيلاء عليها.
وفي أحدث هذه الممارسات اختطفت عصابات المستوطنين 7 فلسطينيين أول من أمس، السبت، بينهم 3 في بلدة نحالين غربي بيت لحم، و3 في بلدة قفين شمال طولكرم، ومزارع في بلدة بيت إمرين بنابلس، وفق إذاعة "صوت فلسطين" الحكومية، دون توضيح مصيرهم.
وتزامنت حالات الخطف هذه مع موسم قطف ثمار الزيتون، والذي يعاني فيه المزارعون عادة من اعتداءات ينفذها "جيش" العدو الصهيوني والمستوطنون، وتشمل الضرب ومنعهم من الوصول إلى حقولهم، وسرقة محاصيلهم، واقتلاع أشجارهم وتجريف أراضيهم.
ولا تعد عمليات الاختطاف نوعا جديدا من العنف، إذ وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في أيار/ مايو 2025، نحو 36 حالة اختطف فيها مستوطنون إرهابيون، بعضهم يرتدي زيا عسكريا، أو احتجزوا ما لا يقل عن 50 فلسطينيا، بينهم ثلاثة أطفال، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ووفق مؤسسة "الحق - القانون من أجل الإنسان"، فإن الحوادث المسجلة فيما يتعلق بإرهاب المستوطنين أظهرت "نمطا متزايدا من عمليات الاختطاف والاحتجاز التعسفية وغير القانونية للفلسطينيين لعدة ساعات".
وأضافت في تقرير نشرته في 24 أيلول/ سبتمبر 2026 أن المستوطنين يمارسون خلال عمليات الاختطاف أفعالا "ترقى إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية والمهينة والتعذيب"، بما يشمل "انتهاكات متنوعة للقانون الدولي وجرائم دولية".
وأشار التقرير إلى أن هذه "الأعمال تنفذ لترسيخ وتوسيع نظام الفصل العنصري الاستعماري الصهيوني، والاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة وضمها".
وفي حادثة مروعة وقعت فجر 2 تموز/ يوليو 2014، اختطف 3 مستوطنين الفتى الفلسطيني محمد أبو خضير (16 عاما)، من أمام منزله في بلدة شعفاط بالقدس الشرقية المحتلة في حين توجهه لأداء صلاة الفجر في مسجد قريب.
ووفق إفادة المستوطنين، التي أكدها مهند جبارة محامي عائلة "أبو خضير" لاحقا، فإنهم قتلوا الطفل بإحراقه حيا بعد سكب البنزين عليه، ليعثر لاحقا على جثمانه متفحما.
ووثق تقرير "أوتشا" حادثة خطف في 20 نيسان/ أبريل 2025، حين اقتحمت مجموعة من المستوطنين من مستوطنة "إيتامار" قرية بيت فوريك في محافظة نابلس شمالي الضفة، وطاردوا أطفالا وهم يحملون سكاكين وحجارة.
وقال التقرير إن المستوطنين اختطفوا فتاة (13 عاما) وشقيقها (3 سنوات)، وعثر والدهما عليهما بعد 15 دقيقة مربوطين إلى شجرة داخل القرية.
ونقل التقرير عن الفتاة قولها إن المستوطنين "هددوهما بالسكاكين"، كما نقل التقرير عن والدي الطفلين أنهما "لم يصابا بأذى جسدي، فيما أظهرا علامات الخوف والضيق النفسي".
وفي حادثة أخرى، أوضح "أوتشا" أن مستوطنين صهاينة اعتدوا في 26 نيسان/ أبريل 2025 على رجلين فلسطينيين بالرصاص، واختطفوهما تحت تهديد السلاح خلال مداهمة قرية كوبر في محافظة رام الله وسط الضفة، وأطلق المستوطنون سراح أحد المصابين في حين استمروا باحتجاز المصاب الآخر 24 ساعة.
يؤكد مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، صلاح الخواجا، أن أعمال خطف عصابات المستوطنين للفلسطينيين واحتجازهم تزايدت في الآونة الأخيرة.
وقال إن تلك العمليات ترافقت مع أعمال تنكيل وعنف بحق الفلسطينيين، وتحدث عبر نصب حواجز في مناطق مختلفة، واحتجاز فلسطينيين عليها، أو من خلال الهجمات على مزارعين في الحقول والتجمعات الريفية والبدوية.
ويبين أن القضية لا تنفصل عن مختلف ممارسات العنف والمنع والضرب وإطلاق الرصاص التي يمارسها المستوطنون في مختلف مناطق الضفة، وهو ما جعل الكل الفلسطيني في دائرة الاستهداف.
من جانبه، يقول مسؤول التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، إن الهيئة رصدت تكرارا مقلقا لعمليات اختطاف المستوطنين الصهاينة للمواطنين والمزارعين الفلسطينيين واحتجازهم في أكثر من منطقة.
وعن خطورة هذه الممارسات، أكد داود أنها تجعل المزارع يخشى على حياته وحريته عند وصوله إلى أرضه، وتترك عائلته في قلق على مصيره، بما قد يدفع الناس إلى تجنب حقولهم وخسارة محاصيلهم.
ويضيف: "هكذا يمتد أثر الاعتداء من الضحية إلى القرية كلها، ويصبح وسيلة لترهيب السكان وإضعاف ارتباطهم بأرضهم".
ويؤكد أن "جيش" العدو الصهيوني يوفر الحماية للمستوطنين خلال اختطافهم الفلسطينيين، لافتا إلى أن الهجوم في "قفين" بطولكرم جرى بحماية قوات الاحتلال.
وبحسب داود، فإن هذه الحماية، إلى جانب غياب الردع والمساءلة، تشجع المستوطنين على تكرار الجرائم والتصرف كقوة تملك صلاحية احتجاز الفلسطينيين واقتيادهم.
ويشدد على أن تكرار هذه الممارسات يمثل بحد ذاته "إنذارا خطيرا" يستدعي توفير حماية عاجلة للفلسطينيين، ومساءلة المنفذين والجهات التي توفر لهم الحماية.
بدوره، يقول الباحث المختص في شؤون الاستيطان، جمال جمعة، إن عمليات الخطف ليست عشوائية أو معزولة، بل تندرج ضمن مخطط إستراتيجي ممنهج لعزل المناطق المصنفة (ج) بالضفة المحتلة.
وأوضح منسق "الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان" أن المسعى النهائي هو حصر الوجود الفلسطيني في جيوب معزولة بمناطق (ب)، لتهيئة الأرضية الجغرافية لتنفيذ خطة الضم وسلب الأراضي نهائيا، ودفع الأهالي نحو اليأس والتهجير.
في المقابل، يرى جمعة أن إصرار المزارعين الفلسطينيين على التوجه إلى حقولهم وجني ثمار الزيتون هذا العام يُمثل شكلا من أشكال التحدي والمقاومة الشعبية.
وأشار إلى أن هذا الإصرار يأتي رغم شتى وسائل الإرهاب والاعتداءات الميدانية، مثل حرق الأشجار، والتنكيل، والمنع المباشر، التي تمارسها مجموعات المستوطنين لتخويفهم.
وأكد أن موسم الزيتون تحول إلى شريان الحياة الأساسي ومصدر الرزق الوحيد المتبقي للعديد من العائلات، لا سيما بعد إغلاق سوق العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة في الضفة الغربية المحتلة.
ويعد الزيتون من أبرز المحاصيل الزراعية في فلسطين، وهو ركيزة للصناعات الغذائية والتجارة المحلية والتصدير، فيما تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تعرض أكثر من 26 ألف شجرة زيتون للقطع أو الضرر في الضفة الغربية خلال النصف الأول من العام الجاري.
وبالتوازي مع الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الصهيوني في غزة منذ عام 2023، كثف "جيش" العدو والمستوطنون إرهابهم واعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
وتشمل هذه الاعتداءات الإجرامية: القتل، والأسر، وهدم المنازل والمنشآت، وإحراق المساجد والسيارات، وتجريف الأراضي الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم، وسرقة المحاصيل، وتهجير المواطنين، والتوسع الاستيطاني في أراضيهم.
ويحذر الفلسطينيون من أن كيان العدو الصهيوني يمهد بهذا الإجرام لإعلان ضم الضفة الغربية إليه رسميا، ما يعني تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطين المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.