موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
يحاصر الإحباط مفاصل النظام السعودي من كل جانب، فيما لا تزال المعادلة اليمنية تعصف بمسلّمات واقعه وتعمّق خيباته؛ فلا المليارات التي أُهدرت على صفقات السلاح الهجومي والدفاعي استطاعت أن ترد عنه ضربات القوات المسلحة اليمنية الموجعة، ولا التحشيدات المستميتة أسعفته، ولا الحلفاء الذين استصرخهم لبّوا نداء النجدة.
وكلما أطرق النظام رأسه أمام تفاصيل الحقيقة ومفاجآت المعادلات التي يفرضها اليمن، وكلما رسخت العزلة لديه والقناعة بأنه لا مناص من الانصياع لإرادة الشعب اليمني وحقّه الأصيل في نيل سيادته كاملة غير منقوصة، واستعادة ثرواته واستقلال قراره، قفز مجدداً إلى ملجئه الأخير، مكرّراً أسطوانته المستهلكة حول استهداف البقاع المقدسة.
وفي هذا السياق، يُقرأ إصراره المستميت على تسويق هذه السردية المبتذلة بين أبناء الأمة الإسلامية باعتباره تعبيراً صارخاً عن حالة إفلاس، ومحاولة بائسة لاصطناع مبررات هشة تُسند موقفه العدائي المتداعي تجاه الشعب اليمني، بعد أن رافق العجز كل تحركاته الميدانية عن إحداث أي اختراق يُذكر.
ورغم يقين الرياض بأن فرية استهداف الحرمين الشريفين لم تجد في الوجدان الإسلامي مَن يتبناها لسطحيتها وبطلانها، وأنّ هذا التضليل لن يعيد لنظامها الهيبة المفقودة، أو يوقف حالة الانكشاف السياسي والعجز الميداني المتفاقم الذي يعيشه، إلا أن العدو السعودي يجد نفسه مجبراً على اجترارها؛ كمن يغرق في مستنقع آسن لا خلاص منه إلا بمزيد من الأكاذيب الفاضحة المكشوفة.
إن العودة المتكررة إلى هذه الدعاية باتت تُقرأ اليوم من زاوية أشد خطورة؛ فهي تكشف عما هو أبعد من مجرد التلفيق الإعلامي، وتشي باحتمال وجود نوايا خبيثة ومبيتة لدى النظام السعودي بالإدعاء بانتهاك قدسية الحرمين الشريفين، ليمنح أعداء الأمة هدية مجانية من أجل ترويض الشعوب الإسلامية على تقبل انتهاك هذه القدسية.
وفي مواجهة التضليل السعودي، يقطع ناطق حكومة التغيير والبناء الدكتور عمر البخيتي الشك باليقين، مؤكداً أن تكرار ادعاءات العدو السعودي بشأن استهداف يمن الإيمان والحكمة للمناطق المقدسة، لا يمثّل مجرد شائعة، بل يكشف عن نوايا مبيّتة ومخطط خبيث يتخادم فيه العدو السعودي مع الكيان الصهيوني لاستهداف المقدسات وتلفيق التهمة باليمنيين زيفاً وبهتاناً.
ويلفت الدكتور البخيتي إلى أن تكرار هذه الكذبة يسعى لترسيخ إمكانية المساس بالحرمين، وإسقاط هيبتهما وقداستهما في قلوب المسلمين تمهيداً لتمزيق النسيج الإسلامي من داخله وارتباطه بمقدساته ورموزه خدمةً للمشروع الصهيوني.
ويحمّل ناطق الحكومة، النظام السعودي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية عن أي ضرر أو مؤامرة تنال من مكة المكرمة والمدينة المنورة وضيوفهما، محذراً بلهجة حاسمة من أن أي مساس بالحرمين ستكون له تداعيات زلزالية وكارثية ترتدّ على عرش النظام السعودي وحده، معرباً في الوقت ذاته عن الاستنكار الشديد لانجرار بعض الأنظمة العربية خلف هذه الرواية ذات المنشأ الصهيوني العدائي.
لا شك أن التحول الميداني والسياسي ينقل التحليل الاستراتيجي من خانة رصد الزيف الإعلامي بمداه المنظور، إلى خانة استكشاف المخطط الاستراتيجي المظلم وأبعاده الخطيرة على مستقبل المقدسات الإسلامية فحين يتهاوى الهيكل العسكري للعدو، وتتساقط منظومات دفاعه الجوي المتطورة أمام الضربات اليمنية الدقيقة، وتتكسر أوهام التفوق تحت وطأة العزلة والانسداد، يغدو اصطناع الأحداث حول الحرمين تكتيكاً مقصوداً لذاته للتغطية على الفشل الذريع، وللتخفيف من وطأة الشعور بالهزيمة.
غير أن الدلالة الأشد إيلاما للوجدان الجمعي الاسلامي هو انسلاخ دولة اسلامية من مسؤولياتها الدينية والانسانية، واستغراقها في ابتداع كل أشكال القهر لشعب وصفه الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله بالإيمان والحكمة، فضلا عن جرأة الخوض في هيبة الأماكن المقدسة والتمهيد النفسي والذهني للشعوب الإسلامية لتقبّل فكرة انتهاك قدسيتها كحدث واقع، وهو ما يمكن أن ينزع الرهبة الإيمانية العميقة من الوجدان الجمعي للمسلمين، ويقدّم هدية مجانية وممنهجة للكيان الصهيوني والقوى الاستعمارية الراغبة في تجريد الأمة من مرتكزها الروحي الأصيل.
يكشف خبراء استراتيجيون بأن الخلفية الحقيقية للسلوك السعودي الانتحاري تجسّد رغبة مبيّتة في خلق سيناريو مسبق الصنع؛ يتيح للعدو اقتراف جريمة أو تدبير خرق أمني في محيط المشاعر المقدسة، ثم إلقاء التهمة فوراً على اليمن.
ويهدف نظام الرياض من خلال هذا المخطط إلى شرعنة أعتى خطوات التصعيد، وتوريط بعض الاطراف في عدوانه على الشعب اليمني، بل وتبرير ما هو أدهى وأمر والمتمثل باستدعاء الكيان الصهيوني للتدخل المباشر والعلني تحت زعم "الدفاع المشترك عن الأمن الإقليمي وحماية المقدسات" التي صُنع هتك حرمتها في غرف التضليل ذاتها!.
ومن هنا، تأتي التحذيرات اليمنية لتلقي بالمسؤولية كاملة على عاتق الرياض، قاطعةً عليها طريق التملص، ومحذرةً الأنظمة المنجرّة من الوقوع في فخ التضليل الصهيوني الذي يستدرج الجميع نحو اقتتال بيني يلتهم ما تبقى من منعة الأمة ومقومات قوتها.
وفيما يتعلق بدلالات التوقيت، يلاحظ المتابعون أن هذه الادعاءات دائما ما تطفو على السطح بعلاقة طردية حتمية مع الصفعات الميدانية التي تتلقاها الرياض؛ فكلما تكشّف العجز العسكري عن حماية المنشآت الاقتصادية والنفطية، انطلقت هذه الجلبة الإعلامية لتغطي على نزيف الهيبة وحجم الخسارة.
وهي تعبير عن حالة من الذعر السياسي والهستيريا تجاه تمدد القوة اليمنية وقدرتها على صنع الإعجاز، ما تجعل العدو لا يتردد عن اتخاذ أطهر بقاع الأرض متراساً ودرعاً لحماية سلطته المتداعية وفي مقابل هذا السقوط، تقف القوات المسلحة اليمنية والشعب اليمني الأبيّ على صخرة صلبة من الثوابت الدينية والإيمانية والمنظومة الأخلاقية الراسخة.
ويتجلى الانضباط اليمني في الشفافية المطلقة للخطاب العسكري الرسمي الذي أعلن بوضوح لا يأتيه الباطل نفي أي عمليات باتجاه المقدسات، مجدِداً التأكيد على أن بنك أهدافه ينحصر في القواعد والمنشآت العسكرية والاقتصادية للمعتدي، إضافة إلى أن القوات المسلحة أعلنت مرارا وتكرارا أن كل أجواء السعودية غير آمنة باستثناء مكة والمدينة وهو الانضباط الذي تحطمت على جدار الصلابة فيه كل فبركات المطبخ السعودي.
غير أن السقوط الأكبر والأكثر دوياً، والذي يجرد الرياض من آخر أوراق التوت، يكمن في تناقضها الصارخ، إذ كيف يستقيم في عقيدة أو منطق أن يدّعي نظام حرصه على حماية مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم يهرع مستجدياً ومستنجداً بمن ينكل بالأقصى الشريف ويغتصب أرض فلسطين ليجعله حليفاً استراتيجياً في عدوانه على اليمن؟!
هذا التخادم المفضوح مع العدو التاريخي والأبدي للأمة يمثل ضربة قاصمة لكل الشعارات الدينية التي يرفعها نظام الرياض زوراً وتدليساً ويؤكد خبراء العلاقات الدولية أن ورقة الحرمين الشريفين لم تكن يوماً لدى الرياض سوى قناع زائف وستار دخاني لتمرير أجندات الاستعمار وتنفيذ مخططات الكيان الصهيوني ضد كرامة الأمة وهويتها.
لا شك بأن كل ما تنتجه المطابخ الإعلامية للعدوان ليس إلا إسقاطاً نفسياً مكشوفاً وتكتيكاً بائساً يعكس الرعب التاريخي المتأصل في نفوس حكام الرياض أمام تعاظم قدرات الردع اليمنية وثبات شعبها المقاوم ومهما تنوعت آلات التضليل وزادت حدة الفبركات، فإن سحائب الزيف ستتبدد أمام سطوع الحقائق الميدانية والوعي المتنامي لدى شعوب الأمة الإسلامية.
المحاولات الخائبة لاتخاذ مكة والمدينة سواتر سياسية، لن تنقذ النظام السعودي من استحقاقات هزيمته التاريخية وخروجه الخاسر من مستنقع العدوان؛ وسيظل الشعب اليمني الأبيّ، بوعيه الإيماني وقواته المسلحة الباسلة، الحارس الأمين لقضايا أمة الإسلام ومقدساتها، والثابت الراسخ على درب الحق والكرامة حتى ينجلي البهتان إلى الأبد وينتصر الحق المبين.