من آخر ما سمعناه: تصريحات السفير الأمريكي لدى اليهود الصهاينة، وهو يقول بكل وضوح- وهو مسؤول أمريكي، يعبِّر عن سياسات بلده، عن توجهات إدارته- يقول: [أنَّ من الجيِّد إذا سيطرت إسرائيل على الشرق الأوسط، فلها حقٌّ توراتي فيه من النيل إلى الفرات]، هكذا بكل صراحة، وله تصريحات كثيرة جداً يؤكِّد فيها هذه المسألة: الموقف الأمريكي الداعم للعدو الإسرائيلي، في مسعاه للسيطرة على هذه المنطقة، وعلى شعوبها، وبلدانها، وثرواتها، فيما يعبِّرون عنه بـ [السيطرة على الشرق الأوسط]، وفيما يعبِّرون عنه بـ [إسرائيل الكبرى].
ولذلك يجب أن نعي جيداً أننا أُمَّة مستهدفة، وأننا أُمَّة تواجه هذا الطغيان الإسرائيلي الأمريكي اليهودي المخادع من جهة، والذي أيضاً اتجاهه الإجرامي مكشوفٌ وواضح، وكذلك عناوينه المعبِّرة عن أهدافه صريحة وواضحة.
فإذاً نحن بحاجة إلى سبيل الخلاص، وسبيل الخلاص واضح، الأمل الوحيد لهذه الأُمَّة وطريق النجاة لها، هو: باعتصامها بالله، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[آل عمران:101].
المسارات الأخرى هي مسارات استهلاكية، واستنزافية، ومضيعةٌ للوقت، ومضيعةٌ للجهود، حينما تراهن عليها الأُمَّة، حينما تعلِّق عليها كل آمالها، هي سرابٌ {بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}[النور:39]، والتجارب تثبت ذلك على مدى عقود من الزمن مضت، حتَّى لما يسمَّى بـ [السلطة الفلسطينية]، وما علَّقت عليه آمالها من اتِّفاقيات (أوسلو) وما بعدها، ما الذي يجري في الضِّفَّة الغربية؟ في كل يوم أفظع الانتهاكات، من: تهجير، وتدمير، ونهب، وقتل... ومختلف الجرائم، وسيطرة واغتصاب للأراضي بشكلٍ مستمر، وفي نفس الوقت توسيع دائرة الاستيطان على المغتصبات من تلك الأراضي، وفي تلك البقاع... وغير ذلك من الإجراءات العدوانية التي يمارسها العدو الإسرائيلي.
هذا عدوٌ ليس للأُمَّة من مناص إلَّا مواجهته، إلَّا السعي للتخلُّص منه، ولكن كيف؟ كما قلنا: على أساس الاعتصام بالله، والرجوع إلى هديه، إلى نوره المبارك، في نوره المبارك، في هديه العظيم في القرآن الكريم، يقدِّم الله لنا صورةً متكاملة عن أعدائنا، من هم؟ وكيف هم؟ وتشخيصاً دقيقاً حتَّى لنفسياتهم، لسلوكياتهم، لدوافعهم، لأهدافهم، وحتَّى عن سلوكياتهم الإجرامية. ونرى المصاديق لذلك، والشواهد الواضحة في أرض الواقع بشكلٍ يومي.
ولهذا نحن معنيون بالرجوع إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، الرجوع الصادق، والرجوع الواعي، والرجوع العملي؛ لنتحرَّك على أساس هديه المبارك، حتَّى القصص القرآني هو يقدِّمه لنا في سياق هدايته لنا، ويرسِّخ لدينا الحقائق الكبرى، في مقدِّمتها: أنَّ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" رحيمٌ بعباده، لا يريد لهم أن يظلموا، بل إنَّه يقدِّم لهم في هدايته ما يقيهم ابتداءً من الظلم، من أن يظلموا، هو القائل: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ}[آل عمران:108]، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ}[غافر:31]، بشكلٍ عام، فما بالك بأوليائه! ما بالك بمن ينتمون إلى دينه! للعالمين بشكلٍ عام لا يريد لهم أن يظلموا، ثم حتَّى في حالة أن أصبحوا في وضعية الاستضعاف والقهر، أُمَّة مظلومة، مقهورة، مسحوقة، يقدِّم لهم أيضاً سبيل الخلاص من الوضعية التي هم فيها، والحالة التي هم عليها.
والله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو العزيز، الحكيم، القوي، الجبار، من عِزَّته أنَّه لا يترك المجال للطغاة دون أن يقدِّم للمستضعفين سبيل الخلاص والإنقاذ من طغيان الطغاة، واستكبار المستكبرين، الظلم والطغيان قد يصل حينما يتعاظم إلى مرحلةٍ معينة، ولكن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو الذي قال عن نفسه: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر:14]، وقدَّم الأمثلة والشواهد: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}[الفجر:6-14]، فرعون بطغيانه، بجبروته، أهلكه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وأنقذ المستضعفين منه، وكيف كان ذلك؟ في دروس مهمة جداً.
المحاضرة الرمضانية الخامسة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي - 05 رمضان 1447هـ | 22 فبراير 2026م