موقع أنصار الله | القول السديد | 

 

{لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}[القصص:8]، معنى ذلك: أنَّ الله يصنع عدواً للطغاة والمستكبرين؛ لِيُنقذ منهم المستضعفين، وليخلِّص منهم المظلومين، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في تدبيره الحكيم- وهو القوي العزيز- لا يترك عباده هملاً، عندما يكون هناك طغاة، متجبِّرون، ظالمون، مستكبرون، يمتلكون الإمكانات العسكرية والاقتصادية، والنفوذ السياسي، والسيطرة على الواقع، تصل بهم حالة الغرور إلى أن يتصوَّروا أنَّهم أصبحوا في مأمن من أن يتمكَّن أحد من أن يزيلهم، وبالذات عندما أيضاً يحترزون بتدابير معيَّنة، مما هو متوقع في حال لو لم تكن تلك الاحترازات قائمة، من تحركٍ يعاديهم، أو يسعى للحد من طغيانهم، والتَّخَلُّص من ظلمهم وجبروتهم. يعني: عادةً ما يكونوا قد وصلوا إلى واقع كبير في حجم إمكاناتهم، في مستوى سيطرتهم، في مقدار نفوذهم، في مستوى تسلُّطهم من جهة، وفي نفس الوقت يأخذون بعين الاعتبار كل الاحتمالات البعيدة، يعني: فئة من المجتمع، فئة معينة يتوقَّعون منها أنهم لو تركوا لها المجال، لأمكن لها في مرحلة من المراحل أن تستقوي وتنمو، وتصبح في مستوى أن تواجه خطرهم، وظلمهم، وطغيانهم، وبغيهم، فإنهم يحسبون حساب أن يحولوا دون ذلك ابتداءً، أن تكون سياساتهم تجاهها، إجراءاتهم ضدها، بالشكل الذي يحول دون ذلك، ويضمن بقاءها في حالة استضعافٍ تام، وذل، وقهر، وهوان.

وهذا ما فعله فرعون، وهامان، وجنودهما، في سياستهم تجاه المستضعفين، تجاه بني إسرائيل في تلك المرحلة، بل أكثر من ذلك: سياسة تشبه سياسة اليهود الصهاينة في فلسطين ضد الشعب الفلسطيني، يعني: سياسة مسارها الاتجاه بهم (بالمستضعفين) إلى التلاشي، إلى الانهيار التام، إلى الفناء، إلى الفناء، ومع ذلك فشلت كل تلك السياسات، سقطت كل تلك التدابير الاحترازية، بتدبير الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" ومشيئته العجيبة.

هنا لماذا يتَّخذ الله هذه الإجراءات ضد بعضٍ من خلقه، من عباده؟ لأن الفراعنة أيضاً فرعون وجنوده وقومه، وآل فرعون، هم أيضاً من خلق الله، وفي مملكة الله، ومن عباد الله، كلهم من العبيد، من عبيد الله، لماذا يتَّخذ الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" تدابير، وفي مشيئته "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يدبِّر لسقوط كيانات معينة، وينشئ لها حتَّى من المستضعفين، بالرغم مما وصلوا إليهم من مستوى الاستضعاف، من يمكِّنهم إلى أن يصلوا- في نهاية المطاف- إلى مستوى إسقاط تلك الكيانات الكبيرة والقوية؟ هذا تدبير عجيب، من وسط المستضعفين يهيئ من يكون على يديه سقوط قوى قوية، مستكبرة، لديها الإمكانات الهائلة، لديها النفوذ الكبير، لديها التَّجارب الكبيرة، لديها السيطرة المستحكمة... وغير ذلك، لماذا يتدخَّل الله ضد البعض من البشر بهذه الطريقة؟ الله يقول ليبين لنا السبب في ذلك: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8]، {كَانُوا خَاطِئِينَ}، الطغيان الذي قام على استكبار فرعون، وجبروت هامان، واتكأ واعتمد على القدرة العسكرية (الجنود)، كان أساساً للخطيئات، في مقدِّمة الخطيئات الكبرى: الظلم الرهيب، الإجرام، النشر للفساد بكل أشكاله وصوره، عندما تتحوَّل قوَّة معينة، سواءً هي بشكل دولة، أو سلطة، أو أي كيان، أو إمبراطورية، عندما تتحول إلى مثل هذا الحال: توظِّف نفوذها، وقدراتها، وإمكاناتها، ونفوذها إلى خدمةٍ للطغيان، وإلى ممارسةٍ ظالمة، وإلى عدوانٍ على البشر، وإلى دورٍ شيطانيٍ في الأرض، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو رب العالمين، الأرض أرضه، يورثها من يشاء من عباده، والبشر هم عبيده، هو ملك الناس، وإله الناس، وربُّ الناس، وهو المهيمن على هذا العالم بكله، لا يتفرَّج على الوضع، ويترك لهم المجال ليصلوا إلى أيِّ مدى من الطغيان، والظلم، والإفساد، والجبروت، وإفساد البشر، وإفساد الحياة، الخطيئات الكبرى من ظلم، من إفساد، من إجرام، من منكرات، من فواحش، من رذائل... كل أشكال الخطيئات الخطيرة، التي تتراكم وتجتمع لتتحول إلى سلوكٍ عام، لقوى، لطغاة، لدول، لإمبراطوريات... لغير ذلك، هي في نهاية المطاف تؤدِّي إلى هلاكهم، إلى سقوطهم؛ لأن الله هو القوي، العزيز، الحكيم؛ ولذلك لا يمكن أن يترك لهم المجال إلى ما لا نهاية، إلى ما لا نهاية، هناك مستوى معين من الطغيان، من الإجرام، إذا وصلوا إليه تأتي المؤاخذة من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

هذا يبيِّن خطورة الجرائم والخطيئات، وأنها سببٌ للنقمات والعقوبات من جانب الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وفعلاً أسقطت إمبراطوريات كثيرة على مرِّ التاريخ، كانت كثيرٌ من الإمبراطوريات والقوى المستكبرة، كلما تمكَّنت أكثر؛ كلما زاد طغيانها، زاد إجرامها، انتشر فسادها على نطاقٍ أوسع، زادت في الظلم للناس، ثم تسقط... وهكذا على مرِّ التاريخ، كم سقطت من كيانات ظالمة، طاغية، متجبِّرة، كان الناس في عصرها يتصوَّرون أنها ستبقى إلى الأبد، إلى ما لا نهاية، في ما هي عليه من قوَّة، من نفوذ، من جبروت، من إمكانات هائلة، قدرة عسكرية ضاربة، إمكانات اقتصادية ضخمة وهائلة، فيتصوَّرون وكأنها ستبقى إلى ما لا نهاية، ثم يصنع الله المتغيرات التي تسقطها، طغاة، وجبابرة، متكبرون، ظالمون، كان مستوى ما لهم من النفوذ والسيطرة، بالقدر الذي يتصوَّر البعض أنهم سيتمكنون من البقاء باستمرار على ذلك النحو، ثم سقطوا، هلكوا وانتهوا، هذا عبرة: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8].

إذاً كل الكيانات التي تسلك مسلكهم، في الطغيان، والجبروت، والظلم، والإفساد في الأرض، وتوظِّف كل إمكاناتها، كل قدراتها لذلك؛ ستسقط، ويهيئ الله لسقوطها بحكمته وتدبيره.

 

المحاضرة الرمضانية السادسة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي - 06 رمضان 1447هـ | 23 فبراير 2026م