{إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ}[القصص:10]، يعني: بلغ بها الحزن، والقلق، والاضطراب النفسي، والخوف على رضيعها، حتى لكادت أن تُظْهِر الأمر، كادت أن تصرخ من أعماقها، وتذيع جميع أسرارها، وتكشف خبر ابنها، كادت أن تذهب إلى الناس وتتحدث عن الموضوع؛ من شدَّة الضغط النفسي عليها؛ بينما التكتُّم، والحفاظ على سرِّيَّة الموضوع، هو جزءٌ أساسيٌ في الخطة، ولنجاحها أيضاً، لنجاح الخطة في إطار التدبير الإلهي، وهذه قضية مهمة جداً، يعني: لو أنها كشفت حالها، وأنَّ ذلك الطفل هو ابنها، الذي تقاذفته الأمواج، وألقت به في البحر، وعرف الفراعنة؛ لكانت المسألة مختلفة إلى حدٍ كبير، لكان ذلك شكَّل خطراً كبيراً على ذلك الطفل الرضيع.
هنا نجد كيف هي الرعاية الإلهية عند الشدائد، التي لها تأثيرها على الحالة النفسية لدى الإنسان، وقد تكون في مثل هذه الحالة على الأم تجاه رضيعها، حالة الضغط النفسي حالة شديدة جداً، قلق كبير، وحزن شديد، وخوف شديد على رضيعها؛ لأنها ألقته في البحر، وفي نفس الوقت نجاته من الغرق يعني أن يصل إلى الفراعنة، وهناك مخاطر الذبح، فهي في حالة قلق وضغط نفسي شديد؛ فيأتي التَّدَخُّل الإلهي، تأتي رعاية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في الحالة الصعبة، حتى في الواقع النفسي للإنسان، حينما يكون قد بادر، واستجاب لله، وهو معتمدٌ على الله، ملتجئٌ إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يؤدِّي مهامه الإيمانية التزاماً وامتثالاً لأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ويتوكَّل على الله "جَلَّ شَأنُهُ"؛ لهذا قال الله "جَلَّ شَأنُهُ": {لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[القصص:10].
فهنا نجد أنَّ الرعاية الإلهية في الربط على القلوب، وهي من أهمِّ الرعاية التي يمنحها الله عباده من المؤمنين والمؤمنات، الذين يستجيبون له في أداء مهامهم الإيمانية، التي يواجهون فيها الضغوط النفسية الشديدة، والمخاوف الكبيرة، يعني: نجد في شواهد أخرى في القرآن الكريم: في قصة أصحاب الكهف، {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}[الكهف:14]، وفي مقامات أخرى فيما يتعلَّق بالربط على القلوب، وكذلك بالسكينة التي ينزلها الله على القلوب.
الإنسان في مشاعره، وفي طاقته وتحمُّله، له مستوى محدود معيَّن في مستوى التَّحَمُّل، في ما يعانيه في مشاعره، في مخاوفه، أو على مستوى آخر، الحالات النفسية المختلفة، الإنسان قد تكون لديه أحياناً مشاعر الخوف، وأحياناً مشاعر الغضب... أحياناً مشاعر متنوعة، هذه المشاعر لها مستوى معيَّن، قد يصل بالإنسان من خلال الضغط الشديد عليه، إلى تأثيرات على أحواله، على مواقفه، على أعماله؛ ولهذا يحتاج إلى الله حتى في ضبط هذه المشاعر، التي قد تؤثِّر على الإنسان حتى في مهمته الإيمانية العملية؛ فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من أهمِّ ما يرعى به عباده المؤمنين والمؤمنات: أنَّه يربط على القلوب في أوقات الشدائد الكبيرة جداً، التي تكاد أن تنهار فيها الحالة النفسية لدى الإنسان، يكاد الإنسان أن يصل فيها إلى الانهيار المعنوي، الحالة النفسية قد تضغط على الإنسان، سواءً حالة خوف، أو حالات أخرى، بحسب الحالات المتفاوتة، والمقامات المتفاوتة، فيأتي التدخل الإلهي، وتأتي الرعاية من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، بما يساعده ويثبِّته، فالربط على القلوب هو تقوية لها، ودعم معنوي من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يساعد الإنسان على الاطمئنان، والتماسك، والثبات، وهذا من أهمِّ ما يرعى الله به عباده المؤمنين والمؤمنات.
المحاضرة الرمضانية السابعة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي - 07 رمضان 1447هـ | 24 فبراير 2026م