كان هناك مجموعة من الأسباب والعوامل الرئيسية، تمثِّل درساً مهماً لكل شعب، لكل بلد، لكل قوم، لكل منطقة، درساً مهماً جداً تجاه التجربة في التعامل مع هدى الله “سبحانه وتعالى”، وخطورة بعض العوامل السلبية، التي لها نتائج سيئة جداً:
- العامل الأول في هذا الموقف السلبي من المجتمع القرشي آنذاك في أكثريته، هو: استكبار الملأ منهم:
أكثر زعمائهم ووجاهاتهم المؤثِّرة في المجتمع، المتبوعة في المجتمع، استكبرت، استكبرت من أن تتبع هذه الرسالة، من أن تؤمن بالرسول “صلوات الله عليه وعلى آله”، وأن تؤمن بالقرآن الكريم، وأن تتقبل هذا الهدى، وأن تتبع هذا الهدى، وكما يقول الله عنهم في القرآن الكريم: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا}[ص: 6-8]، خلاصة موقفهم يترتب هنا في هذا النص: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا}، فالحالة حالة استكبار، استكبار من الملأ، كلٌّ منهم يريد أن يكون هو من يُبعَث رسولاً، من يأتي إليه الوحي، من… لأنهم يفهمون أنَّ الرسالة موقع سلطوي، ومنصب زعامة فحسب، وهذا هو الموضوع الرئيسي عندهم.
ولذلك كما قال القرآن عنهم في آيةٍ أخرى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً}[المدثر: الآية52]، وهم هنا يقولون: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا}، فهذه حالة الاستكبار، هي حالة تؤثِّر على الكثير من الناس، ممن لهم وجاهة، وزعامة:
– على المستوى الاجتماعي.
– أو على المستوى السياسي.
– أو على أي مستوى، حتى على المستوى الديني والعلمي.
الكثير منهم يؤثِّر عليه ذلك، فيدفعه للاستكبار عن قبول الحق، هذا درس مهم في كل زمان، وفي كل مكان.
- العامل الآخر من العوامل السلبية، التي أثَّرت على أكثريتهم، هو: الطمع، والنظرة المادية، والتوجه المادي، والمعايير المادية:
فهم عندما بدأ النبي “صلوات الله عليه وعلى آله” تحركه بتبليغ الرسالة الإلهية، ولم يكن من أثرياء القوم، ولم يكن صاحب ثروة هائلة، وإمكانات مادية ضخمة، ولم يستند في دعوته تلك إلى الإغراءات المادية، والاستقطاب المادي، والتأثير المادي، فكثيرٌ منهم (أكثريتهم) أعرضوا عنه، واعتبروا هذا كافياً في ألَّا يتَّبعوه؛ لأنهم لم يكونوا يؤمنون بأنَّ القوة إلَّا في جانب المال والثروة، وأنَّ الإنسان هو قويٌ ونافذ بقدر ما يمتلك من مال وثروات؛ وبالتالي يُبنَى على ذلك الإتِّباع له؛ لأن الإتِّباع له سيحقق مصالح مادية، أو مكاسب مادية، أو على الأقل يحترمونه لهذا الاعتبار، حتى لو لم يحصلوا منه على مصلحة.
وكانوا يوجِّهون الانتقادات على هذا الأساس إلى النبي “صلوات الله عليه وعلى آله”، وكانوا يتحدَّثون عن هذا الجانب كمعيار يعتمدون عليه:
– في موقفهم.
– وفي تقييمهم.
ولذلك يقول الله عنهم أنهم قالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}[الزخرف: الآية31]، العظيم عندهم، بمقدار ما يمتلك من ثروات، وإمكانات، وقدرات مادية.
في مقترحاتهم التي حكاها الله عنهم في سورة الفرقان، عندما قالوا: {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}[الفرقان: من الآية8]، فهم يقولون: [لماذا لا يلقى إليه كنز؟]، وعلى ضوء ذلك يصبح ثرياً، وصاحب إمكانات مادية ضخمة؛ ليتَّبعه الناس، {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ}، يعني: مزرعة ضخمة جداً.
– إما إمكانات تجارية مالية نقدية، آنذاك الذهب، أو الكنز.
– أو ثروة زراعية ضخمة.
نظرتهم المادية هذه، ومعيارهم المادي، وأطماعهم، وجشعهم، كان من العوامل السلبية التي أثَّرت عليهم، في أن يؤمنوا بالحق، أن يقبلوا بالرسالة العظيمة، رسالة الله، التي في الإيمان بها، والإتِّباع لها، ينالون خير الدنيا والآخرة، ولكنهم أعرضوا، وهذا أيضاً يؤثِّر- كما قلنا- على الكثير من الناس في كل زمان ومكان، معيارهم في الولاء، معيارهم في الموقف، معيارهم في الإتِّباع، معيارهم في منطلقاتهم، في أعمالهم ومواقفهم، هو معيار مادي، يميلون إلى من لديه إمكانات مادية، ويقدِّم إغراءات مادية، ونحن نشاهد هذا في هذا الزمن بشكل كبير جداً.
البعض من الناس يقفون في صف الباطل، وهم يعلمون أنه باطل، لماذا؟ انجذاباً للإغراءات المادية، وارتباطاً بمن لديهم إمكانات مادية، وثروات مالية، فالكثير من الناس قد يبيع موقفه وولاءه، ويعمل أي عملٍ مهما كان، مهما كان ظالماً، مهما كان باطلاً، مهما كان سيئاً، مهما كان فيه من ظلم وفساد، في مقابل هذه الأطماع المادية، والأهواء المادية، وذلك درس في كل زمن، وفي كل مكان.
- العامل الثالث من العوامل المؤثرة سلباً على أكثرية المجتمع القرشي في مكة، هي: المخاوف:
وحكى الله عن بعضهم أنهم قالوا: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}[القصص: من الآية57]، قالوا: نحن إذا اتَّبعنا هذا الهدى- وهو هدى، هم يعترفون بأنه هدى- معك، فمحيطنا بكله العربي والعالمي، اتجاهه اتجاه مختلف معك، واتجاه آخر؛ وبالتالي يعاديك، ويحاربك، ونحن سنكون قلة أقلية في بلدنا، ماذا نستطيع أن نفعل؟ فستكون حالتنا هي هذه الحالة التي لا نستطيع فيها الثبات على موقفنا، ولا أن نواجه كل هذه الضغوطات والتحديات من حولنا، ولا أن نصد هذا الاستهداف عن أنفسنا، فعبَّروا عن ذلك بقولهم: {نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}.
فأثَّرت عليهم هذه المخاوف الثلاث، أو العوامل الثلاث، وأنستهم- ما ذكرناه سابقاً- أنَّ هذا مشروع إلهي عظيم، حتمي الانتصار، والرسول كان يطمئنهم بأن هذا المشروع سينتصر حتماً، وأنَّ الله معه، وأنَّ المتغيرات ستكون لصالحه، وأنَّ به خير الدنيا والآخرة…إلخ.
وتطوَّر الموقف (موقف الأكثرية في مكة) من الكفر والإعراض عن هذا الهدى العظيم، وعن هذه الرسالة العظيمة، إلى المحاربة لهذه الرسالة، والصد عنها، وتثبيط الآخرين عنها، حتى أنهم كانوا يستهدفون كل الوفود التي تأتي من مختلف القبائل العربية إلى الحج، ليحذِّروها من رسول الله “صلوات الله عليه وعلى آله”، ومن الإسلام، ومن القرآن العظيم، وليحرِّضوها ضد رسول الله “صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله”.
وتطوَّر موقفهم هذا، وازداد استكباراً، وعتواً، ونفوراً، وكفراً، إلى أن وصل إلى مرحلة سيئة جداً، بات أكثرهم في وضعية غير قابلة لأن يؤمنوا أصلاً، وصل بهم الحال إلى الابتعاد كلياً عن الإيمان بالرسالة الإلهية، ولهذا يقول الله “سبحانه وتعالى” عنهم: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[يس: الآية7]، وصلوا إلى هذه المرحلة: ألَّا يؤمنوا أبداً، إلى مرحلة اليأس من إيمانهم، فهم وصلوا إلى أسوأ مستوى من الكفر، والإعراض، والابتعاد عن الحق، فضلوا ضلالاً بعيدا.
هذه الحالة التي وصلوا فيها إلى مستوى غريب جداً، حالة تشبه قول الله “سبحانه وتعالى” لنوح “عليه السلام”، نبيه نوح “عليه السلام”: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ}[هود: من الآية36]، هذه حالة قريبة منها، ليست بمثلها، ولكن قريبة منها، عندما يقول: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، الآية تقطع بأنَّ أكثرية ذلك المجتمع لا يؤمنون، ولن يؤمنوا أبداً.
كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي " يحفظه الله " في ذكرى الهجرة النبوية 1443هـ