موقع أنصار الله . تقرير | علي الدرواني
بإزاء الحرب العسكرية والأمنية التي تشنها أمريكا و"إسرائيل" على إيران، يتبنى الأعراب حربا إعلامية تضليلة تخدم ذلك العدوان، حيث تتصاعد في الآونة الأخيرة نبرة إعلامية مكثفة، تقودها منصات وصحف خليجية وسعودية على وجه الخصوص، تسعى لترويج وترسيخ مقولة "تساوي التهديدين الإسرائيلي والإيراني" على ما يسمونه الأمن القومي العربي، وتعتمد هذه الدعاية على تصوير المنطقة كساحة صراع بين "مشروعين توسعيين صهيوني وفارسي"، في محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي العربي بعيداً عن مركزية القضية الفلسطينية. ومع ذلك يصطدم هذا الطرح بتناقض فاضح يتمثل -في جوهره- بالدور الأمريكي، فكيف يمكن قبول هذه المساواة بينما واشنطن -الحليف الوثيق والموجه لهذه الوسائل الإعلامية- هي نفسها الداعم الوجودي للمشروع الإسرائيلي، والخصم اللدود للمشروع الإيراني؟! ما يجعل هذا الخطاب الإعلامي يبدو كأداة سياسية لتبرير التحالفات الجديدة تحت غطاء "مواجهة الأخطار المشتركة".
هذا الطرح المتناقض في جوهره يصطدم بحائط صلب تشكله حقائق تحالفات وعلاقات تلك الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية.. فالكيان الإسرائيلي يمثل مشروعاً مدعوماً بشكل مطلق ومباشر من واشنطن عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، بينما تصنف إيران كعدو استراتيجي للولايات المتحدة، وتخضع لأقصى أنواع الحصار والعقوبات الظالمة على مدى الخمسة العقود الماضية. هذا التباين الكبير والحاد يثبت أن وضع الطرفين في سلة واحدة يتجاهل حقيقة أن أمريكا لا يمكن أن تدعم مشروعاً توسعياً (كيان العدو الإسرائيلي) وتحارب في الوقت ذاته مشروعاً آخر إذا كان كلاهما يستهدف الأمة بنفس الطريقة ولذات الأهداف. بل إن العداء الأمريكي لإيران ينبع أساساً من تعارض سياساتها مع المصالح الأمريكية، ومجاهرتها برفض الوجود الإسرائيلي في المنطقة.
علاوة على ذلك، فإن المنصات الخليجية وبعض العربية التي تتبنى هذه الدعاية تجد نفسها في موقف محرج منطقياً؛ فهي تتحالف أمنياً وعسكرياً مع واشنطن، التي لولاها لما كان الكيان الصهيوني قادرا على البقاء في المنطقة، فكيف يمكن الركون إلى ادعاءٍ يساوِي بين عدوٍ تحتضنه أمريكا (إسرائيل) وطرفٍ تحاربه أمريكا (إيران)، في حين أن المروجين لهذا الادعاء هم حلفاء واشنطن؟! هذا يشير إلى أن الهدف من هذه الدعاية ليس حماية الأمة بقدر ما هو إعادة تعريف "العدو" بما يتوافق مع الأجندة الأمريكية، وتحويل البوصلة عن الصراع الأساسي مع الاحتلال الصهيوني لخلق صراعات جانبية تستنزف مقدرات المنطقة.
وبالإضافة إلى ما سبق، يكشف السلوك الدعائي لمروجي هذه السردية عن تناقض أخلاقي وقيمي يفضح خلفياتهم الحقيقية، فهم في الوقت الذي يدَّعون فيه تَساويَ الخطرين، يُظهِرون شماتة علنية عند استهداف القادة الإيرانيين أو تعرض إيران لضربات عسكرية، بل وينخرطون في حملات إرجاف منظمة تهدف إلى تضخيم القوة الأمريكية والإسرائيلية وتصويرها كقدر لا يرد، مقابل التقليل الممنهج من قدرات إيران ومحور الجهاد والمقاومة. هذا الانبطاح الترويجي أمام القوة الصهيو-أمريكية يثبت أن هؤلاء لا يرون في "إسرائيل" عدواً وجودياً للأمة كما يدَّعون، بل يرونها القوة المتفوقة التي يتمنون أن تقضي على خصمهم الإقليمي (إيران)، ما يُحول حديثَهم عن المساواة في المعاداة إلى مجرد غطاء دعائي سخيف ومفضوح لموقف سياسي منحاز كلياً للمشروع الغربي الذي يستهدف الأمة والمنطقة.
ويأتي الانتشار الكثيف للقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة ليقطع الشك باليقين حول طبيعة هذا الاصطفاف؛ فهذه القواعد تمثل منظومة قيادة وسيطرة موحدة تضع أمن الكيان الإسرائيلي كأولوية قصوى بالنسبة لواشطن، وبشكل لازم بالنسبة للدول المستضيفة، سواء أرادت أو لا، ولا نحسبها إلا مريدة وداعمة.
إن القبول باستضافة هذه القواعد التي توفر الحماية المباشرة للكيان الصهيوني وتُستخدم كمنصات انطلاق لمنع أي ردع حقيقي ضده، يمثل تماهياً كاملاً مع المشروع الإسرائيلي، بل واشتراكاً في حمايته. وبناءً عليه.. يصبح العداء لهذه الدول تجاه إيران ليس نابعاً من مخاوف سيادية حقيقية، بل هو واجب تمليه التبعية لخدمة هذا المشروع، إذ لا يمكن لمن يفتح أراضيه ومجاله الجوي لتأمين التفوق الإسرائيلي أن يدَّعي الوقوفَ على مسافة واحدة من خطرين، بل هو في الواقع يحارب الطرف الذي يشكل التهديد الحقيقي الوحيد للهيمنة الصهيو-أمريكية التي يحتمي بها.
في موضوع متصل، يحاول أصحاب تلك الدعاية أن يفصلوا بين فلسطين وقضيتها العادلة وبين الموقف منها، مدعين أن الوقوف إلى جانب أهلها لا يمكن أن يكون دليلا على الموقف الحق. إن فلسطين هي الاختبار الحقيقي لضمير الأمة، والفرز الحقيقي بين الصدق والنفاق؛ فهي قضية إيمان وعمل لا تستقيم بحب القلب وحده بينما الأيدي مغلولة أو متواطئة، ومن يقف اليوم مع فلسطين بقوله الصريح وفعله المكلف، إنما يشهد لنفسه بالإخلاص في زمن صار فيه الانحياز للحق مَغرمًا لا مغنما، وضريبة يدفعها الشرفاء من دمائهم ومقدراتهم، أما محاولات تقزيم الصراع، أو المساواة بين العدو التاريخي وبين أطراف إقليمية أخرى تحت عباءة تعدد المشاريع، فما هي إلا أقنعة زائفة تُستخدم لستر عورة التخاذل وتبرير العمالة للمشروع الصهيو-أمريكي؛ فالحقيقة التي لا تحجبها الغرابيل هي أن من يسهل لـ"إسرائيل" بقاءها، ويحتمي بقواعد حاميها، لا يمكنه أن يدعي الغيرة على أمة هو أول من طعن في خاصرتها الفلسطينية.
أخيراً، يُظهر الواقع الميداني أن واشنطن تستخدم الفزاعة الإيرانية كأداة لابتزاز حلفائها العرب وضمان تبعيتهم وطلبهم المستمر للحماية، وفي الوقت نفسه تفرض "إسرائيلَ" كواقع مهيمن لا يجوز المساس به. إن مساواة إيران بـ"إسرائيل" في استهداف الأمة تُعَدُّ خدمة استراتيجية للمشروع الصهيوني، لأنها تمنحه صك براءة غير مباشر عبر تقديمه كحليف محتمل أو شر لا بد منه لمواجهة خطر آخر ليس موجودا إلا في مخيلة الموالين للصهيونية، وما هو إلا تمهيد لتصفية القضية الفلسطينية تحت ذريعة مواجهة التهديدات الإقليمية المشتركة برعاية أمريكية، ضمن مشروع لن يُكتب له النجاح في المنطقة بإذن الله.