بارك السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في بيان له، اليوم الثلاثاء، للشعب اليمني ومجاهديه في الجبهات وأمتنا الإسلامية كافة بمناسبة العام الهجري الجد
ولفت السيد القائد إلى أنَّ بداية العام هي محطة مهمة في الانطلاقة العملية المحسوبة بحساب المسؤولية، والمدروسة في إطار الأولويات الموزونة بميزان الحكمة، وهي تلفت نظرنا جميعاً تجاه أهميَّة الوقت، وقيمة الزمن، وفرصة العُمُر، التي ينبغي استثمارها بشكلٍ صحيح، يليق بالإنسان المسلم ومهامه العظيمة، ومسؤولياته المقدَّسة.
وأوضح أن تاريخ المسلمين ارتبط بالهجرة النبوية؛ لتكون مدرسة ملهمة لهم، تحطِّم كل أسوار اليأس والإحباط، وتعزز الثقة بالله تعالى، وتربطهم بالنموذج الأكمل، القدوة الهادي: رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله، وبالقرآن الكريم، والإسلام العظيم، وكلمة الله العليا التي تَعْلُو الأمة إن هي تمسَّكت بها. لافتا إلى أن هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله إلى المدينة، ومن هاجر معه من المسلمين، أسَّست لمرحلة جديدة، وصنعت تحولات تاريخية كبرى، بقيام الأمة المسلمة، وانتشار نور الإسلام، واضمحلال ظلام الجاهلية، وانهيار كيان الطاغوت.
وأوضح السيد القائد أن التاريخ ما قبل الهجرة وما بعد الهجرة قدّم درساً عظيماً في غاية الأهمية، عن نموذجين من المجتمعات، الأول مجتمع مكة، الذي فشل فشلاً كبيراً، وخسر خسارة عظيمة؛ حينما لم يحظَ بالشرف العظيم في حمل راية الإسلام، واحتضان رسالة الله، وأن يكون الركيزة الاجتماعية التي تتكوَّن فيها الأمة المسلمة المجاهدة، التي يحقق الله على أيديها المتغيِّرات العظيمة في الخلاص من رجس الجاهلية وظلامها، وإعلاء راية الإسلام وسيادته ونوره.
وبيّن السيد أن العائق الخطير لمجتمع مكة، هو الارتباط الشديد بزمرة الكفر، وطغاة الجاهلية، الأشرار من الملأ المستكبر، الذي يرى في الجاهلية بكفرها، وشرها، وفسادها، وظلامها، ضماناً لاستمرار سيطرته واستغلاله للناس، ويرى في نور الإسلام وعدالته، إنقاذاً للمجتمع من الاستعباد، وخلاصاً له من الاستغلال الباطل، وإنقاذاً من الظلم، فاعتبر الإسلام خطراً على مصالحه الدنيئة، واتَّجه لمحاربته.
ولفت إلى أن آفة مجتمع مكة التي دفعته للارتباط بأولئك الأشرار، واعتماد المعايير الباطلة الظلامية لتعظيمهم، والاتِّباع لهم، هي النظرة المادية التي ترى في الإمكانات المادية، والنفوذ السلطوي، الأساس الذي يُبْنَى عليه الاتِّباع، وليس الهدى، ولا الحق، ولا الأخلاق العظيمة الكريمة، التي يسمو بها الإنسان، ويتحقق له بها الكمال الإنساني. موضحا أن نتيجة ذلك فقد بَلَغ بهم الحال، أن رشَّحوا لمقام الرسالة شخصيات من حثالة الإجرام والطاغوت، كما أخبر الله عنهم في القرآن الكريم: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}[الزخرف:31]، وكان موقفهم من الرسالة الإلهية مرتبطاً بتوجهاتهم وأطماعهم المادية، كما أخبر الله عنهم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا}[الإسراء:90-91]، {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا}[الفرقان:7-8].
وأكد أن مجتمع مكة هو المجتمع الذي حمل راية الجاهلية، وحارب الإسلام، وعادى الرسول صلى الله عليه وعلى آله أكثر من أيِّ مجتمعٍ آخر من العرب، وجعلوا من مكة المكرَّمة بؤرة للكفر، ومنطلقاً لتحشيد المقاتلين ضد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ومن معه من المسلمين، في كل مراحل الصراع التي تحركوا فيها بأنفسهم وأموالهم ونفوذهم ضد الإسلام، وعقدوا التحالفات مع اليهود ومع غيرهم؛ بهدف تسخير كل الجهود والإمكانات، وحَشْد كل القوى لمحاربة الإسلام، والسعي لاستئصال المسلمين.
وأضف: "وفي السنة الثامنة للهجرة، تحقق الوعد الإلهي بالفتح المبين، والنصر الحاسم للإسلام، وانهار كيان الطاغوت في مكة، وسقطت راية الشرك والجاهلية، واستسلم ذلك المجتمع، وَوُسِمُوا بـــ (الطلقاء)".
وأوضح السيد القائد أن النموذج الآخر من نماذج ما بعد الهجرة النبوية هو مجتمع الأنصار، من الأوس والخزرج اليمانيين، القاطنين في يثرب، والذي تميَّز بالقيم والأخلاق الراقية، والعطاء، والشجاعة، والذي تأهل لأن يكون هو الحاضن للإسلام والرسول.
وبيّن السيد القائد أن مجتمع الأنصار كانوا مجتمعاً متحرراً من التَّوجه المادّي، ومجتمعاً معطاءً، وصبوراً، ومحسناً، وقابلاً للبناء الإيماني، {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}، ومجتمعاً معروفاً بالإيثار حتى في الظروف الصعبة، ومتحرراً من الأنانية، والأطماع المادّية؛ فنالوا الشرف العظيم بالاحتضان للرسالة، والنصرة للرسول صلى الله عليه وعلى آله، وسمَّاهم الله بـ (الأنصار)، تسميةً من الله، وهذا شرف عظيم.
ولفت إلى أن مجتمع الأنصار هو المجتمع الذي آوى الرسول والمهاجرين، وتكوَّنت في ساحته أمة الإسلام، ودولة الإسلام، وتجاوزوا المراحل الصعبة بالصبر، والتضحية، والإيثار، والثقة بالله تعالى، بقيادة رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله، حتى أنجز الله وعده بالفتح المبين، والتمكين للإسلام، وزوال الجاهلية، وسيادة الدين الإلهي الحق. مؤكدا أن النتيجة لمجتمع الأنصار كانت هي الفلاح فنالوا خير الدنيا والآخرة المرتبط بالاستقامة على ذلك، وتَبْقَى تلك المؤهلات- التي هيَّأتهم للشرف العظيم الذي يتحقق به الفلاح- أساسيةً في كلِّ زمان، ولكلِّ جيل.
وأوضح أن شعبنا اليمني المسلم العزيز، يمن الإيمان والحكمة، كما في الحديث النبوي الشريف، لجديرٌ بالاستمرار في ترسيخ تلك المبادئ والقيم، والتحلي بتلك المؤهلات، ومواصلة حمل راية الإسلام، ومواجهة جاهلية العصر الظلامية المستكبرة، التي تحمل رايتها أمريكا وإسرائيل، ويتحرَّك بها اليهود والصهيونية العالمية، التي افتضحت بجرائمها في فلسطين، وعدوانها على أمَّتنا الإسلامية في لبنان وإيران واليمن وغيرها، وانتشرت أخبار قبائحها الفظيعة في وثائق اليهودي [جيفري إبستين]... وغيرها. مضيفا أن الواقع أثبت مصاديق ما كشفه الله في القرآن الكريم عن سوئهم، وشرِّهم، وإجرامهم، وطغيانهم، وحتميَّة الصراع معهم، وعن عدوانيتهم وحقدهم على المسلمين، وخطورتهم على المجتمعات البشرية، وفي نفس الوقت المسؤولية المقدَّسة للمسلمين في التصدي لشرِّهم، وظلمهم، ودرء فسادهم.
وجدد السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي أن واجب المسلمين التأسي والاقتداء برسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله، واستلهام الدروس من نهضته المباركة الكبرى، وكيف واجه كل قوى الطاغوت بكل إمكاناتها، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب:21]، وكيف كانت نتيجة ذلك التَّحرك للرسول والمسلمين من: عزة، ونصر، وتمكين.