موقع أنصار الله . تقرير | علي الدرواني
لقد خاضت السعودية مغامرة حربها العدوانية والظالمة ضد اليمن متوهمة أن الترسانة العسكرية والدعم الغربي والإنفاق الهائل كفيلة بحسم المعركة سريعا، وتحقيق الأهداف في أمدٍ قصير، متجاهلة طاقات الشعب اليمني الذي أثبت التاريخ أن إرادته لا تنكسر، والأدهى من ذلك أن الرياض التي تعاني من فشل اثني عشر عاما أمام يمن الواثقين بالله المتوكلين عليه، لم تأخذ العبرة من الدروس المريرة طوال أكثر من عقد، ولا من الصفعات المدوية التي تلقتها القوى العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة في مسرح عمليات البحر الأحمر.
في التحولات الكبرى لتاريخ الحروب يكون من النادر أن تعترف القوى العظمى المهيمنة بأنها تتلقى دروساً ميدانية من أطراف تقاتلها بإمكانيات أقل ما يقال عنها إنها غير متكافئة ظاهرياً، لكن ما جرى في مسرح عمليات البحر الأحمر ومضيق باب المندب خلال الإسناد اليمني لغزة، في عملية الفتح الموعود والجهاد المقدس، كسر هذه القاعدة.
حينها أقر قادة عسكريون أمريكيون وباحثون في استراتيجيات الدفاع في الولايات المتحدة بصراحة لا تقبل التأويل أن البنتاغون بات يدرس بعمق ويستفيد حرفياً من خبرات وتكتيكات المواجهة مع القوات المسلحة اليمنية، هذا الإقرار الذي تعدّى مجرد التوصيف العابر ليصبح اعترافا ضمنيا بوجود تحول جوهري في فلسفة الحروب المعاصرة، حيث تمكنت القوات اليمنية من دمج روح المرونة الميدانية مع أقصى استفادة ممكنة من التكنولوجيا المتاحة الحديثة المتاحة، بقدر الإمكان.
لم يكن خافياً على المتابعين للشأن العسكري حجم الصدمة التي تلقتها الترسانة البحرية الأمريكية والغربية أمام العمليات العسكرية والتكتيكات اليمنية، فعلى مدى عقود بنيت العقيدة العسكرية القتالية الغربية على أساس تفوق التكنولوجيا المعقدة والمنظومات الدفاعية باهظة التكلفة، (مثل المقاتلات الشبحية، والمدمرات المجهزة برادارات عملاقة، وصواريخ الاعتراض باهظة الثمن) وتفترض هذه الفلسفة أن التفوق النوعي المطلق والقدرة على الضرب من مسافات بعيدة وآمنة يكفلان السيطرة التامة وتجنب الاستنزاف البشري والمادي المباشر، وبالتالي النصر الحاسم.
إلا أن التجربة في البحر الأحمر أثبتت للخبراء الأمريكيين أن ما يحدث في اليمن يمثل مختبراً فريداً من نوعه، فقد صرح مسؤولون وعسكريون أمريكيون حينها، ولاحقا أيضا، بأن الجيش الأمريكي يراجع مناهجه التدريبية وعقيدته الدفاعية بسبب ما وصفوه بالتباين في التكلفة وعدم التوافق العملياتي، إذ تجد حاملات الطائرات والمدمرات المجهزة بمليارات الدولارات نفسها أمام معادلة قتالية معقدة تم إدارتها بأدوات منخفضة التكلفة وعالية الفعالية، مما دفع المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى إعادة التفكير في هندسة طريقة تفكيرها في مجالات الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي وتأمين الخطوط الملاحية.
إن ما أثار إكبار المحللين العسكريين المنصفين للقدرات اليمنية إلى جانب حجم التأثير الفاعل هو المنهجية الابتكارية في إدارة الموارد، فعندما تجد قوة تواجه حصاراً طويلاً وإمكانيات تكنولوجية محدودة قياساً بالترسانات العالمية، فإنها لم تركن إلى العجز، وبحثت بدلا عن ذلك إلى ابتداع التوظيف الذكي للتكنولوجيا المتاحة، وإعادة تطوير التقنيات الموجودة ودمجها بطرق لم تكن في الحسبان، لخدمة أهداف استراتيجية لا تقل دقة عن المنظومات الكلاسيكية، حولت الصاروخ من مجرد صاروخ ينطلق نحو هدف أرضي ثابت، إلى صاروخ باليستي يمتلك القدرة على التتبع الذاتي والاشتباك مع أهداف بحرية متحركة في عرض البحر وبسرعات فائقة، من جهة، ومن جهة أخرى عملت على دمج منظومات توجيه كهروبصرية وأنظمة استشعار متاحة ومطوّرة محلياً، وهنا خلقت سلاحاً هجومياً بحرياً دقيقاً للغاية بتكلفة بسيطة جداً مقارنة بالمنظومات البحرية الكلاسيكية، وجعلت مدمرات بحرية كبرى تكافح للتعامل مع صاروخ يجمع بين السرعة الباليستية والتوجيه المباشر على الهدف المتحرك.
وقد حدث كل ذلك في ضل سيطرة جوية واستخباراتية معادية، مما عكس عقيدة قتالية صلبة لا تنكسر بضربات البنى التحتية، وأظهرت القوات المسلحة اليمنية قدرة عالية على المناورة وإدارة المعركة في ظل تلك السيطرة، كما ابتكرت مسارات الاشتباك، وفرضت قواعد جديدة بالكامل، وجعلت الساحات البحرية المفتوحة مجالاً ضيقاً أمام أساطيل تُعتبر الأقوى في العالم.
بالعوة لتلك التصريحات والاعترافات الأمريكية فقد حملت دلالات عميقة تتجاوز حدود الأزمة تلك لتصل إلى مستقبل الأمن العالمي والحروب الحديثة، بإسقاط خرافة الحصانة التكنولوجية، حيث أثبتت التكتيكات اليمنية أن التفوق المادي والتقني المطلق ليس كافياً وحده لحسم الصراعات أو توفير الحصانة التامة، وأن الإرادة والذكاء التكتيكي قادران على صناعة توازن ردع نوعي.
ومن جهة ليست بعيدة، فإن المعضلة الكبرى التي اعترف بها البنتاغون تتمثل في الكلفة الهائلة لصواريخ الاعتراض الأمريكية في مقابل الكلفة الزهيدة للوسائل الهجومية المستخدمة يمنياً وهي معادلة رياضية واقتصادية تهدد باستنزاف أي قوة عظمى على المدى الطويل وهو الأمر الذي ساهم إلى حد بعيد في تغيير موازين القوى في البحار المغلقة ويكرس حقائق جديدة في الميدان تؤكد أن حماية التجارة الدولية لا يمكن أن تتم عبر فرض الهيمنة الأحادية، بل عبر احترام سيادة الدول ومراعاة التوازنات الإقليمية الجديدة.
حين أقر البنتاغون بأنه يتعلم ويعدل عقيدته الدفاعية البحرية، أرسل رسالة غير مباشرة للرياض بأنه: إذا كنّا نحن الأقوى عالمياً نعيد النظر في تكتيكاتنا ونواجه مأزقاً استراتيجياً، فلن نكون قادرين على تقديم مظلة حماية متكاملة وناجعة لأحد، هذا الواقع يحتم على قيادة مجرمي آل سعود أن تستوعب تلك الحقائق وأن التفوق التسليحي الشكلي لم يعد كافياً، وأن الرهان المطلق على الحماية الأمريكية في البحار والمضايق أصبح رهاناً على مظلة تعيد خياطة نفسها أثناء العاصفة.
لتجد السعودية نفسها اليوم أمام الدرس الأمريكي في موقف من أدرك خطأ حسابه متأخراً فالتصريحات الأمريكية وإن كانت لم تشر إلى خطورة وتطور التكتيكات اليمنية، فإنها قد بررت ضمنيا انكشاف العمق السعودي مسبقا، وأكدت للجميع أن قدرة القوات اليمنية على المواءمة بين المتاح والممكن والتطوير السريع قد فرضت معادلة ردع جديدة لا يمكن تجاوزها في واشنطن فضلا عن الرياض.
هل تتوهم الرياض أنها أكثر قوة وقدرة من واشنطن؟ بل كيف تراهن على تحقيق ما عجزت عنه القوة العظمى الأولى في العالم؟ إذا كان البنتاغون يتعلم من التكتيكات اليمنية، فما الذي تنتظره القيادة السعودية لتستوعب الدرس؟ ألَا تدرك الرياض أن الاستمرار في الحرب هو استنزاف لطاقتها، وركض وراء السراب؟ هل تعتقد السعودية أن شراء المزيد من السلاح سيعوض غياب الرؤية وانهيار العقيدة القتالية؟ ألا تعلم الرياض أن سفك الدماء البريئة يمحق القوة ويجعل تأثير السلاح يساوي صفر؟ ألا تدرك أن الظلم والعدوان هما الباب الأول للهزيمة والانتكاسة؟ كيف للعتاد الضخم أن يحمي معتدياً يواجه شعباً يقاتل بإرادة وإيمان لا ينكسر؟ ألم يئن الأوان لتدرك السعودية أن مظلة الحماية الأمريكية أصبحت خاوية ولا تقي من العواصف؟ إلى متى تستمر هذه المغامرة، وما الذي تجنيه الرياض غير الخيبة والانكشاف الاستراتيجي؟.