موقع أنصار الله . تقرير| يحيى الشامي

تصدّرت جبهة كهبوب واجهة المشهد الحربي في اليمن، على قمم إحدى مرتفعاتها الشاهقة يصفُ بطلٌ من مجاهدي القوات المسلحة اليمنية المعركة فيها بأم المعارك – هي فعلاً كذلك بشهادة مشاهد وصور الاعلام الحربي المنشورة اليوم –  مواقف بطولية أسطورية حيث يواجه أبطال القوات المسلحة المسنودين بقوات التعبئة أرتال الزاحفين بآلياتهم المتنوعة المسنودة بأسراب الطائرات السعودية التي تشن منذ بدء التصعيد مئات الغارات على تلك الجبهة لوحدها، وثق بعضها مصورو الإعلام الحربي.

 على مساحة جغرافية مترامية الأطراف، وتضاريس طبيعية وعرة تأبى إلا أن تكون شاهداً على صلابة المرابطين عليها من أبطال القوات المسلحة اليمنية ورجالها العظماء، نفّذت القوات المسلحة اليمنية المؤمنة عملية عسكرية نوعية لطرد التحشيدات التابعة للعدو السعودي المنطقة وتحرير ما تبقى من سلسلة جبال كهبوب، إحدى أهم المناطق الاستراتيجية الحاكمة لباب المندب. الإعلام الحربي وزّع مشاهد وثّقت جانباً من هذه العملية الموفّقة بقوة الله، فجاءت الصور لتقول ما يعجز عنه الوصف العسكري التقليدي، وتضع المشاهد أمام بطولة هي في أدنى تقديرها فوق الممكن، وفي ذروة الاحترافية.

مساران وإطباق محكم

نفّذت القوات العملية من مسارين رئيسيّين، تفرّعت عنهما مسارات متوزّعة، وسارت وفق مراحل وتكتيكات هجومية إطباقية متعاقبة ومتزامنة، ما أحدث ارتباكاً كبيراً في صفوف العدو، وأشعل انهيارات متسارعة تتابعت كتتابع السقوط الحرّ.

وفي بداية العملية، باغتت قواتنا العدو وتسلقت الجبال الشاهقة  إلى متارسه، والتحمت معه من مسافة صفر، وقتلت وأسرت من كان فيها، وبعد أن سيطرت "بعون الله" على عدد من أهم المواقع وأشدّها تحصيناً، وهي مواقع حاكمة مطلة على بقية مواقع العدو، انقلبت هذه المواقع إلى منصات استهداف، فصارت قوات العدو الهاربة صيداً، ومدرعاته الفارة لقمة سائغة، وآلياته المنسحبة فريسة، وفلوله المنهارة ميداناً للتمشيط.

أربعة ألوية وقيادة سعودية

المواقع التي طُهّرت كانت تتمركز فيها أربعة ألوية من ما يسمى "العمالقة"، حشدها العدو السعودي بقيادة الضابط السعودي بدر الحربي، إلى جانب عدد من تشكيلات ما يسمى "ألوية درع الوطن" التابعة هي الأخرى للعدو السعودي، وبعد انقشاع دخان المعركة وانحسار غبار الفلول الهاربة، وقف المشهد على عشرات المدرعات والآليات، منها ما دُمّر، ومنها ما أُعطب، ومنها ما اغتُنم، ومثلها وأضعافها ما مُني به الضباط والأفراد من مصائر: قتلى صُرّعوا، وجرحى تُركوا، وأسرى أُنقذوا.

المفارقة الكبرى: من أنقذهم الأسر

وهنا يبلغ عجب المشاهد مبلغه من قولنا إن أسيراً من تحشيدات العدو السعودي قد أنقذ؛ إذ كان مصير أسوأ بكثير ينتظره لو كان في عداد الفارين. فقد سارع العدو السعودي بشنّ غارات جوية ساخطة على تحشيداته أثناء انسحابها، موقعاً طيرانه فيهم قتلى لا يعدّونهم، وجرحى لا يعالجونهم، حقيقة وثّقتها كاميرا إعلامنا في الميدان بألم، ويكتمها إعلامهم بلا أدنى اكتراث. وتفرّقت الخسائر الفادحة التي تكبدتها تلك التحشيدات في السهول والوديان، وتوزّعت على طول طريق الفرار، فكان النكال أوسع مما استطاعت كاميرا الإعلام الحربي رصده واستقصاءه، والوبال أكثر مما يمكنها بثه ونشره وتوزيعه.

وفي معرض إثباته أن الحادث ليس خطأ جوي ولا هو اشتباه في لحظة اشتباك بقدر ما هو عقاب يقرره العدو السعودي ويكرره في غير جبهة ومعركة، يفرج الإعلام الحربي عن مشهد حصري آخر من معارك الساحل الغربي وقعت أحداثه قبل أكثر من شهر في خضم معارك طرد التحشيدات التابعة للعدو السعودي، يُجهز طيران العدو السعودي على حشوده إثر انكسارها، ويعاود الهجوم عليها آلية تلو أخرى، قتلاً للمتراجعين من جموع تحشيداته، في لحظة استياء وازدراء تتجاوز العتب بالقول الى الغضب بالنار.

دم يمني سفكه عدو اليمنيين جميعاً

معلوم بل ومشهور أن السعودي يشتري المرتزقة فيستخدمهم في الهدنة أو يقاتل بهم في الحرب، لكن السؤال الذي صار جوابه مثبتاً بالصورة والدم والنار: هل صحّ ما يقال بأن السعودي يقتل مرتزقته؟ عند جهينة "الإعلام الحربي" الخبر اليقين، فقد تجاوز الخبر هذه المرة حدّ التواتر ليغدو حقيقة، وقرّر الإعلام الحربي نشر بعضه لإثبات أصل وجوده بفعل حربي لا بأثر رجعي. دم يمني سفكه عدو اليمنيين وقاتلهم جميعاً، جملة مفيدة فيها عبرة قديمة جديدة.

المشاهد هنا في جبهة كهبوب مجزرة مهولة، مشاهدها صادمة، وخلفها راوية أشدّ قسوة وصدمة؛ فالضحايا يمنيون قتلهم من الجو سعوديون، دفعهم أولاً للزحف على أبناء جلدتهم، ثم جاءهم غدراً من الجو فسلخ جلودهم. فعل ليس بجديد، لكن الجديد أن الرواية اليوم مثبتة بالصورة وبالدم والنار، وتشبه مجزرة كهبوب بحق أبناء الجنوب مجازر السعودية نهاية العام الماضي أثناء ملاحقتها الانتقالي: القاتل ذاته، والضحية نفسها.

ليس خطأً جوياً

قد يقال إن الطيران أشكل عليه الأمر والتبس الوضع في الميدان، لكن عناصر عدة تنفي هذه الفرضية؛ إذ لا يمتلك مجاهدو القوات المسلحة آليات من هذا النوع، كما أن جميع آليات ما يسمى "العمالقة" موسومة بعلامة خاصة تميّزها من الجو، ولو كان خطأً لما تكررت الغارات حتى سحقت رتلاً بأكمله بعتاد وعُدّة. وفي معرض إثباته أن الحادث ليس خطأً جوياً ولا اشتباهاً في لحظة اشتباك، بقدر ما هو عقاب يقرّره العدو السعودي ويكرّره في غير جبهة ومعركة، أفرج الإعلام الحربي عن مشهد ثانٍ في جبهة أخرى من المعركة الجارية بين اليمني والسعودي، حيث يجهز طيران العدو السعودي على حشده إثر انكسارها في لحظة استياء وازدراء تتجاوز العتب بالقول إلى الغضب بالنار.

قراءة في العلمية ونتائجها:

"قتل السعودي مرتزقته" ليست المجزرة هنا استثناءً، بقدر ما هي مرويّة تاريخية تتكرر باستمرار، أو عاقبة مأساوية تمثل الفصل الأخير من سيرة المحتل والعميل، وفي أبعادها الاستراتيجية، تكتسب سلسلة جبال كهبوب أهمية كبيرة؛ فهي ذات تضاريس وعرة ومشرفة على باب المندب ومناطق واسعة من مديريتي ذباب والمضاربة الساحليتين، وتعتبر قوات العدو في تلك المناطق مكشوفة أمامها. ومن هنا، فإن السيطرة على هذه المواقع الحاكمة تعيد ترتيب قواعد الاشتباك في الميدان، وتضع التحشيدات السعودية في موضع المكشوف الذي لا ستر له.

علّ صور القتلى تروّع أهاليهم، فتبعث في معسكر المخدوعين أسئلة الجدوى وتساؤلات الاستمرار. صحيح أنهم لا يملكون قرار الزحف ولا التراجع، ولا يسمح لهم السعودي حتى بالإقرار بالهزيمة، لكن لديهم على الأقل القدرة على مراجعة الموقف، بعد أن أوغل السعودي في توريطهم بمصيبته، وإغراقهم في مستنقعه.