في زمنِ الضياعِ والشتاتِ والهزائمِ المتلاحقةِ للأُمَّـة، وفيما كانت يمنُ الإيمانِ والحكمةِ تئنُّ تحتَ ضغوطِ المؤامراتِ الخارجية، وثُلّةٌ من الأبناء العصاةِ يبيعونَ الدينَ والشعبَ والأرض إرضاءً للخارج، جاءَ من أواسطِ صعدةَ رجلٌ وقائدٌ يمانيٌّ مؤمنٌ، شجاعٌ وحكيمٌ، يسعى.

قال: يا قومِ، اتّبعوا طريقَ الجهادِ المقدَّس، وتسلّحوا بالوعيِ والبصيرة، واتّقوا الفتنةَ، ولا تنجرّوا وراءَ الضلال؛ فإنَّ الوطنَ أمانة في الأعناق، وإنَّ الدمَ اليمنيَّ واحد، فلا تفرّقوهُ بالخصام، ولا تبيعوهُ بثمنِ السُّلطةِ والرغبات.

قال: يا قومِ، إنَّ الحربَ أولى أن تكونَ صوبَ عدوِّ الله وعدوِّكم، الذي يتربّصُ بكم جميعًا؛ فالمعركةُ بينكم لا تلدُ إلا وجعًا، ولا تُورِثُ إلا يُتمًا وحسرة.

فارجعوا إلى صوتِ الحكمة، وأحيوا في القلوبِ معنى الأخوّة، قبل أن يشتدَّ عودُ الأعداء، وتنكسرَ شوكتُكم، وتضيعَ الأرض ومن عليها.

قال: يا قومي، إنَّ طريقَ اللهِ واضحةٌ لا التباسَ فيها؛ طريقُ حقٍّ وعدلٍ ورحمة، لا تُبنى على الظلم، ولا تقومُ على الفُرقة، بل تُقامُ على وحدةِ الصفِّ، وصدقِ النيّة، وصلاحِ العمل.

 

من سلكها اهتدى، ومن حادَ عنها تاه.

فاجعلوا أعمالَكم ميزانَها التقوى، وخطاكم فيها إصلاحا وجمعًا للكلمة، لا شقاقًا وتمزيقًا.

قال: يا قومي، ها هو القرآن بين أيديكم، نورُ هدايةٍ لا يخبو، وميزانُ حقٍّ لا يختلّ؛ فاجعلوهُ حكمًا بينكم، ومرجعًا لوحدتكم، ولا تتّخذوهُ شعاراتٍ تُرفع، بل منهجًا يُعملُ به ويُحتكمُ إليه.

قال: يا قومي، الهُويةُ الإيمانيّةُ عهدٌ ومسؤوليّة، تُوحِّدُ القلوبَ ولا تُفرِّقها، وتجمعُ الصفَّ ولا تشتّتُه؛ فاحفظوها بالقُدوة والسلوك، وبصدقِ الانتماء لهذا الوطنِ وهذه الأُمَّــة الجريحة.

قال: يا قومي، الأمريكيُّ والإسرائيليُّ عدوٌّ يتربّصُ بالجميع، لا يفرّقُ بينكم إذَا اختلفتم، بل يستقوي بفرقتكم، ويطمعُ في ضعفكم؛ فلا تمنحوهُ ما يريد، واجعلوا وعيكم سلاحًا، ووحدتكم حصنًا، وبصيرتكم طريقَ نجاة.

قال: يا قومي، ها هي فلسطينُ وغزّة، جرحٌ مفتوحٌ في جسدِ الأُمَّــة، وصوتُ مظلوميّةٍ يعلو فلا يجدُ منكم إلا الصمتَ والفرقة؛ فكيف تختلفون وبين أيديكم قضيّةٌ تجمعُكم، وواجبٌ يوحّدُ صفَّكم؟

قال: يا قومي، إنَّ غزّةَ تُحاصَرُ بالنارِ والجوع، وأهلُها يثبتونَ على الأرض وهم قلّة؛ فكونوا لهم عونًا بالموقفِ الصادق، وبالكلمةِ الحرّة، وبوحدةِ الصفِّ التي تُرهبُ عدوَّكم قبل سلاحكم.

قال: يا قومي، لا تُضعفوا قضاياكم بالصراعِ بينكم، ولا تُشغلوا أنفسكم بمعاركَ تستنزفُكم، بينما عدوُّكم يوسّعُ جراحَ الأُمَّــة من فلسطينَ إلى سائرِ الأوطان.

قال: يا قومي، إنَّ التاريخَ شاهدٌ على من صدقوا فثبتوا، وعلى من تفرّقوا فضعفوا؛ وعلى أمم حفظت وحدتَها فبقيت، وأُخرى تنازعت فذهب ريحُها وتفرّق أمرُها.

قال: يا قومي، إنَّ صفحاته لا تُجاملُ أحدًا؛ ترفعُ من وحّد الصفَّ وصان الأرض، وتَخذلُ من باع القضايا وأشعل الفتن.

فاختاروا لأنفسكم سطرًا يُكتبُ لكم لا عليكم، وموقفًا يذكره الأبناء بفخرٍ لا بحسرة.

فما يزال يسعى بينهم بالكلمة، يوقظُ ضميرًا، ويجمعُ شتاتًا، ويرجو لوطنِه وأمته فجرًا يبدّدُ ليلَ الانقسام، ويصنعُ النصرَ والخلاص.