يستمر حديث السيد القائد/ عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله- عن عظمة التدابير الإلهية التي اخترقت الإجراءات الاحترازية الفرعونية، وكيف أصبح موسى -عليه السلام- في حماية ورعاية آل فرعون، وهم الذين ذبحوا مئات أَو آلاف أطفال بني إسرائيل منعًا لمجيء الطفل الموعود.
وحين جاء ذلك الطفل -موسى عليه السلام- توقف العمل بالإجراءات الاحترازية في قصر فرعون بالذات، معقل السلطة والهيمنة الفرعونية، وسقطت جميع المحاذير، بل تحولت إلى النقيض تمامًا؛ ليحيا موسى في قصر فرعون منعمًا، محاطًا بالأمان وكل أشكال الرعاية والرفاهية، له ولأمه التي أصبحت مرضعته والقائمة على رعايته وتربيته.
وقد شملتها الرعاية الإلهية «في واقعها النفسي، وواقعها الأسري، وواقعها الإيماني»؛ ليعود إلى أحضانها، وتقر عينها، وتجتمع به مرة أُخرى في أجواء مفعمة بالأمان والسعادة، على نفقة وكفالة فرعون نفسه، وفوق ذلك أن آل فرعون ممتنون لها كَثيرًا، كونها الوحيدة التي قبل الطفل الرضاعة منها، واتخذوه ولدًا، وهم لا يشعرون أَو يتصورون أن ذلك الطفل هو من سيكون على يديه هلاكهم وزوال ملكهم إلى الأبد.
﴿فردّدناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾؛ يحذر السيد القائد -يحفظه الله- في المحاضرة الرمضانية الثامنة من خطورة جهل أكثر الناس بوعود الله تعالى، وانعدام اليقين لديهم بحتميتها وصدقها، وذلك؛ بسَببِ عدم معرفتهم الحقيقية بالله تعالى، وعدم ثقتهم في أسمائه وصفاته وسننه الكونية.
لذلك فهم يبنون علاقتَهم بالله تعالى على الارتباط الشكلي والعبادات الطقوسية، وهو ما أثر سلبًا على واقع حياة أكثر الناس، وانعكس في طريقة تعاطيهم مع الأحداث والمتغيرات من حولهم، وهو ما جعلهم يخضعون للطغاة المستبدين المستكبرين؛ لأنهم لم يثقوا بأن الله تعالى هو القوي القهار العظيم، ولم يعلموا أن وعد الله حق.
لذلك أصبح أكثر الناس -كما يقول السيد القائد- وهم من المستضعفين، على قسمين، وفق التصنيف القرآني:
من المستضعفين من أصبحوا في حالة ولاء وارتباط تام، وذوبان بولائهم للطغاة والجبابرة، وخضعوا لهم، وأصبحوا في حالة استعباد تام مع ولاء ورضى بذلك.
وهذا يشمل الكثير ممن تجندوا في خدمة الطاغوت والباطل؛ تراه في واقعه مستضعفًا، ولكنه جنّد نفسه لخدمة الطاغوت والباطل بولاء ورضى، وانطلق برغبة تامة، وأصبح مستعبدًا لهم، وذاب في ذلك.
ومنهم من يختلف حاله عن ذلك، لكنه في حالة يأس تام، واستسلام كامل، وخضوع بالكامل، ولو لم يكن بولاء.
وليس لديه أمل في إمْكَانية أن يتغير الوضع والواقع، أَو أن يخرج من تلك الحالة التي هو فيها.
فيرى في استسلامه أنه الحل، ويرى في خضوعه الكامل أنه الحكمة، ويرى في أي تحَرّك خارج نطاق ذلك أنه تصرف خاطئ، لا يمكن أن يوصل إلى نتيجة، ولا أن يكون له ثمرة، وإنما له مردود سلبي في تبعاته وما يترتب عليه من أضرار كبيرة.
فالحال مختلف، ولكن الطريق الصحيح هو: الوعي بسبيل الخلاص، بالاتّجاه إلى الله سبحانه وتعالى.
وإذا ما تحقّق الالتجَاء إلى الله سبحانه وتعالى على الوجه المطلوب، فإن الله سبحانه وتعالى يهيئ لعباده المستضعفين الواعين سبيل الخلاص والنجاة والفلاح والتمكين؛ لأنهم أيقنوا بحقيقة «أن وعد الله حق»، وعرفوا الله تعالى المعرفة الحقيقية.
بخلاف المستضعفين الواعين بخطورة وضعهم، لكنهم لم يعملوا شيئًا لتغييره، بل مضوا في تثبيته وتكريس سلطة الطغاة عليهم، وأعلنوا الولاء والخضوع لهم، وهو ما نعيش وقائعه وشواهده الجلية في واقعنا اليوم.
فأكثر الناس لم يعالجوا جهلهم بحقيقة «أن وعد الله حق» بالعودة إلى الله سبحانه وتعالى وترسيخ إيمانهم المطلق به، بل سارعوا إلى إعلان ولائهم للعدو اليهودي الصهيوني الإسرائيلي والأمريكي، طلبًا للنجاة والسلامة والحظوة.
رغم أن الله سبحانه وتعالى يؤكّـد لهم أن الأمن الحقيقي متوفر إلى جانبه، وأن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن النجاة من النار هي الغاية الكبرى التي يجب أن يسعوا لها: ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾.
ورغم كُـلّ ذلك، هم يجهلون حقيقة الوعود الإلهية، ولا يتفكرون في أحداث التاريخ ومتغيراته، وكيف يسوق الله سبحانه وتعالى أسباب الخلاص والتمكين لعباده المؤمنين الصادقين الذين تحَرّكوا انطلاقا من علمهم الراسخ «أن وعد الله حق»، ورفضوا واقع الاستلاب والاستسلام للطغاة، وسعوا لتغييره واثقين بالله ومتوكلين عليه، غير مبالين بمن وصفهم بـ«الانتحاريين» أَو «الحمقى» في مواجهة العدوّ الصهيوني الإسرائيلي، الذي بلغ في إجرامه وطغيانه وعلوه واستكباره مستويات أكبر وأفظع وأخطر مما بلغه فرعون في جبروته وطغيانه: ﴿إن فرعون علا في الأرض﴾، بينما بنو إسرائيل فاقوه علوًّا وإجرامًا: ﴿ولتَعْلُنَّ علوًّا كبيرًا﴾.
ولذلك فليس من الحكمة ولا من العقل أن يسارع المنحطون المطبِّعون إلى تولي هذا العدوّ المتعالي في طغيانه وعلوه وفساده؛ لأنه لن يرعى لهم عهدًا ولا ذمة، ولن يحمل لهم جميلًا ولا ودًّا، وعاقبة أمرهم الخُسران والندم لا محالة؛ لأن الوعود الإلهية تؤكّـد حتمية سقوط وزوال هذا العدوّ المستكبر.
ومثلما كان زواله حتميًّا بعد علوه الأول: ﴿وكان وعدًا مفعولًا﴾، كذلك الحال بعد علوه الثاني: ﴿فإذا جاء وعدُ الآخرة ليسوءوا وجوهَكم وليدخلوا المسجدَ كما دخلوه أولَ مرة وليتبروا ما علوًّا تتبيرًا﴾.
وكذلك هو الحال -ثابت لا يتغير- كسنة إلهية ثابتة عند كُـلّ علو واستكبار، يقابله وعد إلهي بالزوال الحتمي المؤكّـد.
وهذه الوعودُ الإلهية القطعية، والحقائق والسنن الكونية الثابتة، تدحض حجّـة أُولئك المسارعين إلى التطبيع مع العدوّ اليهودي الصهيوني الإسرائيلي تحت مبرّر الضعف وعدم القدرة على مواجهته، واليأس من الخَلاص والنجاة من بطشه ونقمته.
خَاصَّة وأن الوعودَ الإلهية القطعية قد نصت عكس َذلك تمامًا، وأثبتت الوقائع والأحداث التاريخية والراهنة صوابية خيار الجهاد والمواجهة، والتحَرّك الجمعي في إطار معرفة الله سبحانه وتعالى؛ لتحقيق الخلاص الموعود، والخروج من دائرة الاستضعاف إلى دائرة التمكين، حسب مقتضيات إرادَة الله سبحانه وتعالى ووعوده القطعية الثابتة.