من مشكاة الهُدى الآتي ليصوغ الحياة على "التي هي أقوم"، يُطلّ البدر كالفجر الساطع، ليمزّق حُجُبَ العَتْمَة والذبول التي رانت على قلوب أُمَّـةٍ طال رُقادُها وغفلتُها؛ فالمتأمِّلُ في الذكر الحكيم، يرى آياتٍ تُتلى، وسورًا تُردَّدُ في محاريب السكون والخشوع، ويرى عمارةً روحيّة، وهندسة كونيّة وضع الباري جلّ وعلا لبناتها بإحكام لا يطاله وَهْمٌ أَو يخالطه شك، تحفه أجنحة الملائكة المقرّبين.

في العشر من ذي الحجّـة يضعنا السيد القائد أمام منهجية القرآن الكريم في صياغة للذات المؤمنة التي تعرف كيف تزن الأشياءَ بميزان الخالق؛ فتمنحُ المعاركَ الكبرى مساحتَها المستحقَّة من الوعي، وتدرك أنّ الصراع مع أهل الكتاب –يهود التاريخ ونصارى الاحتلال– هو خطّ ممتد على صراط التاريخ، يمسّ الأُمَّــة في طهر دينها وجلال دنياها.

يطل البدر ليعلمنا كيف يهوي المرء من علياء اليقين إلى مهاوي الضلال، من بوابة النظرة القاصرة التي تقيس وحيَ الله بمزاج الذات المتقلّب وهواها العابر، والتي لطالما تهاون الناس بخطوات حسبوها بسيطة؛ فإذا بها منزلقاتٌ تودي بهم إلى قاعِ الهوان وبئس المصير.

ويعرض لنا كيف أن كتاب الله في مشهد كليمه موسى عليه السلام، مؤيَّدًا بأخيه هارون، ترافقهما معجزات تهتز لها الجبال؛ عصا تتلقّف الإفك، وبحر ينفلق فينفتح في أحشائه طريقٌ يبَس للأمان، بينما يبتلع الموج الطاغيةَ وجندَه تحت نواظر المستضعفين.

ويا لعجب التاريخ.. ويا لحسرة القلوب..

كيف استطاع "السامري" ببساطةٍ متناهية، وبخُدعة من حُلِيٍّ، عجلٍ جسَدٍ له خُوار، أن يفتنَ تلك الجموعَ التي اغتسلت بنعمة الخَلاص للتوّ؟

الجوابُ يكمن في رؤية قرين القرآن التي أرجعتها لعقم الوجدان، وغياب توطين النفس على الإصغاء والتفهم.

وكذلك البلادة النفسية وتفضيل الراحة أمام سيل الآيات، يجعل النفوسَ عاريةً من التحصين، ومهيأةً للسقوط أمام كُـلّ عاصفة تضليل.

وفي ذروة البناء التربوي، تظهر روعةُ الإعجاز في كلمة واحدة تغيّر مجرى أُمَّـة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا}، ليقول لنا: تأملوا هذا النهيَ الحاسم؛

كانت "راعنا" كلمة تجري على ألسنة العرب بعفوية التماس الإمهال، لكن اليهود، لما أضمرته صدورُهم من خُبث دفين، اتخذوها مطيةً لغمز القناة النبوية الشريفة، وأخفوا فيها معانيَ الرعونة والسفه.

فهنا، لم ينتظر الوحي الإلهي حتى يتحول هذا الحقد النفسي الكامن إلى طعنات خناجر، أَو جحافل حرب، بل تدخَّل ليحظُرَ الكلمة من أصلها، ويأمُرَ بقطع دابرها،

يرى فيها السيد القائد هندسةً إلهية لمقاطعة وجودية تأمُرُك كمسلم أن تغلق الثغرة وهي لا تزال نيةً خفية في صدر العدوّ؛ فأين هذا الموقفُ الاستباقي الصارم من واقع أمتنا اليوم؟

الفجوة بين البصيرة القرآنية وحالة الذهول المعاصِر تدمي القلوب؛ إذ يرى الملايينُ غزة تباد على المباشر، وتتحَرّك آلة القتل الصهيونية لتمزّقَ أشلاءَ لبنان،

معلنةً بصلفٍ صريحٍ عن مشروع (إسرائيل الكبرى)، ومستهدفة حُرمة المقدسات في الأقصى والمسرى وحتى في مكة والمدينة،

بينما يرى الساسة والأكاديميون وكثيرٌ من الدهماء أن الوقت لم يحن بعد لاتِّخاذ الموقف، فأيُّ سبات هذا الذي يجعل الإنسان ينتظر أن يدخُلَ العدوُّ عُقرَ داره ويستبيحَ مقدساته، ليقول: الآن ظهر الحق؟

غير أنّ هدى الله يعلّمنا أنّ العدوَّ لا ينفَذُ إلينا إلا من شقوق تفرُّقنا، وثغرات واقعنا الهش، وَإذَا ابتعدت الأُمَّــة عن حِصن الوعي، صارت كالجسد السقيم الذي أضعفت الذنوبُ فيه المناعةَ، فتفتك به أتفه الجراثيم؛ إذ تكفي إشاعة حقيرة، أَو كذبة سمجة يطلقها بوقٌ منافق، لتشعلَ في الساحة الإسلامية فوضى عارمة وملاسَنات تمزّق الصفوف.

لذلك؛ فإن فقهَ الصراع يوجب تحصينَ الثغور جميعِها؛ بدءًا من المسار العسكري والاقتصادي، وانتهاءً بأدق الإجراءات الأمنية، وإنَّ

وعيَنا الأمني ليس سوءَ ظن بالأخ والصديق الموثوق به كُـلَّ الثقة، وإنما هو إغلاقٌ مشتركٌ للمنافذ؛ فإذا تلحّفنا باليقظة، وضعنا لبنةً في جدار المَنَعة الجماعية ضد التدمير والتخريب والحرب الصُّلبة والناعمة المفسدة.

إذن.. محاضرةُ السيد القائد هي دعوةٌ إلى عودة صادقة إلى مأدبة القرآن، نُربِّي فيها أنفسنا على الجِـدّ والحذر والمبادرة،

لنكونَ بنيانًا مرصوصًا تتحطم عليه أوهام الغزاة، وتضمحل عنده مطامعُ فرق الشر والضلال، مستمدّين من الله عونًا ونصرًا وعزّة لا تنحني للمؤامرات.