من بين ركام الصمت وتخاذل الأُمَّــة، نهض محور المقاومة بقوة واقتدار لمناهضة سياسات البغي والاستكبار؛ ليغدو مدرسةً إنسانيةً وإيمانية في الثبات والصمود، تمتلك القدرة الكاملة على تركيع قوى الشر، ومتمرسة على كسر شوكة الاستكبار العالمي.

وأمام هذا الميزان الاستراتيجي الجديد، ما على قيادات الدول العربية إلا الصمت وتجميد سياسات العمالة والخنوع؛ عليها أن

ترفع يدَها عن التبعية لأمريكا، وتتنحَّى جانبًا؛ فمحور المقاومة قويٌّ، وعصيٌّ، وقادر على خلع أضراس قوى الاستكبار العالمية "من دون تخدير".

وعلى تلك الأنظمة أن تصم آذانها وتغمض أعينها إن كان يزعجُها رؤيةُ رباطة جأش المؤمنين، وعزمهم، وبأسهم في مواجهة قوى الكفر والطغيان.

إن الكثير من حكام الدول العربية والإسلامية يعيشون حالةً من الرعب والهلع من بطش قوى الاستكبار، بينما لا يرى محورُ المقاومة في القوة الأمريكية شيئًا يهاب؛ فالتاريخ يشهد أن أمريكا لم تصنع يومًا نصرًا حقيقيًّا في الميدان بمفردها وبعتاد جيشها.

ومن هُنا تجلَّت عظمةُ التوصيف الذي أطلقه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) حين أكّـد أن: "أمريكا مُجَـرّد قشة"؛ أي ورقة يابسة سقطت من شجرتها، تصدر ضجيجًا وصوتًا خاويًا عندما تذرها الرياح، وتصدر ذات الضجيج عندما تدوسها الأقدام.

 

لُغز الفشل الأمريكي.. وفارق كُلفة المواجهة

وإذا ما تساءلنا عن السر الكامن وراء الفشل الأمريكي المُستمرّ سياسيًّا وعسكريًّا في العالم، فإن الإجَابَة تكمن في نزعة الهيمنة، وحب التملك، والاستعلاء على بقية الشعوب؛ إذ فرضت واشنطن بقوة السلاح مصفوفة القوانين الجائرة التي تحرم العالم من استقلالية القرار، وحرية التصنيع والتسليح وبناء عناصر القوة والحيطة.

لقد تعاملت مع الدول بمنطق خارج عن العقل والعدل والإنسانية، فكانت النتيجة سقوطها المدوي أمام أبطال محور المقاومة؛ خُصُوصًا بعد أن ظهر المحورُ في ميدان المواجهة بسلاح جديد أحدث فارقًا جذريًّا مع السلاح الأمريكي في "الوقت والثمن".

إن استمرارَ أمريكا في خوض غمار حرب تتجاوز الشهر الواحد يكلفها ثمنًا باهظًا يستنزف خزائنها، في حين يمتلك محور المقاومة القدرة والنفس الطويل على خوض المواجهة لعدة أشهر بل ولسنوات، في ظل الحصار والمعاناة الإنسانية.

والفارق المادي والمالي في حجم الخسائر بين الجانبين مرعب؛ فبينما ينهار الاقتصاد الأمريكي؛ بسَببِ الكلفة الباهظة لمنظوماته الدفاعية والهجومية، يزداد المجاهدون ثباتًا لأن الكلفة الاقتصادية لسلاحهم مدروسة، وعقيدتهم لا تقاس بحسابات الربح والخسارة المادية.

 

تسلسل القلق الصهيوني.. وتهاوي أوراق الضغط

لقد بدأ قلق كيان الاحتلال الصهيوني يتصاعد تاريخيًّا؛ قلقوا من العراق فسقط النظام هناك لتبدأ معادلة جديدة، ثم قلقوا من المقاومة الفلسطينية فاستهدفوا قياداتها وبقيت المقاومة أشد تجذرًا.

تلا ذلك قلقهم من سوريا، ثم قلقهم الوجودي من حزب الله في جنوب لبنان، فاستهدفوا قياداته الأبرار وبقيت المقاومة في جنوب لبنان شامخة بصواريخها ومسيراتها الفتاكة.

ثم امتد القلق والذعر الصهيوني من سيطرة أنصار الله في اليمن على مضيق باب المندب، فاستهدفوا غدرًا الرئيسَ الشهيد صالح علي الصماد (سلام الله عليه)، وبقيت جبهةُ الأنصار وتعاظمت حتى تم إغلاق باب المندب كليًّا أمام تجارة كيان الاحتلال الصهيوني.

وأخيرًا، بلغت ذروةُ القلق الصهيوني من الجمهورية الإسلامية في إيران، فاندفعت أمريكا لمهاجمتِها واستهداف قياداتها العسكرية والثورية، لكن الجيش الإيراني وقواته المسلحة بقيا بكامل قوتهما واقتدارهما، وردت طهران بضربات قوية ومزلزلة فتكت بالعربدة الصهيونية.

لقد عجزت واشنطن عن تحقيق أي هدف استراتيجي لصالح كيان الاحتلال أَو حلفائها، ولم تكن النتيجة إلا وضع المصالح الأمريكية والاقتصاد العالمي في دائرة الخطر.

إذن..

ماذا بقي في جعبة أمريكا من أوراق للضغط على محور المقاومة؟ لم يعد هناك ما يُخيف؛ فلا أمن ولا سلام لكيان الاحتلال بعد اليوم، وما على قطعان المستوطنين إلا الرحيل من منطقتنا بأقل كلفة وثمن ممكن؛

فأمريكا باتت عاجزة تمامًا عن هزيمة محور المقاومة الحامل للراية الإيمانية، ومصداق ذلك قوله تعالى:

((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ؛ إذ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [الأنفال: 17].