تُقدّم لنا السياسةُ الدولية، في محطاتها المنعطفية، نماذجَ صارخةً من المفارقات والتناقضات التي تتجاوز حدود المنطق التحليلي لتسقط في قاع "الازدواجية الأخلاقية".

ولعل المشهد الإعلامي والسياسي الراهن يُظهِر بوضوح كيف تتحوَّل بعضُ المنابر والأصوات إلى "ظواهرَ صوتية" تُجِيد ضبطَ إيقاع مواقفها وفقًا للأجندات الموجهة، لا وفقًا للمبادئ أَو الحقائق على الأرض، ففي الوقت الذي تنشغلُ فيه الماكيناتُ الدعائية بالهجوم على إيران، ومحاكمة حراكها الدبلوماسي لمُجَـرّد جلوسها على طاولة المفاوضات مع أمريكا، يبرز سؤال جوهري حول تاريخية مواقف هؤلاء، وموقعهم الإعرابي من الصراع الإقليمي بأكمله.

إننا أمام مشهد تختصرُه بقسوة تلك الاستعارة المجازية، "الآكلون مع الذئاب وَالنابحون مع الكلاب"، أُولئك الذين يقتاتون على فتات المشاريع الغربية والصهيونية في المنطقة، لكنهم يتطوعون لإثارة الضجيج والتشويش كلما تحَرّكت طهران لحماية مصالحها ومصالح حلفائها عبر القنوات الدبلوماسية.

تبدأ فصول هذه المفارقة من مراجعة شريط الأحداث القريب، فعندما تعرضت الجمهورية الإسلامية لاعتداءات "صهيوأمريكية" مباشرة، واجهت تلك الأصواتُ الحدثَ بخنوع مطبق وصمت مريب، حتى إن بعضَها لم يُخفِ ابتهاجه المكتوم، هذا الخنوع لم يكن معزولًا عن موقفهم العام من القضية الفلسطينية؛ إذ عاشت تلك المنظوماتُ حالةً من "السبات الشتوي" الطويل بينما كانت دماء الأبرياء تسيلُ في غزة ولبنان، وبينما كانت آلة الإبادة الصهيونية تحاول قضمَ ما تبقى من كرامة هذه الأُمَّــة.

لم تحَرّكهم أشلاء الأطفال، ولم تستفز عروبتُهم المزعومة عربدة الطائرات الصهيونية في أجواء العواصم، لكن، ويا للمفارقة، استيقظت فيهم فجأةً "النخوةُ السياسية" وحسّ النقد الاستراتيجي، فقط ليتساءلوا بتباكٍ مصطنع: - كيف تفاوض إيران أمريكا؟

إن العجز عن فهم السلوك السياسي الإيراني ينبع من قياس هؤلاء لخطوات طهران بمقياس تبعيتهم هم، فالتابع يرى في كُـلّ حوار "صفقة بيع"، ويرى في كُـلّ تفاهم "استسلامًا"؛ لأنه لا يملك في قاموسه السياسي مفهوم "الندّية".

في عُرف السياسة الواقعية، لا يُعدّ التفاوُضُ تراجعًا بالضرورة، فهو امتداد للمواجهة بوسائل أُخرى، طهران تفاوض واشنطن كقوة إقليمية فرضت معادلاتها عبر "جبهات الإسناد" ومحور مقاوم صامد، وجعلت من أمن مصالح غرب آسيا معادلة مرتبطة بأمنها مباشرة.

الذئاب الدولية لا تجلس في قاعات الدبلوماسية مع الضعفاء إلا لإملاء الشروط، وجلوس واشنطن مجدّدًا للتحاور مع طهران هو اعتراف رسمي بوزنها الذي لا يمكن تجاوزه.

ومن هنا نفهم سر ذُعر "النابحين"، بأنهم يخشون أي تفاهم قد يسحب من تحت أقدامهم بساط الوظيفة التي كُلّفوا بها، ويتركهم في العراء السياسي بلا غطاء حمائي خارجي.

إن الأزمة الحقيقية التي يكشفها هذا المشهد في مَن ارتهنوا للخارج دهرًا، وليست في الدبلوماسية الإيرانية التي تمتلك من المرونة والشجاعة ما يكفي لمعرفة متى تقاوم بالسلاح ومتى تحاور بالسياسة.

لقد سقطت الأقنعة وتعرّت العناوين، فمن غير المقبول أخلاقيًّا ولا سياسيًّا أن يعتليَ مِنصة الأُستاذية من نام عن نُصرة فلسطين، وتواطأ بالصمت مع الجلاد،

ليعطيَ دروسًا في "المبدئية" لمن قدّم الغاليَ والنفيس لدعم المقاومة.

التاريخ سيسجّل بدقة هناك من قاوم وفاوض برأس مرفوع، وهناك من ارتضى لنفسه أن يأكل مع الذئاب وينهش في جسد أمته، مفضِّلًا النباح لحساب أجندات لا تريد لهذه المنطقة سوى التبعية والاستلاب.