لم تكن يومًا العلاقة بين السعودية واليمن متوازنة حتى بأحسن الظروف، بل قامت على إدارة التوتر لأن عقيدة الأمن السعودي مبنية على أن اليمن خاصرة رخوة تعاملت معها الرياض بسياسة شراء الولاءات من قبائل إلى ضباط خارج مفهوم احترام الدولة.

وفي حرب 1994م، دعمت الرياض الرئيس السابق علي عبدالله صالح بصفته ضامن استقرار دون معالجة الملفات الخلافية التي تحكم البلدين، بدءً من ترسيم الحدود واتفاق جدة عام 2000م، وصولاً إلى ملف أنصار الله، حيث دعمت السعودية الإخوان (حزب الإصلاح، والتيارات الوهابية) ضد الأنصار باعتبارهم تهديدًا وجوديًّا لها، والتي أوصلت للعدوان وعاصفة الحزم، وانتهاءً بانهيار منظومة صالح-السعودية.

وكان من نتائجها انهيار المعسكر الحليف للسعودية، ما أدخل اليمن بحالةٍ من الخلل البنيوي؛ نتيجة التنافس السعودي – الإماراتي؛ فالرياض راهنت على الإصلاح، والإمارات راهنت على المجلس الانتقالي الجنوبي، وتحولت حرب أطراف خارجية واستنزاف لسنوات سعت الرياض فيها تدويل الحرب بطلب حماية أمريكية مباشرة للبحر الأحمر، والتلويح بدور إسرائيلي لمواجهة تهريب السلاح، وصولاً إلى اتفاق مكة لتوحيد ما يسمى الجبهة السنية، وسعي للاستعانة بالقاهرة كورقةٍ عسكرية، وبقوات أمان في حالة انقلاب كامل المشهد وتبدل المعادلة.

بعد فشل الضربات الأمريكية-البريطانية ضمن عملية حارس الازدهار والتي انتهت بإعلان ترامب الشهير عام 2025م: إن اليمنيين "لا يريدون قتال الأمريكيين بعد الآن، وسنوقف القصف مقابل وقف استهداف السفن الأمريكية فقط"، وهذا فرض توقيع اتفاق كان اعتراف ضمني أمريكي بأن (الحوثي) رقم صعب لا يمكن سحقه وبيده باب المندب ورقة استراتيجية ولم يعد فصيلاً محليّاً برصيد يتحكم بـ 12% من التجارة العالمية.

ورقة كرست دور أنصار الله ومكانتهم ومنحتهم قوة تفاوضية دولية مباشرة متجاوزة الرياض التي خسرت أوراقها السياسية والعسكرية والأمنية، ولم يتبقى أمامها إلا "التجييش السني"، ورقة قوة بشعار "استهداف مكة" بعد الحديث عن مسيّرات عراقية استهدفت خط نفط شرق غرب، إلا أن الهدف واضح داخلي سعودي، لإعادة شرعنة الحرب بعد تعب الجمهور السعودي والانتقال لرفع راية "الدفاع عن الحرمين" يحشد الداخل والخارج.

إلا أن نجاح التجييش "السني" العالمي محكوم بالفشل، ربطًا بما سبق التجربة السورية والعراقية؛ فالسعودية تتجه لـ "السعودية 2030"، وتعمل بصورة منفتحة لا صورة قائدة جهاد بواقع جديد، إنها لم تجد دول متعدّدة لإرسال جنودها لمحاربة اليمنين، وما هي إلا ورقة إعلامية أكثر منها تعبئة حقيقية تملا فراغ الوصول إلى اتفاق هو الأرجح، لا حرب واسعة، ولا سلام شامل، وهذا ما تريده الرياض؛ فلا مصلحة لها بتوسيع الحرب من كافة النواحي اقتصاديًّا أمنيًّا حتى استراتيجيًّا.

الرياض تريد الخروج من اليمن بأقل الخسائر؛ لذلك ستعمل على إعادة تفعيل اتفاق خفض التصعيد كوقف إطلاق نار طويل، يعيد فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة كاملاً، ضمن تسوية ثنائية سعودية-يمنية برعايةٍ عمانية تتجاوز حكومة عدن الفندقية المعترف بها سعوديًّا، والتي اصبحت خارج المعادلة كليًّا.

وبالتالي؛ فإن ترك ملف الجنوب أمام سيناريو دولي أخطر لا يمكن فيه فصل اليمن عن الحرب الأمريكية-الإيراني؛ فالسعودية انتقلت من منطق إعادة الشرعية إلى منطق احتواء الضرر وأنصار الله تحولوا من فاعل محلي إلى لاعب إقليمي يملك مضيق على أبواب مرحلة لم تبقى حرب صنعاء، بل مفاوضات مباشرة على قاعدة المكانة والتأثير فيها "باب المندب" بطاقة تفاوض كبرى، واليمن جزءًا من معادلة "طهران-واشنطن"، وليس حرب الرياض على صنعاء لدعم فريق على حساب شعب.