ترقّى العبيد، فبعد أن كانوا يُباعون ويُشترون في سوق يُسمّى «سوق النخاسة»، أصبح لهم اليوم، بدلًا عن السوق، مجلسٌ للنخاسة أنشأه محمد بن سلمان، في ذات النطاق الجغرافي الذي تواجد فيه في الزمن الغابر سوق النخاسة.

ولا ينطبق على مسمى «مجلس القيادة الرئاسي» الذي أقامه محمد بن سلمان لعبيد العصر، سوى مسمى «مجلس النخاسة»، باعتبار أن القيادة شيء كبير وعظيم؛ فالقيادة قدوة، يقتدي الناس بها، ومثال يُحتذى. فإذا كان ذلك هو حال القيادة القابعة في وكر بن سلمان، فكيف سيكون حال المنقادين لهم؟

ولا يمكن بحال من الأحوال أن تسعى قيادة لدى الأجنبي لاحتلال جغرافية وطنها؛ فالوطن عرض، ومن يفرّط في وطنه فكأنما فرّط في عرضه.

والبون شاسع بين التفريط الذي معناه التقاعس عن الدفاع عن الوطن في مواجهة الغازي المحتل، وبين السعي والمطالبة لدى الغازي المحتل باحتلال جغرافية الوطن.

فمن فرّط في الدفاع عن وطنه فحكمه حكم الديوث، الذي يسكت ويرضى بالفاحشة في أهله، أما حال الساعي لجلب الغازي المحتل لاحتلال وطنه فحكمه حكم جالب الفاحشة لأهله، ولا يقارن ذنبه وجرمه بذنب وجرم الساكت الراضي.

ولا جدال في أن تمكّن الغزاة من احتلال جغرافية الوطن نتيجته الحتمية هي هتك الأعراض بالجملة، والحال هنا أسوأ، ففيه شمولية وعموم، ولا يقارن جرم الساعين لدى الغزاة والمطالبين باحتلال الوطن بجرم الدياثة الفردية، التي يسكت فيها بعض السفلة المنحرفين المنحطين ويرضون بهتك أعراضهم.

ولا مبالغة فيما سبق؛ فمن يرغب في تتبع حالات انتهاك الأعراض في البلدان التي تعرضت للاحتلال، فذلك متاح في تقارير المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات المستقلة، التي أكدت في تقاريرها الحقوقية ودراساتها القانونية أن العنف الجنسي والاغتصاب يُعدّان من أبرز الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال عقب سيطرتها على أراضي دولة ما.

وتؤكد الدراسات أن ما يقرب من ثلاثة ملايين من الفتيات في ألمانيا تعرضن لاعتداءات جنسية من جانب قوات الحلفاء في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.

ولا يتسع المجال هنا للحديث عن حالات الاغتصاب والاستعباد الجنسي، الذي يأخذ صورًا متعددة، منها جلب فتيات البلد المحتل إلى المعسكرات لاستغلالهن جنسيًا، ولا يتسع المجال كذلك لعرض حالات من التعذيب الجنسي تعرض لها أحرار في بلدانهم التي احتلها الغزاة، حين أخذوا على عاتقهم مقاومة الاحتلال وطرده من بلدانهم.

ولا نذهب بعيدًا زمنيًا ومكانيًا، فجرائم الاعتداء والتعذيب الجنسي الممنهج، التي مارسها الاحتلال الإماراتي في سجونه السرية في جنوب الوطن، موثقة ومعلنة، وهي متاحة ويمكن الاطلاع عليها، ومنها ما تضمنه تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن ارتكاب ضباط إماراتيين لجرائم عنف جنسي بأدوات مختلفة، واغتصاب عدد من المعتقلين.

ومن تلك التقارير أيضًا تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الذي طالب بفتح تحقيق عاجل في تلك الجرائم ومحاسبة المتورطين في ارتكابها.

ذلك هو دأب وسلوك قوى الغزو والاحتلال في تعاملها مع الشعوب التي تتعرض أراضيها للاحتلال. ومن هم في مجلس النخاسة عبيد تابعون، ويتعاملون مع الأرض والإنسان في اليمن بمنطق تعامل سيدهم معهم؛ فهم عندما يتحدثون عن استعادة الدولة، فإنما يتحدثون بلسان سيدهم، الذي يسعى جاهدًا لاستعادة نفوذه وسيطرته وسطوته السابقة على الجغرافيا والديمغرافيا في اليمن.

والواضح أن المشغّل السعودي يستخدمهم فقط لتحقيق أهدافه. فأولئك الناعقون ليلًا ونهارًا بعنوان استعادة الدولة، يدركون جيدًا أن مشغّلهم يستخدمهم ضد بلدهم لتحقيق مصالحه، وهو من يملي عليهم ما يقولون وما يفعلون لاستمرار تجدد ذريعة الحصار والعدوان الإجرامي.

والمعلوم أن الأطراف الخارجية، إذا كانت لها أجندات ومصالح في بلدان أخرى، فإنها تقف إلى جانب الممسكين بزمام السلطة، طالما كانوا بخدمتها ويحققون أهدافها، وإن لم يكن الممسك بالسلطة كذلك، تعمل تلك الأطراف على دعم وإسناد معارضيه حتى تتم إزاحته والإطاحة به، ليحل العملاء محله. وأحدث نموذج لهذه الحالة هم الوافدون الجدد على السلطة في سوريا.

والواجب أن يدرك شعبنا في المناطق المحتلة والخاضعة شكليًا لسلطة مجلس النخاسة، أن أولئك العبيد عندما يتحدثون عن استعادة الدولة، فإن حديثهم ينصرف مباشرة إلى الركن الأول من أركانها، وهو الأرض؛ فهم ينظرون إليها باعتبارها ملكية خاصة وخلفية لسيدهم ومشغّلهم بن سلمان، كما عبّر عن ذلك العميل المدعو سلطان البركاني في لقاء له مع قناة العربية بقوله: «اليمن يمثل الحديقة الخلفية للسعودية ولجميع دول الخليج».

وينصرف حديث أولئك العبيد أيضًا إلى الركن الثاني من أركان الدولة، وهو الشعب، الذي ينظرون إليه، وفقًا لمنطقهم الخسيس، مملوكًا لسيدهم، الذي أنشأ لهم مجلسًا واعتبرهم عبيدًا يرأسون شعبًا من العبيد. وهذه هي حقيقة تعامل أولئك العبيد مع شعب الحكمة والإيمان، شعب العزة والكرامة.

ولو أنهم كانوا أحرارًا، فمعلوم أن الأحرار لا يحتاجون لمن يحميهم ويدافع عنهم. ولو أنهم كانوا رجالًا يستحقون أن يكونوا على قمة سلطة الشعب، لكانوا شاغلين لمناصبها، ولما كانوا في وكر بن سلمان عبيدًا، سخّرهم ولا يزال مسخّرًا لهم لاستعادة ما كان له من سيطرة على الأرض، وسطوة على الشعب بواسطة عملائه في السلطة.

ولو لم يكونوا عبيدًا، لما هان عليهم وطنهم لمجرد فقدهم لمناصبهم في السلطة. ولو كانوا أحرارًا لهانت عليهم مناصب السلطة، فالوطن أولى وأبقى، وليتولَّ السلطة من تولّى، طالما وجد من الشعب كل الإسناد والتأييد؛ فالشعب هو مالك السلطة، وما الحكام إلا خدم له ومعبرون عنه.

واليمن ليس استثناءً من جميع دول العالم؛ ففي جميع الدول يُعدّ أمرًا مسلّمًا به أن الثورات والانقلابات يترتب عليها إسقاط الممسكين بالسلطة إلى القعر، وارتقاء آخرين إلى سدّتها. تلك هي إرادة الشعوب، وتستمر الحياة بشكل طبيعي إلى أن يلمس الشعب فساد من أمسكوا بالسلطة والقائمين على شؤونها العامة، حينها سيستخدم خياراته في مواجهتهم، وهكذا.

كل ذلك في حال لم تكن لأطراف خارجية سيطرة وسطوة، أما إن كان من هم في السلطة ليسوا سوى وكلاء لتلك الأطراف الخارجية، فإنها تستميت في الدفاع عن مصالحها غير المشروعة، بإعادة وكلائها إلى سدّة الحكم، حتى وإن ترتب على ذلك دمار كافة مقومات حياة الشعب، وإبادة مئات الآلاف منهم. وهذا ما فعلته ولا تزال تفعله السعودية في بلادنا، مستخدمة عبيدها القابعين في وكر النخاسة في عاصمتها الرياض.

ونماذج تغيير الحكام بالثورة أو الانقلاب كثيرة جدًا، سواء في الماضي أو في الوقت الحاضر. ففي مصر تحديدًا، في خمسينيات القرن الماضي، تم تغيير الحكام ونظام الحكم من ملكي إلى جمهوري، وانتهى الأمر واستمرت الحياة بشكل طبيعي.

وفي بلدنا اليمن أيضًا، وفي ستينيات القرن الماضي، تم تغيير الحكام ونظام الحكم من ملكي إلى جمهوري، وانتهى الأمر واستمرت الحياة بشكل طبيعي، رغم توالي الانقلابات بسبب مصالح متعارضة لأطراف خارجية.

ولأنه لم تكن هناك سطوة وسيطرة مطلقة للأطراف الخارجية حينها، استقرت الأوضاع نسبيًا، ولم يكن هناك استدعاء للخارج لتدمير الداخل، كما هو الحال مع عبيد اليوم. وفي الوقت الحاضر، في مصر وتونس وفي بلادنا اليمن، أدت الثورات إلى تغيير الحكام، واستمرت صيغ أنظمة الحكم في البلدان الثلاثة كما هي جمهورية، وانتهى الأمر واستقرت الأوضاع في مصر وتونس؛ لأن سطوة وسيطرة الأطراف الخارجية على الحكام لم تصل إلى مستوى السطوة والسيطرة على الحكام في بلدنا.

ولذلك، لم يتقبل النظام السعودي ومن ورائه حقيقة إسقاط ثورة الشعب لعملائه، فأصر منذ البداية على إعادة تثبيتهم في السلطة بطريقة التفافية، بما عُرف حينها بالمبادرة الخليجية. وحين رفض الشعب صراحة التبعية والوصاية، لجأ نظام آل سعود إلى وسائل أخرى، منها تدمير مؤسسات الدولة من الداخل، وتحريك الأدوات الإرهابية.

وحين تمكّن الشعب من مواجهة كل تلك الوسائل، لم يجد النظام السعودي بدًا من التدخل العسكري المباشر لإسقاط السلطة الثورية وإعادة عملائه إلى السلطة، ليستعيد بإعادتهم ما فاته من سابق سطوته وسيطرته على شاغليها، ومن خلالهم على الأرض والإنسان.

ولا مقارنة مطلقًا بين سلوك السلطة الثورية في بلادنا وبين سلوك السلطات الثورية في البلدان الأخرى، لا في الماضي ولا في الحاضر؛ فمصير من كانوا في مناصب السلطة العامة، إما التصفية الجسدية، وإما غياهب السجون والمحاكمات الثورية، وإما الفرار والنفي الإجباري.

ولم يحدث شيء من ذلك في بلادنا، فلم تفتح السلطة الثورية السجون والمعتقلات وتلقِ بمن كانوا شاغلين لمناصب السلطة العامة في غياهبها، ولم تنشئ محاكم ثورية لمحاكمتهم صوريًا، ولم تنصب المشانق لتصفيتهم جسديًا، بل تعاملت معهم، رغم فسادهم وتبعيتهم وارتهانهم، برقي إنساني وأخلاقي ليس له نظير، فطلبت من الجميع في كل مستويات السلطة العامة الاستمرار في مناصبهم، والإسهام بإيجابية في إدارة شؤون البلد وفقًا للرؤية الثورية.

لكنهم، ولأنهم عبيد وليسوا أحرارًا، فضّلوا الالتحاق بسيدهم ومشغّلهم، ليوفروا له ذريعة تدمير بلدهم، وقتل أبناء شعبهم، تحت عناوين كاذبة ومخادعة ومضللة، منها مساندة الشرعية، واستعادة الدولة، وإسقاط الانقلاب.

ومؤخرًا، وحين تمكنت السلطة الثورية من تحرير جزء محتل من الجغرافيا اليمنية، إذا بأولئك العبيد الناعقين، ومن مجلس نخاستهم، يعلنون بكل وقاحة أن الجزء المحرر من الجغرافيا الوطنية ليس شأنًا يمنيًا داخليًا، وإنما هو شأن إقليمي ودولي، في تذلل وتوسل مهين لقوى الاستعمار القديم للتحرك الجماعي للسيطرة على جزء مهم واستراتيجي في جغرافية بلدهم، مسقطين بذلك كل الحقوق الطبيعية لشعبهم.

وكل ذلك الإسقاط لحقوق الشعب المترتبة على استراتيجية جغرافيته؛ فالمهم عندهم، وفقًا لسابق تلقينهم، انسيابية مرور شحنات نفط مشغّلهم، حتى وإن قضى شعبهم جوعًا. ومنطق أولئك العبيد يتعارض تمامًا مع قانون البحار، رغم كونه يخدم القوى الاستعمارية، إلا أنه أقر حقوقًا للدولة في مياهها الإقليمية، وأولئك العبيد العملاء لم يترددوا في نسفها.

ويستمر نعيقهم ونهيقهم ليلًا ونهارًا، وبأعلى أصواتهم في مجلس نخاستهم، وبكل خسة وانحطاط وحقارة، في القول إن باب المندب لا يعني اليمن ولا الإقليم، بل يعني جميع دول العالم، وهذا عار ما بعده ولا قبله عار.

فقد كان من سبقهم أحسن حالًا منهم، رغم أنهم لا يختلفون عنهم في العمالة والارتهان والتبعية والعبودية، وهم الذين شغلوا مناصب السلطة العليا في العاصمة صنعاء، وكانت إرادتهم مرتهنة في الرياض. وقد صوّر حالهم ببراعة فائقة، قبل عقود من الزمن، أديب اليمن الكبير، الكفيف المبصر، الأستاذ عبد الله البردوني، رحمه الله، بقوله:

أمير النفط نحن يداك،

نحن أحد أنيابك

ونحن القادة العطشى،

إلى فضلات أكوابك

ومسؤولون في صنعاء،

وفراشون في بابك

ومن دمنا على دمنا،

تموقع جيش إرهابك

لقد باع أولئك السابقون البلاد بثمن بخس، أما هؤلاء العبيد القابعون في وكر نخاستهم في عاصمة مشغّلهم، فها هم يبيعون البلاد بلا ثمن، سوى ما تجود به عليهم من فتات مائدة سيدهم بن سلمان. وهؤلاء أيضًا سبق للمبدع الراحل البردوني أن صوّر ما هم فيه من عار وانحطاط بقوله:

ترقّى العار من بيع

إلى بيع بلا ثمن

ومن مستعمر غاز

إلى مستعمر وطني

والخطورة كل الخطورة على شعب الإيمان والحكمة أن يتواجد أولئك العبيد في أي جزء من الجغرافيا الوطنية؛ فتواجدهم سيعني تواجد مشغّلهم، الذي سيعمل عن طريقهم على نقل ما جلبه لبلده من فسق وفجور وانحطاط إلى اليمن.

وليدرك شعبنا جيدًا أنه ليس في حساب أولئك العبيد، سواء تواجدوا على جغرافية مشغّلهم المحتل، أو تواجدوا على جزء من جغرافية شعبهم؛ فالحقيقة التي لا لبس فيها ولا غموض أنهم في كل الأحوال يمثلون سيدهم ومشغّلهم، ويعملون لتحقيق مصالحه، ولا يمثلون شعبهم ولا يعملون لخدمته.