موقع أنصار الله . تقرير | علي الدرواني
مثل خطاب السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في المؤتمر القومي العربي إعلانا واضحا عن موقع اليمن الجديد في خريطة الصراع الإقليمي، ويكتسب هذا الخطاب أهميته من أنه يأتي من قلب المعركة لا من مقاعد المراقبين، ولا الواعظين، ولا المقترحين، بل من قائد يتقدم شعبه في مواجهة مفتوحة مع العدو الإسرائيلي الأمريكي، ويرى المنطقة وهي تعاد صياغتها بالإرادة قبل النار.
لم يكن هذا الخطاب -إذاً- مجرد مشاركة شكلية في فعالية سياسية، فقد أعاد السيد -يحفظه الله- تحديد طبيعة التحدي الذي تواجهه الأمة، وقدمه على أنه ليس نزاعًا حدوديًا، ولا صراع نفوذ بين دول، بل محاولة صهيوأمريكية مستمرة لخلق شرق أوسط جديد تصادر فيه الإرادة العربية، وتجتث عناصر قوة الأمة من جذورها.
في مواجهة تلك المخططات الخبيثة التي تستهدف الأمة العربية الاسلامية، يطرح السيد القائد مقاربته الثابتة: لا حماية لحق، ولا بقاء لكرامة، بدون مقاومة تحمل السلاح وترفض الخضوع، حيث إن خيار المقاومة عنده ليس شعارا أيديولوجيا صرفا، وإنما هي شرط البقاء في زمن يعمل العدو فيه على ترسيخ معادلة الاستباحة للأمة وثرواتها وسيادتها، وسلب إرادتها.
لعل أبرز ما منح الخطاب وزنه الاستراتيجي، وقيمته العملية، هو أنه لم يكن مجرد كلام، حيث اقترن بلغة الأرقام التي تشهد بالفعل، لا بالشعارات، فاليمن الذي كان ينظر إليه في العقود الماضية كبلد نائٍ بعيد، لا يكاد يعرف إلا بصفته تابعا لقوى اقليمية ودولية، وفي العقد الاخير عرف فقط كضحية للحرب والحصار، هاهو اليوم -كما يعكس الخطاب- قد اصبح طرفًا فاعلًا في معادلة الردع الإقليمية.
(ألف وثمانمائة وثلاثين)، ما بين صواريخ بالِسْتِيَّة، ومجنَّحة، وطائرات مسيَّرة، وزوارق حربية. وفي العمليات البحرية: تم الاستهداف لـ (مائتين وثمان وعشرين سفينة) من السفن التابعة للأعداء، وأجبر العدو الإسرائيلي على إغلاق ميناء أم الرشراش على مدى عامين.
مئات العمليات العسكرية، واستهداف السفن المرتبطة بالعدو، وإسقاط الطائرات الأمريكية المتطورة، ومواجهة حاملات الطائرات في البحر الأحمر، كل ذلك دون أن تنحني راية الموقف أو ينطفئ نبض الشارع. إنها لغة الأفعال التي لا تحتاج إلى شرح كثير، هنا يقف شعب اختار أن يدفع ثمن كرامته من دمه لا من صمته.
اللافت أيضاً أن السيد لم يقدم المقاومة بوصفها فعلا عسكريا مجردا، وإنما هي مركبة من الوعي أولا، وفعل شعبي أيضا، ليعتمد على هذه الحقيقة ويوجه دعوة للنخب المجتمعة في هذا المؤتمر المهم، للتحرك الواسع على كل المستويات -وفي المقدّمة: النخب- لاستنهاض شعوب الأُمَّة، ولتوسيع دائرة الوعي تجاه مؤامرات الأعداء الواسعة، التي تستهدف الجميع دون استثناء، لاسيما والعدو الصهيوني يعلن للجميع أنه يسعى إلى ما يسمِّيه تغيير الشرق الأوسط، وإقامة ما يطلق عليها "إسرائيل الكبرى".
وفي مواجهة الرواية الغربية التي تحاول تصوير ما يجري على أنه صراع بين إيران و"إسرائيل"، أعاد الخطاب الأمور إلى نصابها، فالأرض عربية، الجرح عربي، والمقاومة دفاع عن هوية الأمة وليس عن نفوذ أحد. هكذا تعاد القضية الفلسطينية إلى مركزيتها في الوعي القومي لأمتنا، وليس ذلك لتبرئة إيران، بقدر ما يكون لإثبات أن من يقاتل عن فلسطين إنما يقاتل عن الأمة كلها، بما فيها أولئك الذين يتآمرون على جبة الإسناد، بل ربما عن بعضهم قبل غيرهم.
وحسب الخطاب المهم فإن: (أسخف أطروحةٍ تتنكَّر للحقائق الواضحة في أن البلاد المحتلة هي بلادٌ عربية، وأنَّ العدو الإسرائيلي يقتل العرب، ويبيد العرب، ويستبيح العرب، وأنَّ الدور الإيراني هو دورٌ يدعم العرب، يناصر القضايا التي هي قضايا لكل الأُمَّة الإسلامية).
وهنا يركز الخطاب على حقيقة محورية ويشدد عليها، وهي أن العدو الصهيوني لم يذهب إلى وقف عدوانه بإرادته، بل انحنى ـمكرهاًـ تحت ضغط المقاومة في غزة وجبهات الإسناد، وتحت صحوة شعوب العالم التي لم يعد ممكنًا إسكات ضميرها. غير أن هذا الانحناء لا يعني التخلّي عن مشروع «إسرائيل الكبرى»، وبالتالي فإن التفريط بأي عنصر من عناصر القوة سيكون خطيئة تعيد الأمة إلى مربع الضعف الأول.
بهذا المعنى، بدا خطاب السيد وثيقة تحمل رؤية ثاقبة لمستقبل أبعد من الحرب الجارية، إنها رؤية لدور عربي جديد يتجاوز زمن الهزائم والاستجداء، ويضع الإرادة الشعبية والمقاومة في مركز الفعل التاريخي، خطاب يعكس انتقال اليمن من بلدٍ مثخن بأوجاعه إلى بلدٍ يصنع تأثيرًا، ويعيد ضبط معادلات الأمن في البحر والبر على السواء.
من هنا، يقدم السيد عبدالملك الحوثي -في خطابه- ملامحَ مشروع متكامل للأمة؛ مشروع يقوم على وعيٍ عميق بطبيعة العدو، ولا يكتفي بتشخيص الخطر، مشروع يرى أن وحدة الموقف العربي والإسلامي تجاه فلسطين هي حجر الزاوية لأي نهوض حقيقي، وأن الساحات المتعددة، من اليمن الى لبنان وغزة والعراق، لا يجب أن تبقى جزرا معزولة، بل جبهة واحدة تتكامل الأدوار فيها، وتتعاضد الإرادات على طريق التحرر.
في هذا المشروع، لا يكون السلاح غاية في ذاته ولا ترفا للقوة، وإنما واحد من ادوات المواجهة، كدرع يحمي الأرض والعرض، ويصون هوية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها. شعوب لا تلين أمام العواصف، مع إصرار لا ينكسر تحت ضغط حصار أو تهديد، مهما كان الثمن. إنه مشروع يريد للأمة أن تستعيد ثقتها بنفسها، وأن تعود لاعبا مركزيا وفاعلا في معادلة الصراع، وليس مجرد متفرج على مآلاته.