موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي

في معركة الوعي، حين تحولت الأفكار إلى ساحة حرب، وظّف أعداء الإنسانية -منذ وقت مبكر- الكثير من إمكاناتهم لضرب العالم في مواقفه وقناعاته. حينها كانت خارطة العرب والمسلمين الأوفر استهدافاً، كون مواقفهم يمكن أن تؤثر على مسار تنفيذ الأجندات الصهيونية في المنطقة.
يرى الصهاينة أن مسألة استهداف الوعي هي الأقدر في تحديد اتجاهات الشعوب وتوجيه خياراتهم، والأقدر في التأثير والسيطرة على العقول وعلى الوعي الجمعي للمجتمعات بالشكل الذي يُؤمِّن لها السير في اتجاه أهدافها بلا مُعوِّقات.
من هنا برزت الحرب الناعمة بأدواتها الحديثة "إعلام ومنصات رقمية ومراكز أبحاث"، ونجح الاستخدام الممنهج لوسائل التواصل الاجتماعي، ليس فقط في تزيين الكذب، وإنما أيضاً في إعادة تشكيل العقليات، حتى بات المثقف العربي ينجذب لثقافة الآخر باعتبارها -في تصوره- أساس ما عليه الغرب من تطور، فبلغ به الحال كما هو بالنسبة لحكومات عربية إلى الانغماس فيها وتبنيها كمنهجية عمل وحياة ومواقف، فكان من نتائج هذا الاستسلام للتدجين، الوقوف بعيداً عن قضايا الأمة، فاستهجنوا الحركات التحررية من الهيمنة الغربية، واستنكروا عمليات المقاومة الفلسطينية وحتى إدانتها.
تدرك قوى الغطرسة أن النجاح في هذا الجانب يمكن أن يُحقق لها ما لا يستطيع تحقيقه من نصر في العمل العسكري. فضرْبُ المجتمع في فكره وعقيدته وثقافته فِعْل بمقدوره أن يعمل على انهيار هذا المجتمع، ويحوْل دون نُهوضه من جديد. لأجل ذلك بدأ استهداف العرب من العقول، بحملات تضليل وتشويه، حتى صار ما عليه العرب اليوم شاهداً على نجاح تلك السياسات.

الخطاب اليمني يفضح ازدواجية قوى الشر

في مواجهة محاولات "كَيّ الوعي"، وحرف مسار التفاعل مع مُتغيرات الواقع العربي وما يحاول العدو الصهيوني استحداثه من واقع، أثبت المجتمع اليمني بأنه -شكلاً ومضموناً- عصيٌّ على التأثر والانسلاخ من التفاعل الطبيعي المطلوب مع هذه التوجهات الصهيونية، وإذا كانت المساعي الأمريكية والـ"إسرائيلية" المستمرة لحرف مسار معرفة العالم بجوهر الموقف اليمني وعملياته في البحر الأحمر قد نجحت لفترة في إقناع بعض العربان والعالم بما أرادوه من تشويه لهذا الموقف، إلا أن الخطاب اليمني أيضاً نجح بصورة لافتة في التشكيك ونسف السردية المعادية، حتى صار كل العالم على قناعة تامة بأن اليمن "إذا قال فَعَل"، ما يكشف عن فشل ذريع لخبراء الكذب والتدليس في التسويق لرواياتهم.
زَامَنَ اليمن قناعته الراسخة بحتمية الامتثال لما تُوجِبُه العقيدة وما تَفترضُه الأخلاق والمبادئ الإنسانية، بالتحرك العملي، واستطاع أن يفرض نفسه مناصراً للقيم التي تَنكَّر لها العالم في فلسطين، وهي التي تضمنتها القوانين الدولية وتتضمنها بياناتهم كل حين وآخر، ما جعله النموذج الأسمى في ترجمة موقف الرفض لحالة الانحراف بهذه القيم التي تتصدرها أمريكا و"إسرائيل" في سلوكهما تجاه الشعب الفلسطيني. في هذا الوقت أيضاً نجح الخطاب اليمني في فضح ازدواجية قوى الشر ومن والاهم في التعامل مع مبادئ حقوق الإنسان بما تعرّضت له في غزة من انتهاكات مخزية وصلت حتى إلى حرمان الأطفال من الحليب وأدوية "السعال" والمواد الصحية، ناهيك عن التجويع ومنع دخول كل المواد الضرورية للحياة.
وهذا النموذج الصهيوني الصارخ للانتهاكات التي شملت أيضاً عمليات جَرْف جثث فلسطينيين كانوا في طوابير الانتظار للمساعدات فاغتالتهم مصائد الموت الأمريكية والإسرائيلية بدم بارد، عزَّز من حقيقة هذه العاهات الصهيونية "أمريكا، إسرائيل، بريطانيا" ككائنات متوحشة ترتكب الجرائم ثم يُزعجها ظهور قوى حرة رافضة لسلوكها الحيواني فتَعْمَد إلى تشويه مواقف هذه القوى.

ترجمة عملية لحرص القيادة

هكذا برز شكل المواجهة اليمنية لمحاولات قوى الغرب والكيان الصهيوني استهدافه في وعيه وقناعاته، فكان اشْتِغَاله أكثر كثافة وتأثيراً، بحكم أن المجتمع اليمني لا يزال الأكثر تمسكاً بعقيدته والأكثر ارتباطاً بثقافته، ما جعله الأكثر وعياً وإدراكاً لمؤامرات التخدير وسَلْب العقول، والأكثر قدرة على تقييم الأحداث وإدراك حجم التحديات. وهو ما تَشكَّلت مظاهره خلال العقد الماضي وبشكل أوضح خلال العامين الماضيين، حين تعاضدت قوى الشر والحقد، وبؤر الأمراض الإنسانية والأخلاقية، ومَواطِن التحلل من قيم الشهامة والأصالة، لتعمل على مخططات ضد اليمن، جرَّبت كل شيء، ووظفت إمكاناتها من أجل تدارُك ما فاتها من استهداف هذه الأمة في أصالتها وتمسكها، غير أن اليمن أظهر قدرة نوعية ومؤثرة في معركة الوعي، فاصْطَفَّ اليمنيون بكلمة واحدة ثابتة لم تُبدلها التهديدات ولا العمليات العدوانية.
وكما الاهتمام بالتصنيع العسكري والاستعداد بأدوات القوة لمواجهة الأعداء، كان هناك بالتوازي اشْتِغَال متصاعد في تحصين المجتمع من الاختراق، برفع مستوى وعيه وإدراكه، بخطاب واعٍ، ونشاط "غير مُستورد" لا يغترب عن الواقع، بل يستفيد من مظاهر التطور التكنولوجي والعصر الرقمي، في ترجمة عملية لحرص القيادة الوطنية -بكافة مستوياتها- على تمكين كل فئات المجتمع من قراءة الأحداث، وتحركات العدو في سياقها، واستنتاج نواياه الخفية.
ولا ينبع الحرص اليمني على التحرك في هذا الجانب بكونه مَطلباً تستدعيه الأحداث الجارية ببُعْدها المنظور وحسب، وإنما انطلاقاً من كون معركة الوعي ليست آنيّة بل ممتدة، واستجابة لحاجة القادم مع تنامي حالة السُّعار لدى المستعمرين ولصوص ثروات الشعوب، ومساعي تحويل المخطط الصهيوني للمنطقة إلى واقع بإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

ابتكار صهيوني للقضاء على العرب

منذ الحقبة الاستعمارية مروراً بزراعة الكيان الصهيوني في المنطقة العربية وحتى اليوم ظلت الحرب النفسية واستهداف العقول تتصدر أجندات الأعداء، وتبدو اليوم أكثر أثراً مع الطفرة الحاصلة في مجال الاتصال، وهو ما صار يستشعر مخاطره الجميع، وساهم خضوع بعض الأنظمة في تهيئة البيئة لنشر سموم التشويه للأفكار والمبادئ في الشارع العربي والإسلامي. ومع القدرة التي وفرتها الثورة التقنية إلى جانب لَعِبِ الأعداء على وتر الحاجة وطموحات الشباب، صار توجيه الاهتمام لهذا الأمر موازياً في الأهمية للأستعداد بالجيوش والعتاد إن لم يكن أكثر أهمية، فالمعلومة المغلوطة تصل أسرع من الرصاصة، وتأثيرها يتجاوز اللحظة، وقد تكون أساساً لبناء مواقف تخدم العدو.
ويهدف العدو -ببساطة، من نشاطه في اختراق العقول وتدجينها- إلى النَيْل من الشعوب والهيمنة عليها وتطويعها لخدمته من خلال السيطرة على الإنسان بطريقة صامتة ناعمة، تلعب فيها الكلمة والصورة والمعلومة الدور الأبرز، لما لهذه المفردات من نفوذ وقدرة على الوصول إلى هدف رسم المستقبل بالطريقة التي يريد للمجتمعات.
الأمر بكل قوامه وصفاته ومعالمه صهيوني المنبع، ويكفي لإدراك هذه الحقيقة -التي ربما أيضاً ستجد من يُجادل فيها مُصطَفّاً بسذاجة إلى جانب العدو- معرفة أن مخطط ومؤامرة "كَيّ الوعي" ليس وليد اللحظة، ولا نتاج اجتهاد كُتاب أو باحثين، وإنما هو من مخرجات العقلية العدائية في الكيان، فما يعرف بالجنرال الفاشي "موشيه يعلون"، وزير دفاع ورئيس أركان عصابة الاحتلال "الإسرائيلي" المسلحة الأسبق، كان هو صاحب هذه الاستراتيجية -كما أحب أن يسميها-، الهدف من حينها لم يتغير، وهو إلحاق الهزيمة النفسية والمعنوية بالشعب الفلسطيني وبالأمّة العربية، وترسيخ نظرية التفوُّق العسكري "الإسرائيلي" على كل الدول العربية، بما يُولد حالة من انعدام الثقة بالذات، والتسليم بقوة العدو.

العالم يشهد بشهامة التحرك اليمني

ليس من المبالغة أن اليمن كما انتصر على العدو الأمريكي الصهيوني في المعركة العسكرية وتسبَّب بانهيار ما تُسمى بالنظرية الأمنية الاستراتيجية لكليهما، نجح بجدارة في معركة الوعي، ترجم ذلك ما بقى عليه الشعب اليمني من تماسك والتفاف حول قيادته، وتَرْجَم ذلك الحشود المليونية في جميع المناطق الحرة لعامين كاملين، كما ترجم ذلك -على غير ما أراد العدو الصهيوني- الشهادات العالمية بشهامة التحرك اليمني الذي كان تحت عناوين واضحة، وبلغة يفهمها الجميع، وهي عناوين أخلاقية وإنسانية. اليمن (الذي لا يمتلك الإمكانات المادية والتقنية كالتي لدى حلفاء الشيطان) قدَّم دروساً غاية في الأهمية، انتزعت الاعترافات من العدو قبل الصديق، فكان التحرك المواجِه لمؤامرات كَيّ الوعي الجمعي وتفتيت المجتمع اليمني بالروايات المضللة وصياغة الأكاذيب كحقائق، في مستوى المسؤولية ومستوى التحدي، فمَنَح اليمنيين المناعة الفكرية ضد الأكاذيب، وأحيا في وجدانهم قيم الولاء والانتماء، واستطاع تحصينهم من المفاهيم العدائية.