موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
فجر السبت الماضي، لم يكن العالم يشاهد عملية "إنفاذ قانون" كما زعم البيت الأبيض، بقدر ما كان يشهد ويُشاهد فصلاً إجرامياً جديداً من فصول "الإرهاب الأمريكي العابر للقارات"، والتي انتهت بعملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، التي باركها دونالد ترامب بوصفها "مشاهدة برنامج تلفزيوني"، تمثل العملية ذروة الانحطاط الأخلاقي والسياسي لكيان يثبت يوماً بعد آخر أنه "الشيطان الأكبر" الذي لا يحكمه قانون سوى قانون الغاب والبلطجة الدولية، وهو سجل حافل بالقرصنة عبر تاريخ ملوث بدم الشعوب ونهب مقدراتها
عملية ما أسماها الأمريكي "العزم المطلق" ضد فنزويلا هي في الواقع امتداد لتاريخ نظام أسس على الإرهاب من يومه الأول، وليست عملية وليدة اللحظة بقدر ماهي استدعاء لعقلية إجرامية متجذرة في جوهر السياسة الأمريكية، وكما كشفت مجلة "نيوزويك"، فإن سجل واشنطن حافل بمحطات تثبت أن "أم الإرهاب" كانت دائماً العدو الأول لإرادة الشعوب، وهنا أهم اشهر المحطات التاريخية الواردة من قبيل أن الشيء بالشيء يُذكر:
(مصدق) و(قاسم) في عام 1953، تآمرت "سي آي إيه" لإسقاط القائد الإيراني المنتخب محمد مصدق لمجرد أنه أمَّم النفط؛ وفي 1963 دعمت انقلاباً ضد عبد الكريم قاسم في العراق، هذه الشواهد تؤكد أن مشكلة أمريكا لم تكن في "الديكتاتورية" كما تدعي، بل مع "السيادة" و"الاستقلال الاقتصادي".
سحق الديمقراطيات (آربينز): في غواتيمالا 1954، أطاح الشيطان الأمريكي بالرئيس المنتخب جاكوبو آربينز لأن سياساته الوطنية لم تعجب الشركات الأمريكية، ما يثبت أن ديمقراطية واشنطن هي "ديمقراطية النهب".
الغدر بالعملاء (نورييغا) و(ديم): حتى أولئك الذين خدموا الاستخبارات الأمريكية لم يسلموا من غدرها؛ فمن اغتيال (نغو دينه ديم) في فيتنام إلى غزو بنما واعتقال (مانويل نورييغا) عام 1989، تتضح حقيقة أن أمريكا لا تملك حلفاء ولا تحترم عملاء، وتتعامل معهم -مهما كانت خدماتهم- كأدوات تتخلص منها حين تنتهي صلاحيتها.
كما أن غزو العراق 2003 وتدمير ليبيا 2011 جسد هذا النهج المتوحش المستمر في تنفيذ مشروع الفوضى وعقلية السيطرة والنفوذ المطلق الذي تمارسه أمريكا لضمان تدفق النفط وبقاء الكيان القوة الوحيدة المهيمنة، وهي الأطماع ذاتها التي كشف عنها ترامب اليوم بقوله إن "شركات النفط الأمريكية ستعود إلى فنزويلا".
هذه الواقعة هي سابقة لم يشهدها التاريخ منذ قرون؛ فأن يتم اختطاف رئيس دولة ذات سيادة ومعترف بها دولياً من قبل دولة أخرى، هو في الحقيقة إعلان رسمي عن وفاة القانون الدولي، وكذلك إسقاط فعلي لاتفاقية "وستفاليا" للسيادة، ويمثل انهيار ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945 تحت أقدام جنود المارينز الأمريكي، وتؤكد هذه البلطجة الإرهابية أن العالم اليوم هو خارج نطاق القانون، وأكثر من ذلك أصبح حتى خارج نطاق "النظام الدولي" برمته، حيث تُنتهك "الحصانة الدولية" للرؤساء جهاراً نهاراً، ويتحول البيت الأبيض إلى غرفة عمليات لعصابة دولية تمارس القرصنة باسم "العدالة".
مسارعة الكيان الصهيوني للترحيب باختطاف مادورو هي تعبير عن تحالف وشراكة في المشروع الصهيوني ذاته من الشرق إلى الغرب، ومن آسيا إلى أمريكا اللاتينية، وتناغم في منطق البلطجة، وشرعنة لانتهاك القوانين الدولية والأعراف الإنسانية. هذا التناغم يثبت أن "إسرائيل" وأمريكا هما وجهان لعملة إرهابية واحدة؛ فكلاهما -وهما الإرهابيان- يستخدم توصيفات "الإرهاب" ويختلقان الذرائع ويُعيدان تدويرها لكسر إرادة الشعوب وتهديد الأمم المتحدة ومحاكمها.
أمام هذا التغول الأمريكي، يبرز التساؤل الجوهري: ما العمل؟
التجربة التاريخية والواقع الحالي يثبتان أن المراهنة على المنظمات الدولية أو "الحياد" أو ما يسميها البعض الواقعية السياسية هي مراهنة خاسرة تضع أصحابها في "مهب الأطماع الأمريكية"، وهنا تجلت صوابية ورؤية "المشروع القرآني" الذي انطلق من تشخيص دقيق لخطورة الشيطان الأكبر منذ اليوم الأول.
لقد قدم اليمن مؤخّراً -من خلال مواجهته المباشرة لأمريكا في البحار إسناداً لغزة- النموذج الأنجع لردع هذا الطغيان، ورفع الصوت واليد عالياً في وجه الغطرسة الأمريكية التي لا تقف عند حد، ولا تتأدب وتنكفئ إلا بالقوة. لقد أثبت المقاتل اليمني بوعيه القرآني أن "الهيبة الأمريكية" هي محض وهم يُبدده الإيمان والموقف الصلب المستند إلى رؤية واضحة مستمدة من مشروع قائم بذاته، مستقل وحر وقادر على المواجهة والتعميم، كما أن نجاعة الموقف اليمني في كسر "البلطجة الأمريكية" في البحر الأحمر تقدّم برهاناً قوياً ومشهوداً على أن أمريكا -رغم طائراتها الحديثة وأسلحتها الفتاكة ومنظومتها الاستخباراتية وأقمارها الاصطناعية- هي "أوهن من بيت العنكبوت"، وليست أكثر من قشة حين تواجه رجالاً قرروا التعبئة وقتالها والتصدي لها.
ما حدث في كاراكاس هو رسالة لكل عواصم العالم: إما التعبئة والمواجهة، أو انتظار دورك في "قائمة الاختطاف" الأمريكية، فـ"مبدأ دونرو" -الذي يقوم على التركيز على الفرض المباشر للنفوذ الأمريكي عبر عمليات مثل القبض على قادة مثل مادورو في فنزويلا، و الذي يتباهى به المجرم ترامب- هو في الواقع إعلان صريح عن شكل جديد من أشكال الاستعمار، وبالتالي، وأمام هذا التغوّل الأمريكي والانكشاف الامبريالي، فإن من لا يتخذ موقفاً قتالياً وواضحاً ضد أمريكا اليوم، فهو يمنحها الضوء الأخضر والمبرر الكافي لاستباحة أرضه وثرواته غداً، ولامناص من التعامل مع حقيقة أن الخيار الوحيد لحماية السيادة والكرامة هو اتباع نهج المقاومة والمواجهة الشاملة، وهو النهج الذي أثبتت التجربة اليمنية أنه الوحيد القادر على لجم "الشيطان الأكبر"، وإيقاف مسلسل إرهابه الدولي الذي يستهدف البشرية جمعاء.