أنصار الله. تقرير
في ربوع الجغرافيا اليمينة الصامدة، حيث تتماهى الجبال مع إرادة البقاء، يتجاوز المشهد الزراعي في مديرية ملحان بمحافظة المحويت حدود الفلاحة التقليدية ليتحول إلى جبهة اقتصادية مفتوحة، تترجم بدقة متناهية توجهات القيادة الثورية ممثلة بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الذي يكرر في خطاباته التأكيد على أن "الاهتمام بالزراعة كركيزة أساسية للاقتصاد الوطني هو ضرورة قصوى لكسر الحصار وتحقيق السيادة"، مشدداً في إحدى موجهاته على أن "الاتجاه للزراعة هو تحرك في المسار الصحيح، والاعتماد على النفس في توفير لقمة العيش هو جزء من معركتنا في الاستقلال والحرية".
وهي الرؤية القيادية التي وجدت طريقها نحو التنفيذ العملي عبر استراتيجية "حكومة التغيير والبناء"، التي تقودها وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، حيث انتقلت الوزارة من دور المراقب إلى دور المحرك عبر توطين المنتج المحلي وتحويل التحديات الميدانية إلى فرص استثمارية، وهو ما تجسد في مديرية ملحان التي برزت نموذجاً رياديا في اختراق الهيكل المحصولي التقليدي.
لقد باتت القطاعات الزراعية في اليمن اليوم هي حجر الزاوية في بناء الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا سيما في ظل الاضطرابات التي عصفت بسلاسل الإمداد وتسببت في نزيف العملة الصعبة، الأمر الذي دفع بالقيادة نحو تبني سياسة "المحاصيل البديلة" أو "النقدية" كخيار استراتيجي لا يقبل التأجيل. وفي هذا السياق، صارت تجربة زراعة الكركم (الهِرد) في ملحان إعلاناً اقتصادياً عن نضج الاستراتيجية المؤسسية التي تديرها جمعية ملحان التعاونية الزراعية، بهدف تمكين المجتمعات الريفية وتحويلها من حالة الاستهلاك إلى الإنتاج الفاعل، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي.
لم تبدأ زراعة الكركم في ملحان من فراغ، بل كانت نتيجة لعملية انتقال تقني ومعرفي منظمة بدأت في محافظات يمنية أخرى. تشير البيانات التاريخية القريبة إلى أن عام 2023 كان نقطة تحول مفصلية، حيث نجح مزارعو منطقة بني الحرازي في مديرية الجعفرية بمحافظة ريمة في تدشين حصاد الكركم البلدي والزنجبيل، في تجربة وصفت بأنها "نهضة زراعية تجريبية" لتنويع المحاصيل النادرة. كانت الدوافع وراء هذا التوجه اقتصادية بحتة؛ حيث بلغت فاتورة استيراد اليمن من محاصيل التوابل والمنتجات الطبية المشابهة قرابة 300 مليون دولار في العام الواحد.
أثبتت التجربة في ريمة أن البيئة الجبلية اليمنية الخصبة تمتلك قدرة إنتاجية هائلة، حيث ينتج الكيلوغرام الواحد من شتلات الكركم ما بين 10 إلى 20 كيلوغراماً من المحصول، وهي نسبة تتجاوز بكثير إنتاجية المحاصيل المنافسة مثل الزنجبيل الذي ينتج 4 إلى 5 كيلوغرامات فقط لكل كيلو شتلات. هذا الفارق في العائد البيولوجي جعل الكركم يتصدر قائمة المحاصيل النقدية ذات الجدوى الاقتصادية العالية. ومن محافظة ريمة بدأت عملية نقل الشتلات والخبرات الفنية إلى محافظات المحويت وإب وصعدة، لتجد مديرية ملحان في المحويت نفسها واحدة من أكثر المناطق استجابة لهذه الزراعة الجديدة.
تمثل مديرية ملحان مختبراً طبيعياً متميزاً، حيث تجمع بين تضاريس الجبل والسهل، وهو تنوع يمنحها ميزة نسبية في زراعة المحاصيل الاستوائية وشبه الاستوائية. كما أن مناخ المحويت يمتاز بالاعتدال صيفاً والبرودة شتاءً في المناطق المرتفعة، بينما يسود المناخ الحار صيفاً والمعتدل شتاءً في المناطق السهلية القريبة من تهامة.
تتركز زراعة الكركم في عزل محددة بمديرية ملحان، أبرزها عزل العصافرة، والمعازبة، وبدح. إن نجاح المحصول في هذه المناطق يعود إلى توفر معدلات هطول أمطار كافية، حيث تتراوح الأمطار في المرتفعات الغربية لليمن بين 200 و600 ملم سنوياً. وبما أن الكركم يحتاج إلى رطوبة عالية ودرجات حرارة دافئة خلال موسم النمو، فإن الأمطار الصيفية المستمرة في المحويت تلبي الاحتياجات المائية للنبات دون الحاجة الماسة للري الصناعي المكثف في مراحل النمو الأولى.
تتسم التربة في عزل ملحان بكونها تربة جبلية بكر غنية بالمواد العضوية، وهو ما يفضله الكركم الذي يتطلب تربة جيدة الصرف وذات قوام يسمح بتمدد الريزومات (الجذور الإنتاجية) تحت الأرض. كما أن الارتفاع عن سطح البحر، الذي قد يصل إلى 1200 متر في بعض مناطق الزراعة، يساهم في حماية الأوراق العريضة للنبات من الاحتراق بفعل أشعة الشمس المباشرة الحارة جداً، حيث يفضل الكركم البيئات المظللة جزئياً أو ذات السطوع الشمسي المعتدل.
لا يمكن قراءة قصة نجاح الكركم في ملحان بمعزل عن الدور المؤسسي الذي لعبته جمعية ملحان التعاونية الزراعية متعددة الأغراض. لقد تجاوزت الجمعية الدور التقليدي للمؤسسات التعاونية، لتتحول إلى "ميسر" لكامل سلسلة القيمة، بدءاً من مدخلات الإنتاج، وصولاً إلى الأسواق النهائية.
كان أحد أكبر التحديات التي تواجه المزارعين عند إدخال محاصيل جديدة هو التكلفة المرتفعة للبذور والمخاطرة المرتبطة بفشل المحصول. عالجت جمعية ملحان هذه المعضلة من خلال "نظام القروض البيضاء"، حيث وفرت البذور للمزارعين عبر شراء 5 أطنان من الكركم والزنجبيل وتوزيعها كقروض عينية تُسدد بعد الحصاد. ولضمان استدامة هذا النموذج، قامت الجمعية بتفعيل "الزراعة التعاقدية" بعقود شراء الإنتاج من المزارعين في مناطق مثل "باحش" بعزلة بني مكار، ونتج عن ذلك تسويق أكثر من 10 أطنان في المرحلتين الأولى والثانية، بالإضافة إلى إنشاء "بنك بذور محلي" يضمن توافر المدخلات للمواسم القادمة، ويقلل الاعتماد على البذور الخارجية التي قد لا تتأقلم مع البيئة المحلية. كما اعتمدت الجمعية آلية "المتابعة الميدانية" المستمرة، حيث يقوم "فرسان التنمية" والمهندسون الزراعيون بزيارات دورية للمزارع للتأكد من اتباع الممارسات الزراعية الصحيحة. شملت هذه المتابعة توجيه المزارعين حول مواعيد الري، وعمليات "العزيق" لإزالة الحشائش، ومراقبة الآفات. كما ساهمت الجمعية في تعزيز البنية التحتية المائية، مثل متابعة مبادرات حفر الآبار (بئر شط الصحن نموذجاً) لضمان توفر المياه في فترات الجفاف غير المتوقعة.
تتطلب زراعة الكركم في ملحان دقة متناهية في الإدارة الزراعية نظراً لطول دورة نمو النبات التي تمتد ما بين 9 إلى 10 أشهر. تبدأ الدورة الزراعية عادة في شهري مارس وأبريل، وهو الموعد المثالي الذي يتوافق مع بداية ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.
تبدأ العملية باختيار الريزومات السليمة التي تحتوي على "عيون" أو براعم نشطة. يتم غرس هذه الريزومات على عمق يتراوح بين 2 إلى 5 سم، مع مراعاة عدم الغرس العميق جداً لتجنب تعفن الجذور، أو الغرس السطحي الذي قد يعرض الريزومات للجفاف. يمر الكركم بمرحلة إنبات بطيئة جداً، حيث قد تستغرق النبتة ثلاثة أشهر حتى تظهر فوق سطح التربة، وهي فترة حرجة تتطلب رياًّ منتظماً ومعتدلاً.
خلال فصل النمو الخضري، يحتاج النبات إلى كميات وفيرة من المياه، خاصة في ظل الحرارة الصيفية، حيث يساهم الري بالتنقيط في الحفاظ على رطوبة التربة دون إغراقها، ما يحمي النبات من مرض "عفن الجذور" الفطري. ومع دخول فصل "الصرب" (ما بعد الخريف)، تبدأ عمليات إزالة الحشائش المتأخرة والتحضير للحصاد.
وتكتمل الدورة الحيوية للكركم في شهر يناير، حيث تبدأ الأوراق في الاصفرار والجفاف التدريجي من الأسفل إلى الأعلى، وهي العلامة التي ينتظرها مزارعو ملحان لبدء الحصاد. يتم استخراج الريزومات بعناية، وتخضع لعملية معالجة دقيقة تشمل:
- التنظيف: إزالة التربة والجذور الجانبية الدقيقة.
- السلق (اختياري): يتم في بعض التجارب غلي الكركم لمدة 45 دقيقة لضمان توزيع اللون وتليين الأنسجة قبل التجفيف.
- التجفيف: يتم تقطيع الريزومات إلى دوائر وتجفيفها في الظل أو تحت أشعة الشمس غير المباشرة لضمان بقاء مادة "الكركمين" (C21H20O6) نشطة وفعالة.
- وأخيراً الطحن: بعد الجفاف التام يجري طحن المنتج ليتحول إلى المسحوق الذهبي المعروف برائحته النفاذة وجودته العالية التي تتفوق على المستورد.
يمثل الكركم في ملحان "طوق نجاة" اقتصادياً في ظل تدهور عائدات المحاصيل التقليدية. ويكشف التحليل المالي للمحصول عن أرباح مجزية؛ فالهكتار الواحد يمكن أن ينتج ما بين 20 إلى 25 طناً من الكركم الطازج. وبالنظر إلى تكاليف الإنتاج المنخفضة نسبياً في البيئة اليمنية التي تعتمد على التسميد العضوي والعمالة الأسرية، فإن هامش الربح للمزارع يظل مرتفعاً مقارنة بمحاصيل الحبوب. بالإضافة إلى مساهمة زراعة الكركم في ملحان، وتوسعه في مديريات أخرى مثل "الرجم" و"بني سعد"، في تحقيق هدف استراتيجي للدولة اليمنية وهو "الاكتفاء الذاتي"، لاسيما أن استبدال منتج محلي بجزء من الـ 300 مليون دولار (فاتورة استيراد التوابل) يعني الحفاظ على احتياطيات العملة الصعبة ودعم الريال اليمني الذي شهد انخفاضاً حاداً في قيمته الشرائية.
وتعد زراعة الكركم منافساً قوياً لزراعة القات من الناحية الاقتصادية المستدامة. فبينما يستهلك القات كميات هائلة من المياه الجوفية ويؤثر سلباً على الإنتاجية القومية والصحة العامة، يمثل الكركم محصولاً "صديقاً للبيئة" ذا فوائد طبية وغذائية عالمية، كما أنه يفتح آفاقاً للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والدولية التي تشهد طلباً متزايداً على الكركم العضوي.
نمو الرقعة الزراعية في محافظة المحويت
تشير البيانات الميدانية والمسوحات التي أجرتها الجمعيات الزراعية بالتعاون مع الاتحاد التعاوني الزراعي إلى توسع مطرد في أعداد المزارعين والمساحات المزروعة. في مديرية الرجم شمل المسح الزراعي الأخير 290 مزارعاً استعدوا لتبني زراعة الكركم، موزعين على عزلتي العزكي (170 مزارعاً) والروحاني (120 مزارعاً).
في قرية "أعبار الحجر" بمديرية الرجم، تم تخصيص مساحة تقدر بـ 100 لبنة كتجربة أولية مدعومة من جمعيتي ملحان والرجم. أما في ملحان نفسها، فقد تجاوزت كميات التسويق عشرة أطنان، مع توقعات بتضاعف المحصول في المواسم القادمة نتيجة توفير 5 أطنان من البذور الجديدة للمزارعين. هذا النمو الرأسي (زيادة الإنتاجية) والأفقي (زيادة المساحة) يعكس نجاح النموذج التعاوني في تحويل "التجربة" إلى "ظاهرة زراعية".
على الرغم من النجاحات، تواجه تجربة ملحان تحديات طبيعية وهيكلية تتطلب يقظة مستمرة تبدأ بالتغيرات المناخية: تؤدي السيول المفاجئة أحياناً إلى جرف التربة في المدرجات الجبلية، بينما قد يؤدي الجفاف المفاجئ في أواخر الموسم إلى صغر حجم الريزومات. مروراً بالآفات والأمراض، لاسيما مع بروز "سوسة ساق الكركم" و"المن" كتهديدات حشرية، بينما يظل "عفن الجذور" الناتج عن الرطوبة الزائدة أو سوء الصرف هو التحدي الفطري الأبرز. فالمنافسة مع المستورد؛ إذ يواجه المنتج المحلي منافسة سعرية من الكركم المستورد (الهندي أو الصيني) الذي قد يكون أقل سعراً نتيجة الإنتاج الضخم، ما يتطلب استراتيجيات تسويقية تبرز جودة "الكركم البلدي" وفوائده الصحية الفائقة.
واخيراً، البنية التحتية للتصنيع، حيث لا تزال عمليات التجفيف والطحن تعتمد على ممارسات تقليدية أو منزلية، ما قد يؤدي إلى تفاوت في جودة المنتج النهائي. هناك حاجة ماسة لوحدات تجفيف مركزية وطواحين حديثة تابعة للجمعية لضمان توحيد المواصفات الفنية.
تتماشى جهود جمعية ملحان مع "استراتيجية الأمن الغذائي 2024-2030" التي تهدف إلى تعزيز قدرة الأسر اليمنية على إنتاج وحصاد وتسويق الغذاء محلياً. تتضمن الرؤية المستقبلية لمحصول الكركم في المحويت -حسب تقارير الجمعيات التعاونية والاتحاد التعاوني الزراعي- المحاور التالية: توطين التكنولوجيا الزراعية: إدخال أنظمة الري بالتنقيط الموفرة للمياه، وتعميم استخدام الأسمدة الحيوية لإنتاج كركم عضوي بالكامل. والتوسع في الزراعة التعاقدية: توسيع قاعدة المزارعين المتعاقدين لتشمل كافة عزل مديرية ملحان والمديريات المجاورة، لضمان استقرار العرض في الأسواق المحلية. وبناء العلامة التجارية من خلال تسويق "كركم ملحان" كعلامة تجارية وطنية تمتاز بالجودة العالية، وتستهدف ليس فقط محلات العطارة، بل أيضاً شركات الأدوية ومستحضرات التجميل المحلية التي تعتمد على مادة الكركمين في صناعاتها. واخيراً، وضع سقف زمني لا يتجاوز خمس سنوات للوصول إلى مرحلة التوقف عن استيراد الكركم الخام، والبدء في تصدير الفائض إلى الدول المجاورة (مثل الأردن التي تستورد حالياً حوالي 1000 طن سنوياً).
تعد تجربة زراعة الكركم في مديرية ملحان بمحافظة المحويت قصة نجاح تتجاوز أبعادُها حدود الحقل الزراعي؛ فهي تمثل انتصاراً للنهج التعاوني في مواجهة الأزمات الاقتصادية. لقد استطاع المزارع اليمني -بدعم من جمعية ملحان والاتحاد التعاوني الزراعي- أن يثبت قدرته على ابتكار حلول إنتاجية تخفف من حدة الفقر وتدعم الاقتصاد الوطني.
تؤكد المعطيات أن الكركم (الهِرد) قد تحول بالفعل من مجرد تجربة زراعية إلى "محصول واعد" يمتلك كافة مقومات الاستدامة. إن استمرار دعم هذا المسار عبر توفير القروض البيضاء، والمتابعة الميدانية، وتطوير سلاسل التسويق، سيفضي حتماً إلى تحويل المحويت إلى مركز إقليمي لإنتاج التوابل والمحاصيل الطبية، ما يساهم في تحقيق النهضة الزراعية المنشودة لليمن.
يتطلب المستقبل تضافر الجهود بين السلطة المحلية، والجمعيات التعاونية، والقطاع الخاص، للاستثمار في وحدات التصنيع الغذائي والدوائي المرتبطة بالكركم، لضمان تعظيم العائد الاقتصادي من كل غرام ينتج في مدرجات ملحان الخصبة، وتحويل "الذهب الأصفر" إلى ركيزة أساسية للأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية اليمنية.