موقع أنصار الله . تقرير | وديع العبسي
غرقت أمريكا في الغطرسة والكِبر والوهم، وامتهنت اللعب بالأوراق بالتزامن مع تفعيل التدليس الإعلامي لتقنع نفسها والآخرين بأنها الأقدر والأجدر بأن تُتبع. ولما صارت هي والوهم حالة واحدة، وأيقنت أن العالم يتماهى مع كل ما يصدر من شخصيتها المفتعلة، بدأت تبني حساباتها وفق هذه القاعدة.
عقدٌ من الزمن ظهر فيه اليمن كما ينبغي أن يكون، كان كافياً لأن يكشف زيف كل الحسابات وهشاشتها وعُقمها عندما عزم الأمريكي التهور واختبار قدراته وإحياء مكانته الوحشية في عقليات العالم بالعدوان على اليمن. وابتداءً من التخطيط التفصيلي للمعركة إلى مستوى تحديد عدد القنابل والطلعات الجوية للطائرات المقاتلة والصواريخ، ومزامنة ذلك بحصار "خسيس"، وانتهاءً بمواجهة العامين خلال العدوان البربري للكيان الإسرائيلي وقتله نساءً وأطفالاً ومدنيين في غزة، كانت الغطرسة دافع رسم الخطوط ووضع الحسابات، لتصير -فجأة- وبالاً عليه، أغرقته في مياه العرب على أيدي اليمنيين، وأحرجت مكانته.
وخلال عدوان الثماني العجاف على التحالف لتحقيق الأهداف كانت الأحداث والمعطيات التي تسبب بها الثبات والصمود اليمني تدفع أمريكا بين اللحظة والأخرى لاستحداث طرائق جديدة في التضييق والتنكيل بالشعب اليمني بعد اكتشاف أن ما سبق وضعه من مخططات لم تؤدِّ إلى النتائج المحددة.
مثّل اتفاق خفض التصعيد منقذاً لأمريكا بعد أن استهلكت كل قدراتها الإبداعية في وضع التكتيكات لقتل النساء والأطفال والعمال والبدو الرحل، وسرقة مرتبات الموظفين وخلق أزمات المشتقات النفطية.
بقي الرهان الأمريكي على الحصار لتيئيس المجتمع اليمني من مواجهة البلطجة الأمريكية، ولإيقاف هذا الصعود الإعجازي للقوة اليمنية. صعّدت في الحصار، وفي حالات الانفراج كانت -ومن خلال لجان الأمم المتحدة- لا تسمح إلا بالقليل من احتياجات الشعب اليمني بالدخول إلى البلاد، بزعم أن القوات اليمنية تستفيد من بعض المواد في التصنيع العسكري، ورغم ما يعنيه ذلك من إقرار بالقدرات اليمنية على التصنيع، إلا أنه كشف عن الصلف المبكر لمنع اليمن من أن يكون له سلاح سواء صناعة محلية أو خارجية.
مع ذلك مثلت هذه النقطة تراجعاً إلى الوراء، وهي التي "أزعجت" فضاءات العالم بصراخها وعويلها، تشكو وتتهم طهران بتهريب السلاح إلى صنعاء. استمرت أمريكا في لعب دور الأب الروحي والموجّه لتحالف العدوان وصاحب القرار الأول والأخير في كل تفاصيل عمله ضد اليمن، مع مراقبة مدى التأثير الذي يمكن أن يولّده الحصار خصوصاً في جانب امتلاك السلاح.
خلال العدوان وفيما كانت مئات الغارات تلقي صواريخها وقنابلها على اليمنيين، تمكنت قوات اليمن بصورة إعجازية من صناعة تحولات عسكرية كانت مؤثرة رغم بساطتها، فوصل التأثير إلى إجبار قوى العدوان للجنوح إلى التهدئة وطلب الهدنة، ما لم.. فإن المصالح الأمريكية والاقتصاد السعودي كان مهدداً بالتوقف عن ضخ الأموال. لحظتها ظل الحصار الورقة المتاحة لإعادة هذه التحولات المقلقة إلى نقطة الصفر، وقطع الطريق أمام اليمنيين للاستمرار في هذه الوتيرة المتسارعة لصناعة أسلحتهم.
وبعد كل هذا الاجتهاد والاشتغال مع الشيطان لإضعاف شعب بقصد السيطرة عليه كان من الطبيعي أن تصدم المفاجأةُ أولئك المخططين، ومن يزعمون قدرتهم الخارقة على فهم متطلبات هزيمة شعب، إذ أثبتت عمليات "الفتح الموعود والجهاد المقدس" الإسنادية للشعب الفلسطيني أن الغطرسة الأمريكية قد خذلت أرباب الدهاء العسكري، وظهر أن الحصار قد لعب دوراً عكسياً، فما شهده العالم في معركة الإسناد فاق كل التوقعات.
اليمن المحاصر لم يُثبت فقط عدم جدوائية هذا الحصار، وإنما أيضاً -وهو الأصل- أثبت أن العقلية الأمريكية، التي ابتدعت هذا الإجراء، هي محدودة القدرات لا تمتلك من عوامل التكتيك وضمان النصر إلا السلاح فقط، بينما تفتقر لأي دهاء عسكري أو سياسي. وخلال كل عمليات البلطجة التي مارستها ضد العالم واليمن، لم يكن في المخطط والتنفيذ أي دهاء بقدر ما اقتصر الأمر على استخدام ما تسمى بالأسلحة الذكية في هذه العمليات.
قُبيل خفض التصعيد مع المعتدين من قوى التحالف الأمريكي السعودي كان اليمن يمتلك القدرة التي صار عليها لإنتاج أجيال مختلفة من الأسلحة البسيطة، مع ذلك أزعجت تلك القدرات غرف العباقرة الأمريكيين ليخرجوا برؤية مفادها أنه -من أجل إيقاف اليمن عن مواصلة توجهه للتصنيع العسكري- لابد من خفض التصعيد أولاً ومواصلة الحصار، لأن استمرار المعركة يعني تمكين اليمنيين من اختبار قدرات ما صنعوه من السلاح، وبالتالي استفادتهم من أي ثغرات أو سلبيات. وخفض التصعيد أيضاً يعني أن القوات اليمنية لن تستخدم ما أنتجته، بالتالي لن تكون مضطرة للذهاب إلى إنتاج المزيد وتطويره، واستمرار الحصار يعني تآكل ما توفر وقتل المعنويات المستنفرة وتثبيط النفوس الثائرة في اليمن.
هكذا كانت الاجتهادات تؤكد مستوى القصور والخلل الذي تعاني منه العقلية الأمريكية ورهانها المستفحل على نزعة الغطرسة والغرور لإقناع الذات ومحاولة إقناع الآخرين بصوابية التوجه.
اليمن اليوم يكاد يكون هو الأقوى في المنطقة، بالقياس سواء بجرأة التوجه إلى التصنيع وهو أمر مُحرّم على الدول العربية والإسلامية، أو امتلاك أسلحة نوعية أثبتت قدرتها على قطع المسافات الطويلة وتجاوز كل طبقات التعقب وسواتر الحماية في مواجهة الطواغيت الصهاينة.
قبل الحصار صنع اليمن السلاح، وبعد الحصار أصبح الإنجاز استراتيجياً ومذهلاً. وورقة الحصار التي تهدف إلى التضييق على الشعوب وعدم تمكينها من امتلاك السلاح مورست لسنوات على الجمهورية الإسلامية، فمثّلت النموذج الأول في تحويل هذه الورقة الأمريكية إلى أضحوكة ومادة للسخرية، وقد صارت دافعاً لامتلاك الأسلحة وبالتقنية عالية المستوى بعد أن تصور حديثو الظهور بأنها الورقة الحاسمة لتدمير "العدو".
منذ رئاسة المجرم "ترامب" الأولى مروراً بـ"بايدن" وعودة المعتوه "ترامب"، ثلاث فترات رئاسية أمريكية وعِدّة فرق من المخططين و"المهلوسين"، كانوا يتفقون على أن حصار الأحرار اليمنيين سيحبط طموحهم لامتلاك السلاح. حساباتهم اقتصرت على مسألة الشراء، فكانت النتيجة أن اليمن قد صنع كل حاجته من السلاح من الطلقة إلى الصاروخ وبتقنية حديثة، ورسخ في المجتمع اليمني عقيدة الاعتماد على الذات. وطالما أنه قد بدأ هذا التوجه فإنه من المستحيل إعادته للوراء والاعتماد على ما تنتجه دول الاستعمار والاستكبار.