موقع أنصارالله _ محمد ناصر حتروش
تمر الذكرى السنوية الأولى لرحيل سيد شهداء الأمة، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، لتؤكد أن الشخصيات الاستثنائية لا تغادر المشهد بمواراة أجسادها الثرى، إنما تزداد حضوراً وتأثيراً في وجدان الجماهير وموازين الصراع.
ومنذ مواراة الشمس ولحظة التشييع التاريخية التي غصّت بها شوارع بيروت، تحول هذا التاريخ إلى محطة فاصلة في الوعي الجمعي العربي والإسلامي، متجاوزاً حدود الجغرافيا اللبنانية ليصبح أيقونة عالمية للتحرر.
ويأتي استحضار المناسبة في توقيت إقليمي شديد التعقيد، حيث يواصل العدو الإسرائيلي عدوانه الإجرامي على لبنان وفلسطين، محاولاً كسر إرادة البيئة المقاومة التي صاغ نصر الله وجدانها على مدى عقود، إلا أن ردود الفعل الشعبية والنخب الإعلامية والسياسية في العالم العربي، من يمن الصمود مروراً بقاهرة الإباء إلى بغداد الصمود وصولاً إلى عرين المقاومة في لبنان، تُجمع على أن الرهان على غياب الأثر هو رهان خاسر.
وتؤكد الشهادات الواردة من القيادات الإعلامية والنشطاء أن السيد نصر الله ترك مدرسة في البصيرة، وصاغ معادلة كرامة جعلت من الشعوب المستضعفة قوة لا يُستهان بها في ميزان الردع العالمي، مؤكدين أن دماءه باتت الوقود الذي يغذي عروق الأمة نحو حتمية النصر الموعود.
وفي الذكرى السنوية الأولى لتشييع الشهيدين السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، يؤكد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن مشهد التشييع التاريخي جسّد مبايعة شعبية وتجديداً للعهد باستمرارية المقاومة وترميم قدراتها.
ويشدد على أن دلالات التشييع السياسية تثبت تلاحم القيادة والمجاهدين والشعب، مشدداً على أن المقاومة العقائدية لا تُهزم رغم التضحيات والتآمر. وفي بُعد شخصي، استذكر رفيق دربه السيد نصر الله، مؤكدا أنه الجبل الشامخ. وتعهد لجمهور المقاومة بالمضي في معركة "أولي البأس" بجهوزية تامة حتى تحقيق النصر أو الشهادة، مؤكداً "الأرض لنا وحقنا في الدفاع مشروع ولا محل للهزيمة".
في السياق، يؤكد مدير اتحاد الإذاعات والتلفزيون في اليمن الأستاذ جلال الصلول، أن أهمية الذكرى السنوية لتشييع سيد الإسلام والإنسانية تنبع من الرمزية العميقة التي اكتسبها ذلك المشهد التاريخي، وما تضمنه من دلالات سياسية تجاوزت حدود الجغرافيا والزمن.
وفي حديثه لموقع أنصارالله، يوضح الصلول أن توقيت إحياء هذه المناسبة اليوم، وسط تصاعد العدوان الإسرائيلي والتهديدات المتواصلة، يكتسب أهمية بالغة لتأكيد صلابة الحاضنة الشعبية للمقاومة. ويشدد على أن الحضور الجماهيري الواسع أرسل رسالة واضحة للخصوم في الداخل والخارج بأن الرهان على كسر هذه الحاضنة هو رهان خاسر، وأن العلاقة بين القيادة والجمهور تتجاوز الحسابات الظرفية والضغوط السياسية، لتبقى صورة التشييع محفورة في الوعي العالمي كعلامة فارقة في مسار الشعوب.
وتعقيباً على ذلك، تبرز القراءة الإعلامية لهذا الحدث كأداة لترسيخ "الصورة الذهنية" للانتصار؛ فالتغطية الواسعة والتمسك بإحياء الذكرى كفعل مقاوم يواجه الماكينة الإعلامية المعادية التي حاولت تصوير رحيل القائد كبداية للنهاية، ويجسد صمود المؤسسات الإعلامية المقاومة رؤية جلال الصلول في أن القيم التي جسدها السيد نصر الله أصبحت مؤسسات عابرة للأشخاص، قادرة على إدارة المعركة الإعلامية والسياسية بذات الكفاءة التي أدار بها القائد خطاباته التاريخية.

وفي سياق متصل، يصف الناشط الإعلامي العراقي ضياء الدراجي ذكرى التشييع بأنها استفتاء شعبي على نهج وخط وقضية، معتبراً نصر الله مدرسة في الثبات ورمزاً لم يعرف المساومة حين اشتد الحصار وتكالبت الأمم.
ويؤكد -في حديثه لموقع أنصارالله- أن هذه الذكرى محطة لتجديد البصيرة. مؤكداً أن الصدق مع الناس كان سر الالتفاف حول القيادة، وأن نصر الله سيبقى حاضراً في كل موقف شرف ودفاع عن الأرض والكرامة.

من جانبه، يضيف الناشط الإعلامي العراقي ليث جعفر بعداً أممياً للشهيد، مؤكدا أنه أيقونة التحرر لكل أحرار العالم.
ويؤكد جعفر -في حديثه لموقع أنصارالله- أن إحياء ذكراه يضخ دماءً جديدة في عروق الأمة لتستشرف مستقبلاً تقوده زعامات ترفض الانصياع للاستعمار أو التطبيع، مشدداً على أن نصر الله دشن بداية النهاية للعروش التي ترى بقاءها في التبعية، مستنداً إلى مقولته التاريخية "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت" كركيزة لعصر جديد يحكمه الأحرار.
ويعكس التلاحم العراقي مع سيرة السيد نصر الله بوضوح وحدة الساحات الوجدانية قبل العسكرية؛ فالمواقف الصادرة من بغداد تعكس عمق الأثر الذي تركه "أبو هادي" في صناعة جيل عراقي لا يرى في المقاومة خياراً محلياً فحسب، بل هوية قومية وإسلامية شاملة. ويمثل خطاب الدراجي وجعفر نبض الشارع العراقي الذي يرى في نصر الله امتداداً لثورة الإمام الحسين، وهو ما يجعل ذكراه محركاً فعلياً للوعي السياسي الرافض للهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

ومن مصر، يؤكد الناشط الإعلامي أشرف ماضي أن الحزن خيّم على محبي "أبي هادي" من أقصى مصر إلى أقصاها، مؤكدا أن السيد نصر الله القيمة والقامة التي رسخت معنى النضال الحقيقي.
ويلفت ماضي -في حديث خاص لموقع أنصارالله- إلى أن حجم المتفجرات التي استُخدمت في اغتياله يعكس رعباً صهيونياً من رجل كان يمثل دولة بأكملها، مشيداً ببصيرته الاستشرافية التي حذرت من الجماعات التكفيرية في سوريا، وتوقعت دور اليمن ك،"رمانة ميزان" في المنطقة، وهو ما نراه اليوم بأعيننا من صمود يمني وتفكك للمشاريع المشبوهة.
وتكسر القراءة المصرية التي يقدمها ماضي حواجز الحصار الإعلامي، لتثبت أن فكر نصر الله تغلغل في النخبة والشارع المصري كونه عبّر عن كرامة العربي المفقودة.
ويعد الإجماع حول السيد نصر الله دليلاً دامغاً على صدق تنبؤاته السياسية، خاصة في ما يتعلق بملفات سوريا واليمن، ما يمنحه صفة "القائد الاستراتيجي" الذي لم تخدعه المظاهر، وظل يقرأ الأحداث بعين اليقين، ما جعل كلماته "كالرصاص" في صدور المطبعين والمنبطحين.

أما في لبنان، فتقول الناشطة الإعلامية ماجدة الموسوي إن الأيام ظلت ظلماء بعد فقد السيد، لكنها مشحونة بالصمود والبصيرة.
وتؤكد الموسوي -في حديث خاص لموقع أنصارالله- أن البيوت التي تهدم، والأرزاق التي تُحرق، لم تزد أبناء المقاومة إلا تمسكاً بوصية الشهيد الأقدس، مشددة على أن الانتصار يُقاس بحجم الهدف المركزي لا بعدد الضحايا، وأن أبناء "العرين" يحتفظون بغضبهم ليوم الثأر الموعود، ثابتين كالجبال خلف قيادتهم الحكيمة.

ختاماً، يظهر هذا الحشد من التصريحات والشهادات أن شهيد الإسلام والإنسانية السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) قد انتقل من كونه قائداً لحزب أو جبهة، ليصبح فكرةً، والأفكار لا تموت بحد السيف أو بقوة القنابل.
وتعد الذكرى الأولى لرحيله وتشييعه محطة إحياء للأمة برمتها، واسترداداً لثقتها بنفسها في مواجهة أعتى ترسانة عسكرية عالمية، لاسيما أن الشهيد نصر الله قد نجح في غرس ثقافة الصبر والبصيرة التي تحدثت عنها ماجدة الموسوي، ورسخ مفهوم السيادة الحقيقية الذي نادى به ضياء الدراجي وليث جعفر، وأثبت صدقية القائد التاريخي التي حللها أشرف ماضي، وثبّت الحاضنة الشعبية كدرع حصين كما يؤكده جلال الصلول اليوم، حيث تبدو المقاومة أكثر إصراراً على استكمال الطريق، مستلهمةً من وهج الشهيد الذي لن يخبو عبر الأجيال قوةً تدفعها نحو يوم تشهد له الدنيا على عظيم بأسها.
وتبقى دماء شهيد الإنسانية السيد حسن نصر الله الضمان الأكيد بأن المستقبل لن يكون للمطبعين أو المنبطحين، بل للأحرار الذين آمنوا بأن الكرامة تُنتزع ولا تُستجدى، وأن غياب الجسد هو مجرد ولادة جديدة لروحٍ ستقود معركة التحرير الكبرى من علياء شهادتها.