موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي
كم مرةً سقط القناع منذ بدءِ حربِ الطوفانِ، كاشفاً عن عمق الصراع وعن جذورهِ العقدية وعقدِه التاريخية؟ لكن هذه المرة، لم يكن السقوط تدريجياً أو خافتاً، بل كان انهياراً مدوياً لكل أوهام "الحياد الأمريكي" و"الوساطة النزيهة" و"حل الدولتين" الذي طالما استُخدم كـ"بنج" موضعيٍ لتخديرِ الضميرِ العالمي، ولتمرير التطبيع وتمديد الأوهام الحالمة بالسلام
تصريحات السفير الأمريكي لدى كيان العدو مايك هاكابي (القس المعمداني السابق) في مقابلةٍ مع الإعلامي اليميني المحافظ تاكر كارلسون، هي بالفعل إعلان صريح بأن "أرض إسرائيل" تمتدُ من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق وسوريا، وأنه "سيكون من الجيد" لو استولت عليها كلها. وهي كذلك تمثل انكشافاً كاملاً لطبيعة المشروع الاستعماري التوسعي الذي تدعمه الإدارة الأمريكية، لا خلف الأبواب المغلقة، بل على الملأ، بلسانٍ دبلوماسيٍ رفيعٍ لا يخشى المحاسبة.
مايك هاكابي -المعيّن شخصياً من الرئيس دونالد ترامب- يحملُ ختْمَ الدولةِ العظمى فوقَ سترةِ الواعظِ التوراتي، يلتقي بالصحفي الأمريكي في مطار بن غوريون، وفي لحظةٍ تاريخيةٍ، لا ليقول ما يرسم حدوداً للسلام، بل هو يبشرَ بـ "مملكةِ الخرافة" التي تمتدُ عبر حدودٍ جغرافيةٍ وتاريخيةٍ تُنهي وجود دولٍ بأكملها.
حين سُئلَ عن أحقيةِ الصهاينة في أراضٍ عربيةٍ، لم يتردد سفير الولايات المتحدة في استدعاء أساطيرَ غابرةٍ ليشرعنَ بها مملكة الصهاينة عابراً على الأعراف الدبلوماسية وسيادة الدول وحقوق الشعوب، ومعبّراً -بلا هوادة- عن معتقد النخبة الأمريكية الحاكمة التي تعمل على تحقيق ما يقوله هاكابي ويعبر عما تسعى إليه. قال بلغةٍ أمريكية مستعلية: "قرأت سفر التكوين، الآية 15، أن إبراهيم تلقى وحياً من الله… من الفرات إلى النيل، هذا يشمل تقريباً كل الشرق الأوسط"، ويضيف "لا بأس إن سيطروا عليها".
بالفعل لم يُبقِ السفير الأمريكي شيئاً لـ بنغفير وسموتيرتيش ليقولاه. كما وصفت ذلك صحيفة هآرتس بمقال رأي بدى أقوى من كثير من مواقف الإعلام العربي: ماذا تركتَ لكهاننا وبن غفير يا هاكبي؟
نداء للسيسي وبن سلمان والشام: اخرجوا من أرضنا
بثقة مستندة إلى معتقد يدين به تحدث ها كابي عن حلفاءِ واشنطن ومواليها من المطبعين في المنطقةِ كأنهم مستأجِرون طارئون على أرضِ "الوعدِ المزعوم"، ضارباً عرضَ الحائطِ بكلِ أدبياتِ "حلِ الدولتين" التي طالما استُخدمتْ كـ"بنجٍ" موضعيٍ لتخديرِ الضميرِ العالمي.
إذا كان هاكابي يمثل التيار اليميني المتطرف في الإدارة الأمريكية، فماذا عن "المعارضة" الإسرائيلية؟ دخل على الخط زعيم المعارضة يائير لبيد، ليكشف أن الخلاف ليس على الغايات التي يُجمع الصهاينة على ضرورة تحقيقها، ففي مؤتمرٍ صحافيٍ مباشر سُئل زعيم المعارضة الصهيونية لبيد: "هل تدعم سيطرة إسرائيلية على المنطقة من النيل إلى الفرات؟" فأجاب بلا مواربة: "لدي جدال على المستوى الكتابي حول ما كانت عليه الحدود الأصلية لأرض إسرائيل... أنا أدعم أي شيء يسمح لليهود بأرض واسعة وقوية وملاذ آمن".
وعندما سئل: "حتى العراق؟"، أجاب: "النقاش يتعلق بالأمن... بعيداً عن الاعتبارات العملية، أعتقد أن حقوقنا وحدودنا المفترضة على أرض "إسرائيل" هو الكتاب المقدس، وبالتالي فإن الحدود هي حدود الكتاب المقدس".
وهي تصريحات أكدت -من جديد- عدم وجود معارضة صهيونية حقيقية في كيان تجمعهم جيمعاً الخرافة الدينية والاساطير التوراتية. هناك فقط تفاوتٌ في درجة التوسع، واختلافٌ في سرعة التنفيذ الصهيونية بناءً على "الكتاب المقدس"، والتفويض "كتابي"، والحدود "التوراتية" واضحةٌ للجميع.
ليس المشهد مجرد فلتةٍ لسانٍ من دبلوماسيٍ متطرف، بقدر ما هو تجسيدٌ لانهيارٍ منهجيٍ للمنظومة الأخلاقية الغربية التي اختطتفها اليوم الصهيونية وأنزلتها أحط الدركات التي لم يسبق لحضارة إنسانية أن هوت فيها من قبل، مع مفارقة أنها – أي الحضارة الغربية- طالما تغنت بـ"حقوق الإنسان" و"سيادة القانون الدولي" و"حل النزاعات سلمياً"، وأقامت حروباً وأسقطت أنظمة وحاربت دولاً وشعوباً باسمها
هاكابي -وهو يشير إلى علم الولايات المتحدة على صدره قائلاً "إنه علمي. إنه العلم الذي أخدمه"- يكشف عن هويةٍ مزدوجةٍ انصهرت في بوتقةٍ واحدة: الهوية الإمبريالية والهوية الصهيونية، ولذا ليس عبثاً موقف تاكر كارلسون، المذيع اليميني نفسه، حين قال: "هذا الشخص لا يمثل بلادي، بل يمثل إسرائيل".
الأخطر من كل هذا الذي يحصل اليوم أمام الجميع دون غطاء ولا مواربة هو الصمت الرسمي الأمريكي الذي استمر لأيام، وحين ارتفعت أصواتُ الإدانة ووتيرة الجدل داخل الإعلام الأمريكي بدأت السياسة الخارجية تبرر وتتذرع لسفيرها القس الصهيوني أكثر من اليهود أنفسهم، لكن المفارقة تبقى أقوى؛ فكيف يكون سفيرٌ في منصبٍ رفيعٍ يعبر عن "وجهات نظر شخصية" -كما ذكرت في تبريرها الخارجية الأمريكية- تتعارض مع سياسة بلاده الرسمية، دون أن يُستدعى أو يُعزل؟
أمام هذه الوقاحةِ الصهيونيةِ بلسانٍ أمريكيٍ فصيح، ينبطح الموقفُ العربيُّ الرسميُّ، منتكساً في منطقةِ رمادية مصدرةً بضع بيانات خجولة تُصاغُ بمفرداتِ "القلق" و"الاستنكار" و"الاستهجان"، في وقتٍ يُعلنُ فيه حاميهم أنه حراميهم.
صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية -في لحظةٍ نادرةٍ من الصراحة- تساءلت: "ماذا تركتَ لكهاننا وبن غفير يا هاكابي؟"، فيما الإعلام العربي الرسمي ما زال يتعامل مع الأمر كأنه "هفوةٌ" أو "مبالغةٌ" يمكن تداركها بالـ"حوار البناء".
لقد أعلن السفير الأمريكي -بلسانٍ لا يحتمل التأويل- أن سيادة الدول العربية ليست سوى "حبرٍ على ورقٍ"، وأن الحدود التي ترسمها الأعراف الدولية مجردُ "إجراءات شكلية" بما فيها تلك التي تفصل بين "الحليف" و"العدو".
يُدركون أن "التطبيع" الذي دفعوا ثمنه بمليارات الدولارات وبيع القضية الفلسطينية، لم يُغيرْ في العقلية الصهيونية المؤدلجة شيئاً، بل زادها طمعاً ووقاحة وجرأة؟
ما يحدث اليوم هو كشفٌ نهائيٌ لطبيعة المشروع الأمريكي-الصهيوني في المنطقة، مشروعٌ لا يعترف بالحدود الجغرافية، ولا بحقوق الشعوب، ولا بقرارات الشرعية الدولية، بل يستند إلى "وعدٍ إلهيٍ" مزعومٍ لشعبٍ "مختارٍ" على حساب شعوبٍ بأكملها.
هاكابي وبقية الصهاينة من واشنطن إلى الكيان مروراً بعواصم الغرب الصهيونية والعرب المتصهينين، يتحدثون بلغةٍ واحدة بأبجديات لغة السطو المقدس، والاستيلاء المشروع، والتوسع الضروري، والعالم العربي، بدلاً من أن يستفيد من درسٍ تاريخيٍ واضحٍ، ما زال يراهن على "ضبط النفس" و"الحكمة" والدبلوماسية و"عدم الانزلاق إلى المواجهة" رغم أنه قد تبدّى للجميع أن المواجهة حتمية وقد تأخرت، فحين يعلن السفير الأمريكي أن أرضك ليست أرضك، وأن سيادتك مجرد إذنٍ مؤقتٍ من "الوعد الإلهي"، فإن الصمت خيانةً والاستنكار البروتوكولي ليس دبلوماسيةً، بل استسلام مسبق.
وإذا كان السفير الأمريكي يتجرأ على قول هذا الكلام على الملأ، فماذا يُخططون له في الغرف المغلقة؟
المؤكّد أن الصهيونية تتغذّى اليوم من صمت الأعراب وتتقوى من ضعفهم، تقابل إداناتهم البروتوكولية بتصريحات توراتية واضحة ومكشوفة، فحين يفعل الصهاينة اليوم ما يريدون ويقولون بلا مواربة، فمتى يُدرك العرب أن شريكة الصهاينة يستحيل أن تكونَ حليفتهم؟