موقع أنصار الله – محمد ناصر حتروش
تتصدر مضامين الخطاب الأخير للسيد القائد عبدالملك الحوثي في الذكرى السنوية للصرخة في وجه المستكبرين، المشهد السياسي، بوضعه النقاط على الحروف في مرحلة هي الأكثر تعقيداً من تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي. ويأتي الخطاب ليعيد تعريف القيم والثوابت الدينية والأخلاقية، منتقداً حالة الشلل الأخلاقي والقانوني التي تعتري غالبية البيئات العربية، محذراً من خطورة الاستبدال بالهوية الجهادية والإيمانية صمتاً يرتقي لدرجة التواطؤ والتخاذل والتنصل عن المسؤولية.
وتكمن أهمية الخطاب في كونه يتجاوز توصيف الواقع، ليقدم "الصرخة في وجه المستكبرين" كاستراتيجية وعي متكاملة في مواجهة مشاريع الأمركة والتطبيع التي تحاول ابتلاع المنطقة. وبينما يكشف السيد القائد عن أرقام مروعة تعكس حجم المأساة في غزة، حيث تُذبح المرأة الفلسطينية بسلاح أمريكي كل نصف ساعة، يُظهر الخطاب زيف الديمقراطية الغربية ويسقط قناع "الوسيط" عن وجه الإدارة الأمريكية.
في السياق، يجمع ناشطون وسياسيون عرب على أن خطاب السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي في الذكرى السنوية للصرخة يعد بياناً توعوياً للأمة الإسلامية لليقظة والحذر من المخططات الصهيونية، والاستقلال من الهيمنة الغربية، مؤكدين أن خطاب السيد القائد -يحفظه الله- يتجاوز الجغرافيا اليمنية ليخاطب وجدان كل حر في العالم، ويؤكدون أن التحصين الداخلي للأمة يبدأ من البراءة من أعدائها، وأن أي رهان على الخارج هو رهان على سراب سيؤدي بالضرورة إلى تبعية مهينة وتحلل وطني وقومي لا تحمد عقباه.
يرى الناشط السياسي العماني، أحمد اليحمدي، أن خطاب السيد القائد يضع الإصبع على جرحٍ غائر، منتقداً بشدة لجوء بعض الأنظمة لتجريم التضامن مع غزة، ولو عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وفي حديثه لموقع "أنصار الله" يؤكد اليحمدي أن تحويل شعارات مناهضة الاحتلال إلى تهم يعاقب عليها القانون يمثل انتكاسة سياسية كبرى تعكس حالة من الارتهان الذي يتجاوز السيادة ليضرب الهوية الإسلامية في مقتل.
ويحذر اليحمدي المطبعين والانهزاميين من أن مراهناتهم على نيل الرفعة عبر بوابة الانبطاح هي مقامرة خاسرة لن تجلب لأوطانهم إلا الوبال والخزي التاريخي، مشدداً على أن ما يسطره هؤلاء من مواقف سلبية سيمثل وصمة عار تلاحق أجيالهم القادمة. ويشير إلى أن الحرية السياسية في المنطقة العربية تصبح في خطر حقيقي حين يصبح التعاطف مع المقاومة تهمة، وهو ما اعتبره اليحمدي نتيجة لغدر هذه الأنظمة بقضايا الأمة الكبرى، مؤكداً أن التاريخ لن يرحم من سولت لهم أنفسهم خذلان غزة في أحلك ظروفها.

وفي ظل هذا القمع الذي يطال الكلمة الحرة في غالبية دول العالم، يبرز دور الأمريكي كلاعب أساسي لا كوسيط، حيث تتعمق الفجوة بين الخطاب الحقوقي الغربي وبين صواريخ أمريكا التي تحصد أرواح الأبرياء في غزة، الأمر الذي يفضح الدور الحقيقي الذي تلعبه واشنطن في السماح للكيان الصهيوني بارتكاب المجازر المروعة بحق الفلسطينيين.
وحول هذا الشأن، يؤكد الناشط السياسي المصري، السيد شبل، أن الرهان على الدور الأمريكي هو ضرب من البلاهة السياسية وقصور حاد في الوعي والبصيرة أمام ما يجري من أحداث في المنطقة.
وفي حديثه لموقع "أنصار الله" يقول السيد شبل: "تورط الأمريكي في دعم الكيان الصهيوني بالأسلحة والعتاد والذخيرة لقتل الفلسطينيين يسقط شرعية واشنطن كوسيط بين المقاومة الفلسطينية وكيان العدو الإسرائيلي"، معتبراً أن كيان الاحتلال الإسرائيلي جزء أصيل من الأمريكان، حيث يمثل الكيان "الولاية الأمريكية الحادية والخمسين".
ويرى أن استخدام "الفيتو" الأمريكي خمس مرات متتالية لمنع وقف إطلاق النار في غزة يثبت أن البيت الأبيض هو غرفة العمليات الحقيقية للعدوان على فلسطين وليس مجرد داعم. ويخلص شبل إلى أن محاولة الفصل بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية هي "ضلال استراتيجي"، فواشنطن منخرطة في القتال بالبندقية والصاروخ ميدانياً، وبالتضليل الدبلوماسي دولياً، ما يجعلها طرفاً أصيلاً في كل قطرة دم تسيل في غزة، ولا يمكن بأي حال قبولها كطرف محايد يسعى للسلام أو يمارس ضغوطاً حقيقية على ربيبتها "إسرائيل".

ومع سقوط أقنعة الوساطة الدولية، تبرز الحاجة الملحّة لامتلاك الأمة الإسلامية سلاح الوعي والموقف الذي يمثله مشروع الصرخة، كخيار وحيد لإخراج الشعوب من حالة الذهول والتبعية إلى حالة الفعل والتأثير الميداني والسياسي، لإعادة رسم معادلات القوة والكرامة.
وحول هذا الشأن، تعتبر الناشطة السياسية والإعلامية الفلسطينية، عريب أبو صالحة، الصرخة نهجاً إيمانياً وعملياً يتجاوز كونه شعاراً لفظياً، مؤكدة أنها تمثل السد المنيع في وجه محور الانبطاح والتطبيع. وفي حديثها لموقع "أنصار الله" ترى أبو صالحة أن هتاف الصرخة بصوتها المرتفع وقبضة يدها المرفوعة يرمز للقوة والثقة، وهي أداة للتحشيد النفسي والجهادي ضد أعداء الأمة، موضحة أن هذا المشروع الذي أطلقه الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي من مران عام 2002م، قد أصبح اليوم "عالمياً" يتردد صداه لدى كل أحرار العالم الذين يرفضون الهيمنة الأمريكية والصهيونية.
وتؤكد أبو صالحة أن الصرخة تمكنت من إعادة تعريف من هو العدو الحقيقي للأمة الإسلامية، بعيداً عن التشويش الرسمي، مشيرة إلى أن تأثيرها الجهادي يتنامى كفعل مقاوم يكسر حالة الصمت والخذلان، ويحمي الشعوب من الانزلاق في مشاريع العدو التي تستهدف كيان الأمة ووجودها، ما يجعلها صرخة للحرية في وجه الاستبداد العالمي.
.jpg)
ويمكننا القول إن خطاب الذكرى السنوية للصرخة يمثل خارطة طريق فكرية وسياسية للأمة، تتجاوز السرديات السطحية لتغوص في عمق الصراع الوجودي؛ فتكامل الرؤى بين النشطاء والسياسيين العرب حول مضامين هذا الخطاب يؤكد أن الوعي الذي زرعه المشروع القرآني قد آتى أكله، محولاً "الصرخة" من موقف محلي إلى ظاهرة عالمية تقض مضاجع المستكبرين.
وأمام الأحداث والمستجدات الراهنة، يظل الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما انحياز كامل لخيار المقاومة والكرامة، وإما سقوط في مستنقع الصهيونية والتبعية العمياء للغرب الذي لن يورث إلا الخسران. وتبقى دماء النساء والأطفال في غزة، المسفوكة بسلاح أمريكي وتواطؤ دولي، هي البرهان الساطع على صدقية المنهج القرآني الذي كشف زيف الديموقراطيات الغربية وهشاشة الأنظمة المطبعة.