موقع أنصار الله . تقرير

في زمان بلغ فيه الصراع مع اليهود الصهاينة وأذنابهم من الأمريكيين ذروته، تصبح الأمة المسلمة في أمس الحاجة إلى وعي منبثق من هدى الله وثقافة قرآنية أصيلة فهذه الثقافة وحدها تزخر بالوعي العالي والبصيرة النافذة، التي من خلالها يمكن للأمة أن تعرف عدوها على حقيقته، وتستكشف مؤامراته وأهدافه العامة، كما تمكنها من إدراك طبيعة الواقع الراهن، وتحديد الموقف الصحيح الذي ينبغي أن تتحرك على أساسه، فضلاً عن استيعاب المسؤولية الدينية التي تقتضيها طاعة الله سبحانه وتعالى. إن العودة إلى القرآن الكريم بعيدة عن أن تكون ترفاً فكرياً، وإنما هي في الأساس ضرورة؛ لأن الأمة إن لم تخرج من وضعها المهين والمتخلف عن طريق التمسك بالقرآن، فستبقى أسيرة دوامة التخبط والضياع والتبعية.

حقيقة العدو من منظور قرآني وسورة الإسراء نموذجاً

يقدم القرآن الكريم رؤية واضحة لا لبس فيها عن بني إسرائيل، وهي رؤية تؤسس لموقف حازم لا يقبل المساومة. في سورة الإسراء، نجد الآيات المباركة التي بين الله فيها عتو وطغيان بني إسرائيل، حيث أخبر أن عنوانهم الرئيسي هو الإفساد في الأرض والعلو الكبير، وذلك في قوله تعالى: "وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا". وهذا الإفساد شامل لجميع المجالات: السياسية والاقتصادية والأخلاقية والعسكرية. ومع ذلك، فقد اقترن الإخبار بهذه الحقيقة بالوعيد الإلهي بزوالهم، حيث قال: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا" ثم قال في الآية الأخرى: "وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا". فالنتيجة المؤكدة من هذه النصوص أن كيانهم قائم على الاستكبار والطغيان والإفساد، وأن ممارساتهم منذ بداية احتلالهم لفلسطين وحتى يومنا هذا هي إجرام وإبادة وتدمير للمقدسات وتهجير، مما يجعل الرؤية الصحيحة أن هؤلاء لا يمكن لأي تطبيع أو حلول سلمية وهمية معهم أو اعتراف بهم كأمر واقع يمكن التأقلم معه أن تكون حلولا مجدية.

إن الخلل الجسيم الذي وقع فيه كثير من الحكام والأنظمة والنخب، هو حينما نظرت إليهم على أنهم مجرد بشر يمكن التفاهم معهم، متجاهلة الشواهد الدامغة المستمدة من أقوالهم وسياساتهم وأعمالهم وثقافتهم ومعتقداتهم، والتي تؤكد أنهم ليسوا من أهل السلام ولا يريدونه إطلاقاً، بل بني أمرهم على الاحتلال والطغيان والإبادة لهذه الأمة والسيطرة على مقدراتها وطمس هويتها.

واقع الأمة الخاطئ في التعامل مع العدو

بدلاً من أن تتعامل الأمة مع هذا العدو وفق هدى القرآن، وقعت في أخطاء جسيمة متعددة فمنهم من انحاز إلى التنصل التام عن المسؤولية في مواجهتهم والفتك بهم، مرسخاً حالة اليأس والاستسلام في النفوس، ومنهم من تبنى الرؤى الخاطئة والظلامية والمنحرفة، وذهب آخرون إلى حد الاستهانة بالعدو واعتباره لا يمثل خطرا، متعاملين مع القضية الفلسطينية وكأنها مجرد نزاع حدودي أو لجوء، لا صراع وجودي يمس الدين والدنيا. والأدهى من ذلك أن الأمة تعاملت مع هذا العدو بعيداً عن القرآن وتعليماته، فلم يدرس معظم الأكاديميين والسياسيين والعلماء الموضوع بجدية ومسؤولية، وبدلاً من ذلك اكتفوا بمواقف ارتجالية وقرارات حاسمة مبنية على مزاج شخصي أو إعلام مضلل، بل إن كثيراً من المفاهيم التي يتلقاها الناس هي في الأصل تسريبات يهودية وأفكار منتجة لتضليل الأمة حتى في موقفها من العدو نفسه، وذلك لأن اليهود يهتمون غاية الاهتمام باحتواء ردود الفعل تجاه مؤامراتهم.

لماذا القرآن الكريم هو الحل الوحيد والأسباب الموجبة لذلك

عندما نطرح السؤال المنطقي: لماذا نعود إلى القرآن الكريم بالذات في مواجهة هذا الواقع المأزوم؟ فإن الإجابة تتأسس على عدة حقائق جوهرية لا يمكن تجاهلها.

أولاً: لأن القرآن هو المصدر الوحيد الموثوق به مطلقاً، إذ الله هو الخالق القيوم، المدبر لشؤون السماوات والأرض، المطلع على كل شيء، فلا تخفى عليه خافية من أحوال عباده.

ثانياً: لأن الله أرحم بنا من أي رؤية أو فكر بشري، فهو الأنصح لنا والأعلم بمصالحنا.

ثالثاً: لأن القرآن يقدم لنا حقائق لا تتخلف وليس مجرد تحليلات أو اجتهادات قابلة للخطأ، بل هو كلام من لا يخطئ ويعلم الغيب والشهادة.

رابعاً: لأن الله أعلم بأعدائنا من أي جهاز استخباراتي أو محلل سياسي، وقد قال جل شأنه: "وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ".

خامساً: لأننا في الأساس عبيد لله، والله هو المدبر لشؤوننا، ونحن لا نملك أن نختار منهجاً يخالف هدى ربنا.

وسادساً والأهم: لأن الله ليس مستشاراً يقدم الرؤية ثم يغادر، بل هو مدبر يقف مع من يسير على منهجه، فيمن عليه بالرعاية والتوفيق والتسديد والنصر والتأييد، كما قال تعالى: "إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ". إضافة إلى ذلك كله، فإن القرآن يهدي للتي هي أقوم، أي أرقى رؤية وأكملها وأنجحها في كل مجال، كما يهدي إلى الأداء الأقوم، أي إلى أفضل طريقة لتنفيذ تلك الرؤية بأرقى مستوى.

آليتا الاستفادة من تعاليم القرآن: الإصغاء بتفهم والعلاقة الوثيقة

لا بد من آليتين فعالتين للاستفادة الآلية الأولى هي الإصغاء إلى القرآن الكريم بتفهم، وذلك بأن نُصغي جيداً ونتدبر، حتى لو سمعنا الآيات مراراً وتكراراً، فلا استغناء للإنسان عن المزيد من الاستيعاب والترسيخ، لأن الفهم السطحي والسماع الروتيني لا يكفي، إذ تتبدد المفاهيم من الذهن في وقت الحاجة أمام الدعايات والشائعات والمستجدات.

أما الآلية الثانية فهي جعل العلاقة بهدى الله علاقة وثيقة، راسخة في الإيمان والوعي والإدراك، مستمرة ومتجددة، حتى يمتد أثرها إلى واقعنا بشكل واسع، فتخرجنا من الفوضى والاضطراب إلى الانضباط والوضوح.

ماذا يقدم القرآن بالتحديد من رؤى ومزايا

لقد أتت الآية القرآنية في سورة الإسراء لتحسم المسألة: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ"، بصيغة التأكيد "إن" ليكون على ثقة تامة من ذلك. والمعنى أن القرآن يقدم أرقى رؤية وأكملها، يستقيم بها الموقف وتستقيم الحياة، وهو يهدي إلى الأداء الأقوم كذلك، أي إلى طريقة التنفيذ بأفضل صورة. فمثلاً حينما يهدينا إلى التوحد والاعتصام بحبل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يهدينا في نفس الوقت إلى كيفية تحقيق ذلك التوحد والأخوة الإيمانية بأكمل طريقة. وهذا يضمن أن يكون أداؤنا العملي راقياً، بعيداً عن الأخطاء الناتجة عن ضعف الوعي أو عدم الاستيعاب. وليس هذا فقط، بل إن الله سبحانه -إذ هو القيوم الحيّ الذي يدبر شؤوننا- لا يتركنا بعد تقديم الهداية، بل يمن علينا برعايته في الواقع العملي عبر هداية الإلهام والتوفيق والتسديد، ويشملنا بأشكال الرعاية كالمعونة والنصر وإمداد السكينة في القلوب.

محفزات الالتزام بالقرآن والمكاسب الكبرى

لكي لا يتردد الإنسان، يعرض الله محفزات عظيمة ومزايا لا مثيل لها. ففي الدنيا يحظى المؤمن بالعزة والكرامة والنصر والسكينة، كما قال تعالى: "وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ"، وقال: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ". وفي الآخرة ينتظره الأجر الكبير، قال تعالى: "وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا"، ذلك الأجر الذي يشمل الثواب على كل نصب ومخمصة وكل خطوة يقطعها المؤمن في سبيل الله. وفي مقابل هذا، فإن أي رؤية أخرى مباينة للقرآن ليست لها هذه النتائج ولا هذه المحفزات، بل هي مرتبطة بالشيطان ونهايتها الخسران الأبدي وجهنم والعياذ بالله. ولذلك لا يوجد أي مبرر للتنكر لنعمة الهداية القرآنية، لأن من يرفض الأهدى والأقوم إنما يقبل برؤى ناقصة قاصرة مغلوطة، ينتج عنها تمكين الظلم والطغيان والفساد في الأرض.

ثمرة الاهتداء بالقرآن: تغيير النفوس والسلوك والمواقف

إذا التزمت الأمة بالقرآن، فإن الثمرة العظيمة ستتجلى في ثلاثة مستويات متكاملة تنقل الأمة نقلة نوعية من حالة الضعة والهوان والضياع والشتات والانحطاط النفسي الذي يقبل بهيمنة اليهود وعبوديتهم، إلى مستوى من العزة والكرامة.

 المستوى الأول: تغيير النفوس، حيث يزكي القرآن النفوس ويطهرها من الشوائب السيئة كالأنانية والضعة، وتصبح النفس زاكية صافية نقية، تهيأ وتؤهل لتؤدي دوراً عظيماً في الحياة، فتكون من القوم الذين قال الله فيهم: "فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ"، وهذا هو التغيير الذي أشارت إليه الآية: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ".

المستوى الثاني: تغيير السلوك، حيث تصبح التصرفات والأعمال مضبوطة بالضوابط القرآنية، ويتحرر الإنسان من المزاجية ومن التأثر بالصياغات الشيطانية، ويحمل نور الله ورؤيته في كل تصرف بدلاً من التقديرات الخاطئة.

المستوى الثالث: تغيير المواقف، فتصير مواقف الأمة حكيمة مضبوطة بضوابط القرآن، وتتحول الأمة إلى أمة منضبطة تماماً، ذات رؤية واضحة وأولويات مرسومة من الله، لا تعرف الفوضى ولا التباينات الفظيعة في الآراء، وعند استجداد أي حادث لا يذهب كل واحد ورأيه على مزاجه ، بل يعودون فوراً إلى الرؤية القرآنية. وهذه المواصفات تجعل من الأمة نموذجاً متفرداً، بعيداً عن حالة الاضطراب التي يعاني منها العرب والمسلمون عموماً.

عواقب عدم الالتزام بهدى الله

في مقابل هذه الثمار، هناك عواقب وخيمة لمن يتنكر لهذه النعمة الكبرى ويبتعد عنها. على المستوى النفسي، تعيش الأمة حالة اضطراب رهيبة وشعوراً بالضياع والشتات والانحطاط. وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي، تظهر تباينات فظيعة في الآراء والمواقف والتوجهات، وفوضى فكرية يعيشها الجميع، فيتمكن الظالمون والطغاة واليهود من الأمة.

وعلى المستوى الأخروي، تكون العاقبة سوء الخاتمة وجهنم والعياذ بالله. وقد حذر الله من تبسيط التعامل مع القضايا الكبرى، فإن كثيراً من الناس يتعامل مع الصراع مع اليهود كأمر بسيط، يكفي فيه أي رأي يسمعه في مجلس أو قناة، وهذا الاستبساط هو بعينه الكارثة التي تجعل الإنسان خاسراً دون أن يشعر، والله قد أقام الحجة على عباده بأن أنزل كتاباً مفصلاً على علم، فلا عذر لأحد يوم القيامة.

 ضرورة العودة إلى القرآن

إن المسألة ليست اختيارية ترفيهية، بل هي مسألة حياة أو موت للأمة. أمامنا طريقان لا ثالث لهما: إما الاهتداء بالقرآن الكريم، والإصغاء إليه بتفهم، واتخاذه منهجاً وثيقاً، فنحظى بالعزة والنصر في الدنيا والأجر الكبير في الآخرة، وإما الإعراض عنه والاكتفاء بالآراء البشرية القاصرة أو الاستسلام للأعداء، فتكون النتيجة تمكين الباطل والجبروت وفي الآخرة جهنم.

 لقد حان الوقت لأن نحسم أمرنا، ونقول كما قال شهيد القرآن: ألسنا بحاجة إلى أقوم طريقة في مواجهة العدو، وأقوم طريقة لأن نكون عليها في الحياة؟ فلنعُد جميعاً إلى القرآن، ولنتخذ منه قائداً ونوراً، ولنكن أمة منضبطة ذات رؤية واضحة، تتحرك وفق أولويات حكيمة، لا تلتفت إلى الوراء. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.