موقع أنصار الله – متابعات – 1 صفر 1448هـ
أعرب "مركز غزة لحقوق الإنسان"، اليوم الأربعاء، عن بالغ قلقه واستهجانه إزاء استمرار سلطات كيان العدو الصهيوني في انتهاج سياسة وصفها بـ"التعسفية"، تقوم على منع مواطنين فلسطينيين من العودة إلى قطاع غزة، بينهم نساء وأطفال ومرضى وكبار في السن، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعكس توجهاً متصاعداً لتقييد حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم ومكان سكنهم، وتعميق حالة التشتت الأسري، وفرض وقائع تهدف إلى تكريس التهجير القسري.
وقال المركز، في بيان"، إنه تلقى خلال الأسابيع الأخيرة عدداً متزايداً من الشهادات التي تفيد بمنع سكان من قطاع غزة من العودة إليه، بعد إخضاع أسمائهم لما يسمى بـ"الرفض الأمني" من قبل سلطات الكيان الغاصب، رغم استكمالهم الإجراءات المطلوبة.
وأوضح المركز أن آلية العودة الحالية تفرض على الفلسطينيين تسجيل أسمائهم لدى السفارة الفلسطينية في القاهرة أو عبر شركة تنسيق خاصة، قبل عرضها على سلطات العدو الصهيوني لإجراء فحص أمني ومنح الموافقات، وهي عملية قد تستغرق أياماً أو أسابيع، فيما تنتهي في كثير من الحالات برفض غير مبرر ودون إبداء أسباب أو توفير أي مسار قانوني فعّال للطعن في القرار.
وأكد أن المعطيات التي وثقها تشير إلى أن قرارات المنع تتكرر بصورة مفاجئة، وتطال نساء وأطفالاً ومسنين، الأمر الذي يحول حق العودة إلى الوطن من حق أصيل تكفله القوانين الدولية إلى امتياز خاضع للإرادة المنفردة لسلطات العدو الصهيوني.
ووثق المركز حالات لنساء ما زلن عالقات خارج قطاع غزة منذ أشهر أو سنوات بعد منعهن من العودة للالتحاق بأزواجهن وأطفالهن، إلى جانب مرضى أنهوا برامج علاجهم في الخارج لكنهم بقوا محرومين من العودة إلى وطنهم، في ظل أوضاع إنسانية ونفسية وصفها بـ"البالغة القسوة".
ونقل المركز شهادة المواطنة (م. م) البالغة من العمر 34 عاماً، والتي قالت إنها غادرت القطاع لتلقي العلاج بعد عدة أشهر من الحرب، تاركة زوجها وأغلب أطفالها في غزة، ثم عادت إلى مصر بعد انتهاء رحلة العلاج استعداداً للعودة إلى القطاع، لكنها فوجئت بإبلاغها بأن اسمها غير مسموح له بالعودة.
وأضافت: "كنت أظن أن ساعات فقط تفصلني عن أطفالي، لكن فجأة أبلغوني بأن اسمي غير مسموح له بالعودة.
لا أعرف السبب، أنا في حالة صدمة وقلبي مكسور لأن أطفالي ما زالوا ينتظرونني منذ نحو عامين". كما أورد البيان شهادة المواطنة عائشة (42 عاماً)، التي أوضحت أنها بقيت بعيدة عن زوجها وأبنائها منذ أشهر، وأنها قررت العودة رغم الخطر المستمر في غزة ولمّ شمل أسرتها التي فقدت عدداً من أفرادها، إلا أنها فوجئت أيضاً بمنعها من العودة.
وقالت: "لماذا عودتي إلى بيتي المدمر تحتاج إلى موافقة من كيان العدو؟ أشعر أن حياتنا معلقة بقرار لا نعرف أسبابه ولا موعد تغييره".
وفي شهادة أخرى، نقل المركز عن المواطن عبد العزيز (68 عاماً) قوله إنه غادر قطاع غزة لتلقي العلاج وكان يعتقد أنه سيعود فور انتهائه، إلا أنه فوجئ برفض سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" طلب عودته.
وأضاف: "أكثر ما يؤلمني وحدتي في غربتي وقلقي على أبنائي وأحفادي، أريد أن أعود لنكون معاً في وطننا مهما كان".
وشدد المركز على أن إخضاع الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى قطاع غزة لإجراءات الفحص الأمني الإلزامية، وإجبارهم على التسجيل المسبق وانتظار موافقات سلطات العدو الصهيوني، يمثل انتهاكاً واضحاً لحرية التنقل والحق في العودة إلى الوطن، مؤكداً أن هذه الحقوق الأساسية لا يجوز قانوناً تعليقها على موافقات أمنية أو قرارات إدارية تعسفية.
وأشار إلى أن من يُسمح لهم بالعودة يواجهون بدورهم سلسلة طويلة من الإجراءات الأمنية المعقدة والمهينة، تشمل عمليات تفتيش مطولة، واستجوابات متكررة، ومصادرة مقتنيات شخصية، فضلاً عن توثيق حالات اعتقال لعائدين كانوا يحملون موافقات مسبقة، إضافة إلى تعرض بعضهم، بمن فيهم نساء، للضرب وسوء المعاملة والتهديد والابتزاز أثناء إجراءات العبور.
وأكد المركز أن تراكم هذه الممارسات يكشف عن سياسة "إسرائيلية" ممنهجة تتجاوز الادعاءات الأمنية، وتهدف إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، وإضعاف الروابط الأسرية والاجتماعية، وإخضاع حق العودة لقيود تعسفية، بما ينسجم مع سياسات أوسع ترمي إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في قطاع غزة وفرض التهجير القسري كأمر واقع.
وأضاف أن هذه الإجراءات تشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، محذراً من أن استخدام السيطرة على المعابر وحرية الحركة كوسيلة لمنع الفلسطينيين من العودة إلى أماكن إقامتهم وإطالة أمد فصل الأسر، لا يمكن فصله عن السياسات الصهيونية الرامية إلى تقليص الوجود الفلسطيني في قطاع غزة ودفع السكان إلى البقاء خارج وطنهم أو إعاقتهم عن العودة إليه.
ودعا "مركز غزة لحقوق الإنسان" الأمم المتحدة، و"اللجنة الدولية للصليب الأحمر"، والمقررين الخاصين المعنيين بحقوق الإنسان، إلى جانب المجتمع الدولي، إلى التحرك العاجل لضمان عودة جميع الفلسطينيين العالقين خارج قطاع غزة دون قيد أو شرط، ووضع حد لسياسة المنع التعسفي، وتأمين آليات عبور إنسانية تحترم الكرامة الإنسانية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة بحق المسافرين.
وأكد في ختام بيانه أن الحق في العودة إلى الوطن، وحرية التنقل، ووحدة الأسرة، حقوق غير قابلة للمساومة أو التعليق بإرادة سلطة كيان العدو الصهيوني، مشدداً على أن أي سياسة تهدف إلى منع الفلسطينيين من العودة إلى قطاع غزة أو إبقائهم قسراً خارج أماكن إقامتهم تمثل جزءاً من منظومة أوسع تستهدف فرض التهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، الأمر الذي يستوجب تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الانتهاكات وضمان عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.