موقع أنصار الله. | دراسة. إعداد: أنس القاضي 
مدخل:
تقاس كفاءة القطاع الزراعي بحجم موارده الطبيعية أو باتساع مساحاته المزروعة، لكنه أهم من ذاك بما يحققه من إنتاج، وبقدرته على توفير الغذاء، وتغطية الطلب المحلي، وتوليد فائض يدعم التجارة والنمو الاقتصادي، وتمثل المحاصيل الزراعية والفجوة الغذائية والتجارة الزراعية مؤشرات مباشرة لقياس أداء القاعدة الإنتاجية التي تناولتها الحلقة السابقة، كما تكشف العلاقة بين البنية الزراعية والاقتصاد الوطني، ومدى قدرة الزراعة على التحول من قطاع يستوعب العمالة إلى قطاع يحقق الأمن الغذائي ويعزز الاستقرار الاقتصادي.
الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
 
أولاً: المحاصيل الغذائية والإنتاج الزراعي
تمثل المحاصيل الغذائية المؤشر الأكثر مباشرة لقياس قدرة القطاع الزراعي على أداء وظيفته الاقتصادية، إذ يرتبط حجم إنتاجها بمستوى الأمن الغذائي، وبالطلب على الواردات، وبقدرة الاقتصاد الوطني على توفير الغذاء من موارده الذاتية. ولهذا احتلت الحبوب موقعاً محورياً في الزراعة اليمنية، سواء من حيث المساحات المزروعة أو عدد المزارعين العاملين فيها أو ارتباطها بالاستهلاك اليومي للسكان، وفي مقدمتها القمح والذرة الرفيعة والذرة الشامية والشعير.
وحافظت الحبوب على المرتبة الأولى من حيث المساحة المزروعة طوال السنوات السابقة للعدوان، غير أن نمو الإنتاج لم يواكب نمو الطلب المحلي. فقد بلغ إنتاج الحبوب نحو 496,590 طناً عام 2005 من مساحة بلغت 688,752 هكتاراً ، ثم ارتفع الإنتاج إلى نحو 699,962 طناً عام 2014 من مساحة بلغت 727,069 هكتاراً. وتوضح هذه الأرقام أن الزيادة في المساحات المزروعة لم تقترن بارتفاع مماثل في إنتاجية الأرض، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد على أساليب إنتاج تقليدية، وضعف التحسن في إنتاجية الهكتار مقارنة بما تحقق في كثير من الدول النامية خلال الفترة نفسها.
وتبرز هذه الفجوة بصورة أوضح عند دراسة محصول القمح، الذي يمثل السلعة الغذائية الأكثر استهلاكاً في اليمن. فقد ارتفعت المساحة المزروعة بالقمح من 86,010 هكتارات عام 2005 إلى 117,525 هكتاراً عام 2009م، وارتفع الإنتاج خلال الفترة نفسها من 112,962 طناً إلى 222,129 طناً ، وهو أعلى مستوى بلغه إنتاج القمح قبل العدوان. غير أن هذا التحسن ظل محدوداً قياساً بحجم الاستهلاك الوطني، إذ لم يغط الإنتاج المحلي سوى نحو 7% من احتياجات السوق، بينما جرى توفير نحو 93% من الاستهلاك عبر الاستيراد. وبعد عام 2009م عاد الإنتاج إلى التراجع، فبلغت المساحة المزروعة 111,716 هكتاراً عام 2014، وانخفض الإنتاج إلى 192,215 طناً، بما يعادل انخفاضاً يقارب 13.4% مقارنة بعام 2009م.
ولا تقتصر أهمية هذه المؤشرات على قياس حجم الإنتاج، بل تكشف طبيعة العلاقة بين القطاع الزراعي والاقتصاد الوطني. فالاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد لتوفير معظم احتياجاته من السلعة الغذائية الرئيسة يصبح أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار العالمية، ولاضطرابات التجارة الخارجية، وللضغوط المرتبطة بتوفير النقد الأجنبي. ومن ثم، فإن انخفاض إنتاج القمح لم يكن مسألة تخص القطاع الزراعي وحده، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الميزان التجاري، والاحتياطيات الأجنبية، والاستقرار النقدي، ومستوى الأمن الغذائي.
ولم يكن ضعف الإنتاج محصوراً في القمح، بل شمل عدداً من المحاصيل الغذائية الأخرى. فقد بقي إنتاج الذرة الرفيعة والذرة الشامية والشعير دون المستوى الذي يواكب النمو السكاني، في حين اتجه جزء من الأراضي الزراعية -ولا سيما المروية- إلى محاصيل ذات عائد نقدي أعلى، وهو ما غيّر تدريجياً تركيب المحصولات الزراعية، وبذلك انتقلت المنافسة داخل القطاع الزراعي من منافسة بين المحاصيل الغذائية نفسها إلى منافسة بين إنتاج الغذاء وإنتاج المحاصيل النقدية، وهي مسألة سيكون لها أثر حاسم في تفسير اتساع الفجوة الغذائية خلال السنوات السابقة للعدوان.
وفي المقابل، حققت بعض المحاصيل البستانية أداءً أفضل من الحبوب، ولا سيما الخضروات والفواكه، مستفيدة من ارتفاع قيمتها السوقية وتزايد الطلب المحلي والخارجي عليها، كما احتفظ البن والعسل بمكانتهما ضمن أهم المنتجات الزراعية الموجهة للتصدير، وإن ظلت مساهمتهما في إجمالي الصادرات محدودة قياساً بعائدات النفط. وقد أتاح هذا التنوع للقطاع الزراعي المحافظة على قاعدة إنتاج واسعة، لكنه لم يغير حقيقة أن المحاصيل الغذائية بقيت أقل نمواً من احتياجات السكان، وأن القطاع لم يتمكن من تحقيق مستوى من الإنتاج يكفل تقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية في توفير الغذاء الأساسي، وهو ما قاد إلى اتساع الفجوة الغذائية التي ستتناولها الفقرة التالية.
ثانياً: الفجوة الغذائية والتبعية الغذائية
لا يقاس أداء القطاع الزراعي بحجم إنتاجه وحده، وإنما بقدرته على تلبية الطلب المحلي على الغذاء، ومن هذه الزاوية، واجه الاقتصاد اليمني قبل الحرب اختلالاً متزايداً بين نمو الإنتاج الزراعي ونمو الاستهلاك، إذ ارتفع عدد السكان بمعدلات سريعة، بينما بقي الإنتاج الغذائي ينمو بوتيرة أبطأ، فتوسعت الفجوة بين ما ينتجه الاقتصاد وما يحتاجه المجتمع من السلع الغذائية الأساسية، وأصبح الاستيراد الوسيلة الرئيسة لسد هذا العجز.
ويظهر هذا الاختلال بوضوح في تجارة الحبوب، ولا سيما القمح. فقد بلغ حجم استيراد القمح خلال الفترة (2000–2001) نحو 1.8 مليون طن، في حين لم يتجاوز الإنتاج المحلي سوى جزء محدود من هذا الرقم، كما استورد اليمن في الفترة نفسها نحو 200 ألف طن من الذرة الشامية وأكثر من 250 ألف رأس من الماشية لتلبية احتياجات السوق المحلية. ولم تكن هذه الواردات استجابة لظروف موسمية أو نقص مؤقت في الإنتاج، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من بنية الاقتصاد الغذائي، واستمرت بالاتساع مع تزايد عدد السكان وتراجع معدلات الاكتفاء الذاتي.
وتجاوزت آثار هذه الفجوة الجانب الزراعي إلى مجمل الاقتصاد الوطني؛ فاستيراد الجزء الأكبر من الغذاء ربط الأمن الغذائي بتوافر النقد الأجنبي، وربط استقرار الأسعار المحلية بتقلبات الأسواق العالمية وأسعار النقل وسعر صرف العملة الوطنية. وأصبحت قدرة المجتمع على الحصول على الغذاء تعتمد بدرجة متزايدة على عائدات النفط وتحويلات المغتربين ومصادر النقد الأجنبي الأخرى، أكثر من اعتمادها على الإنتاج الزراعي المحلي. وبهذا انتقلت قضية الغذاء من مجال الإنتاج إلى مجال التمويل، وهو تحول ترك آثاراً عميقة في طبيعة الاقتصاد اليمني قبل الحرب.
كما أعادت الفجوة الغذائية تشكيل أولويات التجارة الخارجية. فبينما بقيت الصادرات الزراعية تتراوح بين 3% و5% من إجمالي الصادرات، استحوذت الواردات الزراعية على ما بين 15% و20% من إجمالي الواردات، وشكلت الحبوب والزيوت والسكر ومنتجات الألبان الجزء الأكبر من فاتورة الاستيراد الغذائي. ويكشف هذا التفاوت أن التجارة الزراعية لم تعد أداة لتصريف الفائض المحلي، بل أصبحت في المقام الأول وسيلة لتغطية العجز في الإنتاج الوطني، الأمر الذي زاد الضغط على ميزان المدفوعات، ورفع درجة انكشاف الاقتصاد اليمني أمام الأسواق الخارجية.
ولم تكن هذه الفجوة نتيجة حتمية لمحدودية الموارد الطبيعية، إذ أظهرت الدراسات الرسمية أن رفع متوسط إنتاجية الهكتار وتحسين كفاءة استخدام المياه واستصلاح مساحات جديدة وإعادة توجيه جزء من الأراضي المروية نحو المحاصيل الغذائية كان من شأنه تقليص جزء مهم من العجز الغذائي. فقد قدرت وزارة الزراعة أن رفع متوسط إنتاجية القمح إلى نحو طنين للهكتار، وهو مستوى قريب من المتوسط العالمي سيؤدي إلى مضاعفة الإنتاج المحلي دون الحاجة إلى مضاعفة المساحات المزروعة، كما أن تحسين إدارة الموارد المائية كان سيزيد القدرة الإنتاجية للأراضي القائمة. وتشير هذه المعطيات إلى أن اتساع الفجوة الغذائية ارتبط بحدود السياسات الزراعية والاستثمار في القطاع، بالقدر نفسه الذي ارتبط فيه بقيود الموارد الطبيعية.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، مثلت الفجوة الغذائية أحد أبرز مظاهر التحول الذي شهده الاقتصاد اليمني خلال العقود السابقة للحرب. فالقطاع الزراعي استمر في استيعاب نسبة مرتفعة من القوى العاملة، لكنه فقد -تدريجياً- قدرته على توفير السلعة الغذائية الأساسية للسوق المحلية، بينما تولى الاستيراد سد جانب متزايد من الطلب الداخلي، ونتيجة لذلك لم يعد الأمن الغذائي مرتبطاً بإنتاج الأرض اليمنية وحدها، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بحركة التجارة الخارجية وتدفقات النقد الأجنبي وتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما أضفى على الغذاء بعداً اقتصادياً واستراتيجياً تجاوز حدود القطاع الزراعي نفسه، ومهّد لتشكل علاقة تبعية غذائية ستتضح بصورة أكبر عند تناول التجارة الزراعية في الفرع التالي.
ثالثاً: التجارة الزراعية
تمثل التجارة الزراعية الحلقة التي تنتقل عبرها المنتجات الزراعية من دائرة الإنتاج إلى دائرة التداول والاستهلاك، كما تعد مؤشراً على قدرة القطاع الزراعي على توليد فائض اقتصادي يتجاوز حاجات المنتجين المباشرة. وكلما ارتفعت مساهمة الصادرات الزراعية في التجارة الخارجية، واتسعت الصناعات والخدمات المرتبطة بها، ازدادت مساهمة الزراعة في تكوين الدخل القومي وتوفير النقد الأجنبي. أما عندما تتحول التجارة الزراعية إلى قناة رئيسة لاستيراد الغذاء، فإنها تعكس محدودية الإنتاج المحلي، واتساع الفجوة بين قدرات الاقتصاد الزراعي واحتياجات المجتمع.
قبل العدوان اتسمت التجارة الزراعية اليمنية بازدواجية واضحة؛ فمن جهة احتفظت بعض المنتجات الزراعية اليمنية بحضورها في الأسواق الخارجية، وفي مقدمتها البن والعسل والأسماك والخضروات والفواكه، ومن جهة أخرى أصبحت الواردات الغذائية أكبر كثيراً من الصادرات الزراعية. فقد تراوحت مساهمة الصادرات الزراعية بين 3% و5% فقط من إجمالي الصادرات، في حين استحوذت الواردات الزراعية على ما بين 15% و20% من إجمالي الواردات، الأمر الذي جعل الميزان التجاري الزراعي يسجل عجزاً مستمراً خلال السنوات السابقة للحرب. ويكشف هذا الخلل أن التجارة الزراعية لم تعد تقوم على تصدير فائض الإنتاج المحلي واستيراد السلع غير المنتجة داخلياً، بل أصبحت تؤدي وظيفة معاكسة، إذ اتجه الجزء الأكبر من الإنفاق الخارجي إلى استيراد السلع الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها القمح والدقيق والزيوت والسكر والأرز، وهي سلع تدخل مباشرة في الاستهلاك اليومي للسكان. ونتيجة لذلك ارتبط الأمن الغذائي بسلامة سلاسل الاستيراد، وتوافر النقد الأجنبي، واستقرار أسعار النقل والشحن أكثر من ارتباطه بقدرة القطاع الزراعي المحلي على تلبية الطلب الداخلي. كما حدّت طبيعة الإنتاج الزراعي من قدرة الصادرات على التوسع. فغالبية الحيازات الزراعية الصغيرة كانت تنتج كميات محدودة ومتفاوتة الجودة، في حين بقيت عمليات الفرز والتعبئة والتخزين والتسويق ضعيفة، ولم تتطور الصناعات الزراعية التحويلية بالقدر الذي يسمح بزيادة القيمة المضافة للمنتجات قبل تصديرها. وأدى ذلك إلى استمرار تصدير جزء كبير من المنتجات الزراعية في صورتها الأولية، مع بقاء العائد الاقتصادي أقل من الإمكانات التي يتيحها القطاع.
وبرز البن اليمني مثالاً واضحاً على هذه المفارقة. فرغم المكانة التاريخية التي احتلها في التجارة العالمية، وما يتمتع به من جودة وسمعة تجارية، ظلت مساهمته في إجمالي الصادرات محدودة نتيجة تقلص المساحات المزروعة، وانخفاض الإنتاج، وضعف الاستثمار في إعادة تأهيل هذا المحصول وتطوير سلاسل إنتاجه وتسويقه. ولم يكن تراجع البن مجرد تحول في تركيب الصادرات الزراعية، بل عكس أيضاً انتقال جزء من الموارد الزراعية إلى محاصيل أكثر ربحية في السوق المحلية، وفي مقدمتها القات، وهو تحول غيّر تدريجياً أولويات الاستثمار الزراعي وهيكل الإنتاج.
وانعكس ضعف التجارة الزراعية كذلك على التنمية الريفية. فكلما انخفضت قدرة المنتجات المحلية على الوصول إلى الأسواق الخارجية، أو حتى إلى الأسواق الداخلية بكفاءة، تراجع العائد الذي يحصل عليه المنتج الزراعي، وانخفضت قدرته على إعادة الاستثمار في مزرعته، الأمر الذي أدى إلى استمرار الحلقة نفسها من انخفاض الإنتاجية وضعف الدخل وتواضع الاستثمار. ومن ثم أصبحت التجارة الزراعية جزءاً من البنية الاقتصادية التي أعادت إنتاج ضعف القطاع الزراعي، بدلاً من أن تكون أداة لتوسيع إنتاجه وزيادة مساهمته في النمو الاقتصادي.
وهكذا دخل القطاع الزراعي السنوات السابقة للحرب وهو يجمع بين قاعدة إنتاج واسعة نسبياً، وعجز متزايد عن تلبية الطلب المحلي، وميزان تجاري زراعي يميل بصورة واضحة لصالح الواردات. ولم يكن هذا الوضع نتيجة اختلالات تجارية معزولة، بل كان تعبيراً عن تحولات أعمق شهدتها البنية الزراعية نفسها، وفي مقدمتها تغير تركيب المحصولات، وتراجع الاستثمار الزراعي، واتساع زراعة القات، وهي التحولات التي تتناولها الحلقة التالية.
خاتمة:
ارتبط مستوى الإنتاج الزراعي قبل الحرب بحدود القاعدة الإنتاجية التي تناولتها الحلقة السابقة، كما ارتبط بالسياسات الاقتصادية التي وجهت الاستثمار واستخدام الموارد داخل القطاع الزراعي. وقد أظهرت مؤشرات الإنتاج، والفجوة الغذائية، والتجارة الزراعية اتساع المسافة بين قدرة الزراعة على استيعاب القوى العاملة، وقدرتها على تلبية احتياجات السوق المحلية، الأمر الذي جعل الأمن الغذائي أكثر ارتباطاً بالواردات وتدفقات النقد الأجنبي. ولم يكن هذا المسار نتيجة تراجع الإنتاج وحده، بل جاء في سياق تحولات أعمق مست تركيب القطاع الزراعي نفسه، وأعادت توزيع الأرض والمياه والاستثمار بين المحاصيل، وهي التحولات التي تتناولها الحلقة التالية.