موقع أنصار الله . تقرير
في تطور لافت أعاد رسم معالم الصراع مع العدو السعودي، نفذت القوات المسلحة اليمنية مساء الاثنين عملية عسكرية نوعية ضد مطار أبها الدولي جنوب المملكة السعودية، رداً على عدوان سعودي استهدف مطار صنعاء الدولي منهياً بذلك هدنة خفض التصعيد التي استمرت أربع سنوات.
مثلت هذه العملية نقلة استراتيجية في مسار المواجهة، متجاوزة حدود الرد العسكري المباشر إلى فرض معادلات ردع شاملة تطال قطاعات حيوية في العمق السعودي، وفي مقدمتها قطاع الطيران المدني الذي يعد أحد أكثر القطاعات حساسية للرياض وتوجهاتها الاقتصادية والسياحية.
هكذا يبدو المشهد فالعدوان على اليمن كلفته كبيرة، وسياسة الحصار الجوي التي فرضتها السعودية طوال أحد عشر عاماً باتت خيوطها بيد صنعاء. فمع استهداف مطار صنعاء الدولي جاءت الضربة اليمنية على مطار أبها لتعلن انتقال المواجهة إلى مرحلة مختلفة، أصبح فيها أمن الملاحة الجوية السعودية مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بقرار رفع الحصار عن اليمن، في معادلة تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك برمتها.
أظهرت بيانات موقع "فلايت رادار" المتخصص بتتبع الرحلات الجوية، يوم الأربعاء، تراجعاً شبه كامل في حركة الطيران بالمطارات الجنوبية المحاذية لليمن، حيث قُدِّر الانخفاض بنحو 90% مقارنة بالمعدلات المعتادة، وشمل التراجع خمسة مطارات رئيسة هي: مطار أبها الدولي، ومطار الملك عبدالله في جيزان، ومطارات بيشة ونجران والباحة، فيما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية اقتصار الحركة على عدد محدود من الرحلات الداخلية.
وكشفت بيانات موقع "فلايت أوير" المتخصص في تتبع حركة الملاحة الجوية العالمية عن أن إدارة المطار ألغت وأجّلت أكثر من 53 رحلة جوية مجدولة من وإلى مطار أبها، مع خلو الأجواء المحيطة بالمطار تماماً من الطائرات المدنية وتحويل مسار الرحلات الأخرى، وسط حالة من الإرباك الواسع في جداول المغادرين والوافدين للخطوط الجوية العاملة في المنطقة.
وامتدت التداعيات لتشمل مطارات رئيسة أخرى؛ حيث ذكر موقع إدارة الطيران الفيدرالي الأمريكي أنه سيظل إغلاق مطارات أبها وجيزان ونجران لثلاثة أيام متواصلة، في مؤشر على حجم الشلل الملاحي الذي تسبب في توقف الحركة الاقتصادية والخدمية المرتبطة بهذه المطارات بشكل شبه كلي، ما شكل ضغطاً إضافياً على المطارات السعودية التي تحاول استيعاب الأزمة الناتجة عن تعطل هذا الشريان الجوي الحيوي في جنوب المملكة.
على وقع الاستهداف، بدأت المؤشرات العملية تظهر تباعاً لتؤكد أن التحذير اليمني لشركات الطيران من استخدام المطارات والأجواء السعودية بات يُنظر إليه باعتباره معطى عملياتياً فرض نفسه على حسابات الشركات والحكومات على حد سواء، فقد أكد المتحدث باسم شركة "فلاي دبي" الإماراتية إلغاء جميع رحلات الشركة إلى مدينتي أبها ونجران، مشيراً إلى أن الشركة تتابع التطورات وتتواصل مع المسافرين المتضررين.
وفي السياق ذاته، أعلنت شركة "إير كايرو" المصرية إلغاء رحلاتها المقررة يوم الأربعاء من وإلى مدينة أبها السعودية، بعد استمرار إغلاق مطار أبها الدولي أمام حركة الطيران في أعقاب الهجوم. وأوضحت الشركة أن قرار الإلغاء يشمل الرحلة رقم SM443/SM444 المقررة في 15 يوليو، مؤكدة أن الإجراء جاء نتيجة غلق مطار أبها الدولي وتعذر تشغيل الرحلات وفق جدولها المحدد، داعية المسافرين المتأثرين إلى التواصل معها للاستفسار أو إعادة الحجز على رحلات بديلة أو استرداد قيمة التذاكر.
وامتدت التداعيات لتشمل الناقل الوطني السعودي وشركاءه؛ حيث علقت "الخطوط السعودية" رحلات متعددة بين أبها والرياض وجدة، في حين أوقفت شركة "طيران ناس" رحلاتها بين أبها وجدة. كما تأثرت "الخطوط الجوية القطرية" وشركات خليجية أخرى، حيث أدى الخلل في الربط الداخلي السعودي إلى التأثير على المسافرين ذوي الحجوزات متعددة المراحل، مع تحويل بعض الطائرات اضطرارياً إلى مطار الطائف بعد تعذر الوصول إلى أبها، ما أدى إلى تعطيل رحلات المتابعة الدولية.
رغم أن التأثير المباشر كان أشد وطأة في أبها، إلا أن الاضطرابات امتدت لتشمل كافة المحاور الرئيسية للنظام السعودي، وفق ما رصده موقع "ذا ترافيلر". فقد سجّل مطار الملك خالد بالرياض ومطار الملك عبدالعزيز بجدة حالات إلغاء وتأخير واسعة للرحلات التي تربط العاصمة والساحل الغربي بالمناطق الجنوبية. كما شهد مطار نجران سلسلة من التغييرات القسرية في جداول الرحلات، حيث قامت شركات الطيران بتعديل مساراتها وإعادة توزيع طائراتها تجنباً للمخاطر.
وعلى صعيد بوابات الخليج، أُلغيت وحُوِّلت رحلات جوية بين أبها ومطارات دبي والشارقة، في حين بدأت شركات طيران أوروبية وآسيوية بتقليص رحلاتها إلى الرياض ومراكز النقل الجوي أو تغيير مساراتها، ما خلق شبكة نقل جوي متهالكة وأكثر هشاشة وغير قادرة على استيعاب الصدمات. وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى إلغاء ما يُقدّر بنحو 208 رحلات جوية، وتأخير 158 رحلة أخرى، وهو ما يعكس حجم التحدي التشغيلي والتخبط الذي يواجه مشغلي المطارات السعودية.
في تطور يعكس انتقال المخاطر الأمنية إلى مستوى التحذيرات الرسمية للدول، وجهت الحكومة الكندية تحذيراً لرعاياها من السفر إلى السعودية عبر مطار أبها بسبب الهجمات بالصواريخ والمسيرات، في إشارة إلى العملية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية. ولفتت الحكومة الكندية إلى أن السفر عبر مطار أبها بات يعرض مرتاديه لأخطار حقيقية، وهو ما يؤكد حجم تأثير التحذيرات على الجانب السعودي اقتصادياً وسياحياً وتجارياً.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن قطاع الطيران المدني يقوم على تقييمات شركات التأمين وهيئات السلامة الجوية، وليس فقط على المواقف السياسية، فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر يدفع شركات الطيران إلى تعليق الرحلات أو إعادة جدولتها، كما يرفع تكاليف التأمين والتشغيل، ما يجعل استمرار تشغيل المطارات السعودية في ظل استمرار إغلاق مطار صنعاء أمراً محفوفاً بالمخاطر المتزايدة.
تكشف ردود فعل شركات الطيران أن الرسالة اليمنية حققت أثرها الأولي؛ فالشركات تتخذ قراراتها استناداً إلى تقييم المخاطر، وهو ما يفسر سرعة إلغاء الرحلات وتعليق بعضها فور صدور التحذيرات ووقوع الهجوم على مطار أبها، كما أن استمرار إغلاق مطار أبها وتعطل الحركة الجوية فيه لليوم التالي، مع إلغاء عشرات الرحلات، يوضح أن التأثير تجاوز حدود الضربة العسكرية نفسها، ليتحول إلى اضطراب فعلي في قطاع الطيران المدني السعودي.
يسعى اليمن إلى ترسيخ فكرة أن رفع الحصار أصبح شرطاً ضرورياً لعودة الاستقرار إلى المجال الجوي في المنطقة، ولم يعد مطلباً سياسياً قابلاً للتأجيل أو المساومة، فالمعادلة المطروحة تقوم على مبدأ واضح: لا يمكن أن تبقى المطارات السعودية تعمل بصورة طبيعية بينما يستمر إغلاق مطار صنعاء وحرمان اليمنيين من حقهم في السفر. وبذلك ينتقل الضغط من الميدان العسكري إلى قطاع النقل الجوي والاقتصاد والاستثمار والسياحة.
في وقت تتوالى فيه التداعيات على المطارات السعودية، أدلت الأمم المتحدة بشهادة صريحة حول الكارثة المتفاقمة في اليمن، حذّرت فيها من التداعيات المميتة للحصار الممتد على مطار صنعاء الدولي. وكشف إندريكا راتواتي، القائم بأعمال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن القيود المفروضة على الملاحة الجوية تحوّلت إلى حكم بالإعدام البطيء بحق آلاف المرضى الذين يتطلعون لفرصة علاج عاجلة خارج البلاد.
وأعرب المسؤول الأممي عن قلقه البالغ جراء سلب المدنيين حقهم الفطري في السفر للعلاج، موضحاً أن إغلاق الشريان الجوي لصنعاء يكسر أجساد المرضى الضعيفة، عبر إجبارهم على سلك الطرق البرية الطويلة والمحفوفة بالمخاطر نحو مطار عدن. وأكد راتواتي أن هذه الرحلات الشاقة لم تعد مجرد مشقة سفر، بل أضحت رحلات موت اضطرارية تُجهز على أجساد المرضى وتضع أرواحهم على الكف، في تأكيد أممي صريح على أن الحصار وصل إلى سلب المدنيين حقهم الأساسي في الحياة والرعاية الصحية.
على الصعيد السياسي، كان الموقف اليمني حاسماً وواضحاً، فقد أكد المكتب السياسي لأنصار الله أن للشعب اليمني كامل الحق في الرد على العدوان، مضيفاً أن عصر الوصاية قد ولّى، وأن الاستهداف السعودي لمطار صنعاء يمثل حماقة خطيرة تعكس مستوى الحقد والإجرام الذي يحمله النظام السعودي ومن خلفه الأمريكي تجاه الشعب اليمني. وشدد على أن منطق الاستقواء والاستعلاء الذي تنتهجه الرياض لن يحقق أي نتيجة، ومصيره الهزيمة والفشل.
أما رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام فكان بيانه حاسماً ومقتضباً، معبّراً عن روح المرحلة بقوله: "دون أي وجه حق، أقدم النظام السعودي على قصف مطار صنعاء الدولي في انتهاك فاضح للسيادة اليمنية وخرق كبير لهدنة 2022". وأكد أن العدوان الجديد لن يكون دون رد، إيماناً بأن الدفاع عن النفس والوطن والشعب واجب ديني ووطني وأخلاقي وإنساني، وحق مشروع تقره الشريعة والقوانين الدولية، مختتماً بعبارة "والبادئ أظلم".
وعلى المستوى الشعبي، فجّر العدوان على مطار صنعاء حراكاً شعبياً واسعاً وعفوياً في مختلف المحافظات اليمنية، بدأ من محافظة حجة بصورة عفوية بعد نحو ساعة واحدة من الاستهداف، ثم امتد إلى محافظات ريمة والمحويت وذمار وتعز والعاصمة صنعاء، في مشهد يعكس تماسك الجبهة الداخلية والتفات الشعب حول خيارات القيادة والقوات المسلحة، وقد سبق هذا الحراك تنظيم وقفات قبلية في معظم المحافظات اليمنية، منحت السيد القائد تفويضاً لاتخاذ الخيارات والإجراءات اللازمة لرفع الحصار المفروض على الشعب اليمني.
في إقرار غربي جديد بعجز مطابخ الاستكبار عن فهم طبيعة الموقف اليمني، أكد تقرير صادر عن موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت" الأمريكي أن القيادة في صنعاء فرضت واقعاً جديداً قائماً على استقلالية القرار والسيادة الكاملة، مسقطاً المقولات التضليلية التي كانت تسعى لتقزيم الدور المحوري لليمن وتصويره كـ"مجرد تابع". وأوضح التقرير أن صنعاء باتت تتحرك كفاعل إقليمي رئيسي يدير معركته وفق أولوياته الوطنية والقومية والأخلاقية، متسلحاً بتعاظم النفوذ العسكري والالتفاف الشعبي.
ولفت التقرير إلى أن فترات التهدئة شهدت تحولاً استراتيجياً في مسار بناء القوات المسلحة اليمنية، حيث استُغلت لتطوير القدرات العسكرية والتصنيع الحربي الذاتي للصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما أثمر قفزة نوعية في كفاءة الترسانة العسكرية. وأكد أن القوة العسكرية الضاربة لصنعاء أضحت هي الضامن الأساسي لانتزاع حقوق الشعب اليمني وإجبار تحالف العدوان -وفي مقدمته النظام السعودي- على المضي قدماً في تنفيذ التزامات خارطة الطريق.
تحمل المعادلة الجديدة أبعاداً اقتصادية تتجاوز قطاع الطيران نفسه؛ فاضطراب حركة المطارات ينعكس على السياحة والاستثمار وسلاسل النقل والخدمات اللوجستية، كما يؤثر على صورة الاستقرار التي تسعى السعودية إلى ترسيخها ضمن مشاريعها الاقتصادية، وفي مقدمتها "رؤية 2030" ومدينة "نيوم". وهذا ما يجعل أي تصعيد طويل الأمد عبئاً متزايداً على الرياض، التي تسعى إلى جعل قطاع السياحة مرتكزاً للاقتصاد السعودي، غير أن سياساتها العدوانية تجاه اليمن تقود إلى إفشال كل خططها وتوجهاتها الاقتصادية التي لم تجنِ -طيلة عشر سنوات من إعلانها- غير الفشل والعجز.
وقد سبق لوزارة الخارجية اليمنية أن حذرت السعودية ودعتها إلى مراجعة مشاريع "رؤية 2030"، والنظر إلى مصالحها في أرامكو وينبع وغيرها، وإنهاء سياسة العدوان والحصار، والاعتراف بحق اليمن، فاليمن يمتلك اليوم أهدافاً محقة ومطالب مشروعة لن يتخلى عنها، ولا توجد قيادة أو جيش أو شعب يقبل باستمرار هذا الوضع. وكما قال أحد المحللين: "حتى الحيوانات إذا حوصرت تحاول إيجاد الحلول، فكيف بشعب يمتلك تاريخاً وحضارة وإسهامات كبيرة".
لقد تغيرت المعادلات كلياً عما كانت عليه في مارس 2015، حين بدأ العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وراهن المعتدي على حسم المعركة خلال أسابيع، حينها لم يكن الشعب اليمني يمتلك سوى أسلحة تقليدية، لكنه امتلك الإيمان الذي به صمد أحد عشر عاماً وأفشل كل أهداف العدوان. أما اليوم، فإن القوات المسلحة اليمنية تتسلح بالإيمان، وباتت تمتلك ترسانة متطورة تشمل الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة القادرة على قطع مسافات تتجاوز الألفي كيلومتر، والتي أثبتت فاعليتها في اختراق أعتى منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية خلال معركة إسناد غزة.
وقد جرّب الأمريكي المواجهة مع اليمن وخسر، واضطر للخروج من المعركة تاركاً حليفه الإسرائيلي وحيداً تحت النيران. وإذا كانت واشنطن لم تستطع حماية "إسرائيل" -جبهتها المتقدمة- فكيف ستدافع عن السعودية، خصوصاً والمنطقة تشتعل، والقواعد الأمريكية في الخليج تتعرض لضربات منكّلة في سياق التصعيد مع إيران؟.
لقد وضع النظام السعودي نفسه في مأزق استراتيجي خانق، حيث باتت كل منشآته الحيوية (من مطارات وموانئ، وصولاً إلى آبار النفط ومصافيه ومشاريع "رؤية 2030" ومدينة "نيوم" الوهمية) في مرمى النيران اليمنية، والأهم أن أي سفينة نفطية سعودية لن تمر في البحر بعد اليوم بسلام، إذ أعلنت القوات المسلحة أن الاستهداف سيكون مباشراً وشاملاً في البر والبحر.
والسعودية -التي راهنت على إخضاع اليمن، وصرّحت بأن تسيير رحلة جوية لمطار صنعاء يحتاج إذنها- تكتشف اليوم أنها تواجه شعباً مختلفاً، يمتلك إرادة لا تقهر، وسلاحاً يزلزل العروش. لقد أنهكت الرياض نفسها بحرب عبثية، وها هي اليوم تدفع ثمن غطرستها، والأيام القادمة ستشهد فصولاً من الردع لم تخطر لها ببال.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الخيارات أمام السعودية أكثر ضيقاً من أي وقت مضى. فالمضي في سياسة الحصار والتصعيد يعني توسيع دائرة المخاوف على مطاراتها وحركتها الجوية واقتصادها، بينما يفتح رفع الحصار عن اليمن الباب أمام احتواء التصعيد واستعادة الاستقرار، فالسعودية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لمطالب اليمنيين ورفع الحصار، أو تحمل تبعات التصعيد وما يرافقه من خسائر في المطارات والمصالح الحيوية وقطاعات الملاحة الجوية والبحرية والطاقة.
وقد أثبتت نتائج المواجهات الأخيرة، سواء في البحر الأحمر أو في المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والعدو الأمريكي والإسرائيلي، أن الرهان على الحماية الأمريكية رهان خاسر، وأنه لم يعد أمام السعودية سوى الإقرار باستقلال اليمن وسيادته، والتوقف عن محاولة تأخير نهضته، وتنفيذ الاستحقاقات الواردة في خارطة الطريق.
ما حدث هو إعلان ميلاد مرحلة جديدة من الصراع، اختار فيها الشعب اليمني أن ينتقل من موقع الصمود والدفاع إلى موقع المبادرة وكسر القيود، فبعد أحد عشر عاماً من الحصار، اتحد اليمنيون خلف هدف واحد: انتزاع الحقوق، وكسر الحصار، وإنهاء العدوان، ودحر الاحتلال من كل شبر من أرض الوطن.
وعلى المملكة السعودية أن تعي أن اليمن قد تغير بعد الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، ولم يعد "الحديقة الخلفية" التي تعين فيها السعودية الرؤساء والوزراء وتفرض قراراتها، بل أصبح بلداً مختلفاً، له هوية إيمانية ويمتلك إرادة لا تقهر وسلاحاً يزلزل العروش، وعلى السعودية الاعتراف بهذه الحقيقة، فاستمرارها في سياسة المماطلة سيزيد من معاناة اليمنيين ويدفعهم إلى انتزاع حقوقهم بكل الوسائل المتاحة، ولن يستطيع أحد في المجتمع الدولي منع اليمن من ذلك.
إن ما يجري اليوم هو صراع إرادات بامتياز، والخيار المطروح أمام الرياض واضح لا لبس فيه: الإقرار بحقوق اليمن أو أن ينتزع اليمن حقوقه بكل الوسائل المتاحة، فمئات الآلاف من المرضى توفوا نتيجة منعهم من السفر أو منع دخول الأدوية، وآلاف الأسر حرمت من لقاء أحبتها، وعشرات الآلاف من العالقين في مختلف دول العالم ينتظرون فرصة للعودة إلى وطنهم، وهذا الوضع لم يعد مقبولاً ولا يمكن أن يستمر.
إن اليمن، الذي وقف الله معه لأنه مظلوم مورس بحقه أشد أنواع الظلم والجبروت، لن يسكت بعد اليوم، فيده ستكون هي العليا، وصوته هو المسموع، وإرادته هي المنتصرة، وتلك قصة يكتبها اليمنيون اليوم بالدم والنار والعنفوان، فلتسمع الرياض، وليرتجف كل ظالم، فشعب الإيمان والحكمة قد هبّ بأكمله، وأعلنها معركة مقدسة حتى النصر أو الشهادة.
وختاماً، فإن الضربة اليمنية على مطار أبها مثلت إعلاناً عن مرحلة جديدة في المعركة، يتأكد فيها للجميع أن أمن الملاحة الجوية السعودية أصبح مرتبطاً مباشرة بإنهاء العدوان ورفع الحصار عن اليمن، باعتبار ذلك الطريق الأقصر لتجنب المزيد من المتاعب على النظام السعودي ومشغّليه.