موقع أنصار الله| محمد ناصر حتروش

يراقب الشعب اليمني ومعه العالم أجمع مسار التحولات التي دشنتها القيادة السياسية والثورية مع دخول مرحلة تقرير المصير التي أعلن عنها السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في خطابه الأخير، داعيًا الشعب اليمني إلى الخروج في مسيرات جماهيرية واسعة وغير مسبوقة لتأكيد الجهوزية لخوض هذه المرحلة مهما كانت التضحيات.

وقد جاءت مسيرات "جمعة التحذير والنذير" لتجسد مشهدًا شعبيًا استثنائيًا، بعد أن امتلأت نحو 1400 ساحة في مختلف المحافظات بالحشود الجماهيرية في صورة تجسد حجم الالتفاف الشعبي حول خيارات القيادة. ويمثل هذا الزخم الجماهيري تفويضًا شعبيًا واسعًا للمضي في معركة تقرير المصير، في وقت سارعت فيه السعودية -بعد ساعات من انتهاء المسيرات- إلى الإعلان عن خطوات تتعلق بتسيير رحلات من وإلى مطار صنعاء الدولي، عبر الأردن، في محاولة لاحتواء حالة الغضب الشعبي وامتصاص تداعيات الحراك الجماهيري، بعيدًا عن معالجة جوهر معاناة اليمنيين. غير أن موقف الوفد الوطني المفاوض وضع النقاط على الحروف، بالتأكيد على أن إنهاء الحصار الكامل عن الموانئ والمطارات هو المطلب الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه، في تأكيد على أن اليمن يمضي رسميًا وشعبيًا نحو استحقاقات مرحلة جديدة عنوانها رفع الحصار واستعادة القرار الوطني.

حضور القيادة في جدان الشعب اليمني

ويربط الشعب اليمني بالقيادة الثورية -ممثلةً بالسيد القائد العلم عبدالملك بدر الدين الحوثي- رابطٌ متين يقوم على التسليم والأخوة والمحبة والثقة والمصداقية، ويترجم اليمنيون هذا الارتباط بوفاءٍ يبادلونه الوفاء. وما إن يطل السيد القائد مخاطبًا شعبه عبر شاشة التلفزة، حتى تتجه إليه ملايين القلوب والآذان بإنصاتٍ عميق وطمأنينةٍ راسخة، محولين مضامين خطاباته وتوجيهاته إلى برامج عمل وخططٍ عملية يسيرون عليها.

وحول هذا الشأن يقول الدكتور والناشط الثقافي قيس الطل، مدير مكتب الأوقاف والإرشاد في أمانة العاصمة صنعاء، :"إن الملايين من أبناء الشعب اليمني يخرجون، بدعوة كريمة من السيد القائد، إلى ميدان السبعين ومئات ساحات العزة والكرامة في المحافظات الحرة ومديرياتها وعزلها وقراها، معلنين التفويض الكامل والتسليم المطلق لقائدهم، الذي يحمل قضيتهم وهمومهم، ويواجه أعداءهم، ويعمل على تحقيق الحرية الكاملة لهم وإخراجهم من وصاية وعبودية الطواغيت والمستكبرين، وفي مقدمتهم الأمريكي والإسرائيلي والسعودي والإماراتي".

 ويضيف د. قيس الطل في حديثه لموقع أنصار الله: "إن الشعب اليمني يخرج اليوم لإسماع النظام السعودي، ومن خلفه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، صوته الغاضب، مؤكداً أنه -كشعب يمني حر- لا يقبل باستمرار الحصار، ولا باستمرار احتلال مساحات من الأراضي اليمنية، ولا بنهب الثروات والحقوق، ويطالب القوات المسلحة بالضرب بيد من حديد، والعمل على تحقيق معادلة "الحصار بالحصار، ومطار صنعاء بمطار الرياض"، مؤكداً الجهوزية العالية والاستعداد الكبير لرفد الجبهات بالرجال والمال حتى تحرير كل شبر من الأرض اليمنية وانتزاع كامل الحقوق والثروات. وتابع قائلا: "إن ذلك يمثل حقاً مشروعاً لكل شعوب العالم، مشيراً إلى أنه لا يمكن لأي شعب أن يقبل بالحصار والغطرسة والإجرام الذي يمارسه النظام السعودي بحق الشعب اليمني، والذي يشابه ما يرتكبه الكيان الصهيوني في قطاع غزة"، مؤكداً أن الشعب اليمني يعلن ثبات موقفه في مناصرة الشعب الفلسطيني ومساندته، وأن القضية الفلسطينية ستظل القضية الأولى والأولوية لديه.

الشرعية الحقيقية هي بيد الشعب اليمني

وفي السياق يؤكد عضو المكتب السياسي لأنصار الله محمد الفرح أن الحضور المليوني في مئات الساحات اليمنية يمثل حضورًا لافتًا وغير مسبوق، وربما لم يشهد اليمن مثيلًا له، مشيرًا إلى أن خروج الشعب اليمني في "جمعة التحذير والنذير" استجابةً لدعوة السيد القائد يحمل دلالات كبيرة، في مقدمتها إثبات أن الشرعية للشعب، وأنه مصدر القرار، معتبراً أن هذه القضية تمثل عنوانًا بالغ الأهمية.

وفي حديثه لموقع أنصار الله يشدد الفرح على أن الخروج المليوني يؤكد أن الشعب هو المعني بقراره، وأنه يفوض القوات المسلحة ويفوض السيد القائد لاتخاذ الإجراءات التي تكفل استعادة الثروات والحرية والاستقلال وطرد المحتل السعودي، لافتًا إلى أن دعوة السيد القائد لهذا الاحتشاد تنطلق من الحرص على البناء على قاعدة شعبية صلبة.

ويؤكد الفرح أن النظام السعودي بنى سياسته خلال فترة خفض التصعيد على مضاعفة القيود وتشديد الحصار بهدف إيجاد حالة من المجاعة، والدفع بالشعب اليمني إلى الانفجار في وجه صنعاء، إلا أن تلك السياسة انقلبت على أصحابها، إذ أظهرت الحشود الجماهيرية الكبيرة أن الشعب اليمني يدرك من هو عدوه، ومن دمر مقدراته، ومن تسبب له بكل المعاناة. ويفيد بأن هذه الحشود توجه رسالة تسقط أهم الأوراق التي راهن عليها النظام السعودي ومرتزقته طوال أربع سنوات من فترة خفض التصعيد، والتي تمثلت في تمويل حملات إعلامية كبيرة لإيجاد حالة من التوتر والسخط والاضطراب، وتوجيه العداء إلى الداخل، تمهيدًا للسيطرة على الأوضاع بعد تهيئتها.

وخلص إلى أن الزخم الكبير في مسيرات الجمعة يجعل ما بعده مختلفًا عما قبله، معربًا عن اعتقاده بأن القيادة ستتخذ قرارات هامة ومصيرية تستند إلى هذا الثبات والالتفاف الشعبي، وإلى الثقة بالله سبحانه وتعالى، فضلًا عن القدرات والإمكانات والخبرات التي تمتلكها القوات المسلحة.

لا نجوع والعدو السعودي ينعم بثرواتنا

وينسجم الناشط السياسي الشيخ صالح السهمي مع ما طرحه الفرح مقدماً قراءة لدلالات الاحتشاد الجماهيري المليوني المتجدد في ميدان السبعين وساحات المحافظات تحت شعار "جمعة التحذير والنذير" بوصفه خروجاً شعبياً يستجيب لدعوة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي.

وفي حديثه لموقع أنصار الله يؤكد أن مسيرات الجمعة بالخروج التاريخي والاستثنائي الذي يعبر عن عظمة وثبات الشعب اليمني، ويجسد موقفه المبدئي والثابت في إطار التسليم المطلق لقائد الثورة في جميع خياراته وقراراته. ويشير السهمي إلى أن الحشود الشعبية توجه رسالة إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل" والسعودية وأدواتها في المنطقة، مفادها أن السيادة الوطنية لا يمكن التفريط بها، وأن ثروات الشعب المنهوبة ستستعاد بفضل الله والقيادة الثورية والسياسية، وأن اليمنيين لا يمكن أن يتضوروا جوعاً بينما يتنعم النظام السعودي بأموال هذا الشعب، مهما بلغت التضحيات.

مضيفاً أن أرواح اليمنيين فداء للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي. ويبين أن السيول البشرية التي تتدفق إلى الساحات والميادين في مختلف المحافظات تمثل -في المقام الأول- استفتاءً شعبياً وتفويضاً لقائد الثورة لاتخاذ كل الخيارات والقرارات المتعلقة بفك الحصار عن المطارات والموانئ والمنافذ.

ووفقا للسهمي فإن الشعب اليمني يستشعر مسؤوليته أمام الله وأمام قائد الثورة، ولذلك يخرج صغاراً وكباراً وكهولاً إلى الساحات، انطلاقاً من أن اليمن بلد الإيمان والحكمة وأصل العرب، وأنه لا يمكن لكيان أو دولة أن تتحكم بمصير هذا البلد العريق، مشيراً إلى أن تاريخ اليمن يظل شاهداً على شجاعة هذا الشعب وبسالته وقيادته المجاهدة والصادقة.

الالتفاف الشعبي كورقة ردع

من جانبه يؤكد الدكتور والناشط السياسي عارف العامري أن التعبئة الشعبية الواسعة والخروج المليوني في مختلف المحافظات الحرة يعبران عن تفويض شعبي كامل للقيادة الثورية والسياسية والعسكرية لاتخاذ ما تراه من قرارات، مبينًا أن هذا الالتفاف الشعبي يمثل ورقة استراتيجية توظفها صنعاء لتعزيز موقفها في أي مسار تفاوضي أو في الخيارات الأخرى التي قد تفرضها المرحلة. ويوضح -في حديث خاص لموقع أنصار الله- أن تطورات المرحلة تؤكد اشتداد المعركة في ظل المواقف الشعبية والثورية، لافتًا إلى أن خطاب قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحمل رسائل تحذير للنظام السعودي والأنظمة التي تحاول فرض الهيمنة على الجمهورية اليمنية، معتبرًا أن هذه الحشود تكرس معادلة كسر الحصار، وتربط الجبهة اليمنية بقضايا المنطقة في إطار وحدة الساحات.

ويشدد على أن الحشود الجماهيرية والتحشيدات القبلية والتحركات العسكرية والتعبئة العامة توجه رسالة مباشرة إلى تحالف العدوان بأن الرهان على عامل الوقت أو إحداث انقسام في الجبهة الداخلية قد سقط بالكامل، موضحًا أن حجم الاستجابة الشعبية يفرض على تحالف العدوان واقعًا سياسيًا وإقليميًا جديدًا، من خلال تحويل هذا الحشد إلى أداة ردع سياسية وعسكرية قد تتجاوز كل ما يتوقعه النظام السعودي والإدارة الأمريكية.

ويضيف: "هذا الالتفاف الشعبي يفرض معادلات جديدة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ويمنح القيادة في صنعاء تفويضًا شعبيًا لاتخاذ مختلف الخيارات العسكرية، سواء التقليدية أو غير التقليدية، كما يربط الملف اليمني بملفات المنطقة"، لافتاً إلى أن هذه التحركات تثبت تماسك الجبهة الداخلية، وتسقط رهانات الأطراف المعادية على إضعاف الحاضنة الشعبية عبر الحصار الاقتصادي أو الأنشطة الأمنية والاستخبارية.

ويعتبر العامري الزخم الجماهيري والتعبئة العامة فرصة هامة لفرض معادلة تفاوضية جديدة، تجعل صنعاء تنتقل من موقع الدفاع إلى موقع فرض الشروط لإنهاء الحرب، وفي مقدمتها الرفع الكامل للحصار. ويشير إلى أن هذا المشهد الجماهيري يجبر التحالف على إعادة حساباته، ويضعه أمام خيارين: إما الذهاب إلى سلام حقيقي يتضمن دفع المرتبات، وفتح الموانئ، ومعالجة الملفات الإنسانية والسياسية، ورفع الوصاية عن اليمن، أو مواجهة جولات جديدة من التصعيد العسكري ستستهدف العمق الاقتصادي والمؤسسات الحيوية، وهو ما يجعل استمرار  المماطلة رهانًا عالي التكلفة.

وخلص إلى أن التعبئة الشعبية الواسعة تؤثر بصورة مباشرة في أي مسار تفاوضي من خلال تحويل الحشد إلى أداة ضغط سياسية ودبلوماسية وعسكرية ترفع سقف المطالب الاقتصادية والإنسانية، وتمنح وفد صنعاء المفاوض تفويضًا شعبيًا للتمسك بالمطالب الأساسية، وفي مقدمتها الرفع الكامل وغير المشروط للحصار على الموانئ والمطارات، وتخصيص عائدات النفط والغاز لدفع المرتبات، مع رفض أي إجراءات جزئية أو شكلية.