موقع أنصار الله . تقرير | يحيى الشامي

ما انفكَّ خطابُ السيد القائد في الثاني من صفر 1448هـ يتجاوزُ حدودَ البيانِ السياسيِّ التقليدي، ليغدو وثيقةَ تحررٍ صيغت بحروفِ المسؤولية وحبر الولاء، مقدما -من موقعه الزماني والمكاني- ما يمكن اعتباره صاعقةً أنهت ركودَ المرحلةِ الرماديةِ الكسيحة، مُعلناً أنَّ سكونَ اليمن -الذي توهَّمه الأعداءُ ضعفاً- كان صمتَ العاصفةِ التي تتهيأُ للعبور.

 المظلوميةُ في ثوبِ الاستعلاء

يستقرئُ الخطابُ واقعَ العلاقةِ مع النظامِ السعوديِّ خارجَ أطرِ التحليلِ المألوفة. يضعنا السيدُ أمامَ حقيقةٍ مجردة: نحنُ في مواجهةِ نظامٍ سلخَ نفسَهُ من روابطِ الجوار، مُمتهناً أدوارَ "الأداةِ الطيّعة" لخدمةِ الصهيونيةِ العالمية. تتركزُ رؤيةُ القائدِ على كشفِ مفارقةٍ صارخة: كيف لنظامٍ يدعي الرعايةَ أن يضيّقَ خناقَهُ على مريضٍ يستغيثُ بالحياة؟ كيف له أن يجعلَ من دخولِ حبةِ الدواءِ شأناً خاضعاً لمزاجيةِ "ضباطه وأمرائه وملوكه المرتهنين للأمريكي العاملين لخدمته"؟

بهذا القدر من البساطة والوجع شرحَ الخطابُ سيكولوجيةَ التكبرِ التي يمارسها المعتدي السعودي لسنوات ضد ملايين اليمنيين الذين يسجنهم منذ أكثر من عقد داخل بلادهم، مُصادرا حريتهم وحقوقهم، وممتهناً كرامتهم في عقاب جماعي يمنح فيه السعودي نفسه حق الوكيل الحصري والأب الولي لملايين اليمنيين الذين حولهم إلى سجناء، مُصادرا حرياتهم وأبسط حقوقهم، وكله في سبيل خدمة المشروع الصهيوني، وإلا فالسعودي -يقول السيد- لا أجندة له ولا مشروع.

في هذا السياق يؤكد السيد -مُفصلا صور الاستباحة والمصادرة والنهب- أنَّ عرقلةَ ثرواتنا السياديةِ ومطاراتنا وحقنا في التنقلِ ليست إجراءاتٍ أمنيةً، بقدر ماهي في جوهرها عدوانٌ وجوديٌ يستهدفُ إخضاعَ إرادةِ شعبٍ بأكمله في صورة من صور التجبر التي يُعد القبول بها أو التماهي معها تناقضا مع هوية اليمنيين ودينهم وإيمانهم وعقيدتهم، فضلا عن مناقضتهم لمقتضى حكمتهم التي وصفهم بها وامتدحهم عليها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.

 

التأسيسُ لمرحلةِ "المعادلاتِ القسرية"

ينتزعُ الخطابُ حقَّ اليمنيينَ من بينِ أنيابِ التجاذباتِ السياسية، إذ لم يعدِ الحقُّ اليمنيُّ خاضعاً لمزاجياتِ الرياض أو إملاءاتِ واشنطن؛ لقد أسس السيدُ لقاعدةٍ ذهبيةٍ قوامُها: "لا حصارَ يمرُّ بلا عقاب، ولا مطارَ يُغلقُ دون أن تُشلَّ مطاراتُ المعتدي". هذه الرؤيةُ السياسية أو المعادلة العسكرية تعيدُ تعريفَ موازينِ القوى؛ فالعالمُ اليوم -بأعدائهِ قبل أصدقائه- يدركُ أنَّ يدَ اليمنِ التي واجهت حاملاتِ الطائراتِ في البحار تملكُ القدرةَ على طيِّ صفحةِ المنشآتِ الحيويةِ للمعتدين، مُحوّلةً أوهامَهم بالحصانةِ إلى رمادٍ تذروه الرياح وأدخنة ونيران تذكر بما لاقته المملكة على يد القوات المسلحة اليمنية في العام ٢٠١٩ أو في ما يليه من عمليات استهداف منشآت طاقة سعودية في الأعوام التالية.

"الجمعةِ المفصلية".. تفويضٌ شعبيٌ يكتسحُ الجغرافيا

تحوَّلَ نداءُ السيدِ القائدِ للخروجِ المليونيِّ إلى بيعةِ دمٍ وإرادة. فقد جاءَ طوفانُ الجمعةِ، الذي لم تشهد له العواصمُ نظيراً، حضوراً مهيباً وتفويضاً مطلقاً للقيادة بالانتقالِ من منطقِ التهديدِ إلى حيزِ التنفيذِ الميداني. منحَ هذا الخروج الاستثنائي الكبير قيادتَه الضوءَ الأخضرَ لتجاوزِ حالةِ "الانتظارِ القاتل"، والدخولِ في فضاءِ "الفعلِ التاريخي" لانتزاعِ الحقوقِ المسلوبةِ بقوةِ الإيمانِ ومنطقِ القدرةِ على الإيلام، وهي مليونية لم تقتصر وحسب على العاصمة صنعاء، بل عمت جميع المحافظات المحررة، وجددت -بطريقة وأخرى- عهود التفويض ووشائج التزكية لخوض غمار معارك استعادة الحقوق المؤجلة والمصبور عنها لسنوات.

يغوصُ الخطابُ في أعماقِ الروحِ اليمنيةِ ليؤكدَ أن اليمنيين  ليسوا شعباً يبحثُ عن فتاتِ الموائد، بل هم أصحابُ حقٍ وأهلُ حكمةٍ وإيمان، وبصورة لا تحتمل التأويل ولا تتحمل مماطلة السنين الغابرة يطرح السيدَ القائدَ حقوقَ اليمن كأركانٍ ثابتةٍ لا تقبلُ المساومة، مُعلناً أنَّ زمنَ التحكمِ السعوديِّ بلقمةِ عيشِ اليمنيين وحركاتهم وتنقلاتهم قد ولّى إلى غيرِ رجعة؛ يؤكد السيد مخاطبا الجماهير: "تخرجون غدا ولنا بعد الغد موقف".

اليمنُ اليوم، بفضلِ هذا التلاحمِ العضويِّ بين القائدِ والشعب، يمتلكُ الكلمةَ الفصل: نحنُ لا ننتظرُ إذناً من أحدٍ لنيل حقنا أو تحرير بلدنا، بل نفرضُ شروطَنا بمعادلاتِ الميدان. وفي الميدان جاءت مشهدية الملايين يوم الجمعة امتدادا لمدد الخطاب، ومددا لروحه العازمة على انتزاع الحقوق التي لاتؤخذ إلا غلابا.