أُقيمت في الجامع الكبير بصنعاء، اليوم، ندوة ثقافية في ذكرى قدوم الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام إلى اليمن، نظمتها دائرة الثقافة القرآنية بالتعبئة العامة، تحت عنوان “الإمام الهادي إلى الحق.. منهج وقيادة”.
وفي الندوة، قدّم الناشط الثقافي حمود بن عبدالله الأهنومي ورقة تناولت الإمام الهادي إلى الحق بوصفه قائداً وقدوةً ومنهجاً وسلوكاً، مؤكداً أن هذا النموذج يتجسد في الواقع المعاصر في قيادة قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي.
واستعرض الأهنومي جانباً من مواقف الإمام الهادي إلى الحق، التي عكست شخصيته التنويرية والتربوية والسياسية، وما ينبغي أن يتحلى به الحاكم والمسؤول من عدل وحكمة واستقامة، مستنداً في ذلك إلى منهجية القرآن الكريم، ومشيراً إلى أهمية استلهام هذه المبادئ، خاصة في ظل مرحلة التغييرات الجذرية التي تشهدها اليمن، وما تتطلبه من اصطفاف وإسناد جماعي لقائد الثورة.
وأوضح أن الإمام الهادي اتسم بالعدل، وارتبط علمه ارتباطاً وثيقاً بالقرآن الكريم في مختلف مجالات الحياة، وفي مقدمتها المجال السياسي، لافتاً إلى خطورة التفريط في أئمة أهل البيت عليهم السلام، وضرورة مواجهة الباطل الذي تسبب في انحراف الأمة عن مسارها الصحيح.
وأكد أن الإمام الهادي استطاع أن يجعل اليمنيين يتحركون كأمة واحدة تستشعر مسؤوليتها، وأن يؤسس منهجية سياسية ناجحة أسهمت في بناء الدولة خلال مرحلة التغيرات التي شهدتها اليمن آنذاك، مبيناً أن سياسته وإدارته الحكيمة مثلتا قدوة في السيرة والسلوك والمنهج، وأرستا أسساً حقيقية لإدارة الدولة.
وأشار الأهنومي إلى أن تقييم تجربة الإمام الهادي يجب أن يكون وفق المعايير القرآنية، وفي مقدمتها معيار العدل، مبيناً أن تجربة الإمام تمثل نموذجاً للدولة العادلة التي افتقدها التاريخ الإسلامي في مراحل طويلة، وأنها تعد من أبرز التجارب الإسلامية التي جسدت مبادئ القرآن الكريم في واقع الحكم والإدارة.
وأوضح أن الإمام الهادي قدّم نموذجاً عملياً للدولة القائمة على العدل، حتى غدت تجربته شاهداً على إمكانية تطبيق الإسلام في واقع الحياة، مؤكداً أن نماذج أئمة الهدى من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شكلت إشعاعاً حضارياً واستثنائياً في تاريخ الأمة الإسلامية.
وتطرق إلى نشأة الإمام الهادي في بيت علم وفضل، مبيناً أنه تربى على يد جده الإمام القاسم بن إبراهيم في بيئة علمية خرّجت عدداً من كبار علماء أهل البيت، حتى برز الإمام الهادي في سن مبكرة، واشتهر بعلمه وفقهه، وكان مرجعاً في القرآن والفقه والعلوم الإسلامية.
وأشار إلى أن الإمام الهادي قام برحلات علمية إلى الحجاز والعراق وبلاد طبرستان، وناظر كبار العلماء، وشارك في المجالس العلمية، حتى ذاع صيته بين علماء عصره، قبل أن يتوافد إليه وفد من اليمنيين لدعوته إلى القدوم إلى اليمن لإقامة العدل وإصلاح أوضاع البلاد.
وبيّن الأهنومي أن الإمام الهادي وصل إلى اليمن في السادس من شهر صفر، وتمكن من إصلاح ذات البين بين القبائل، وإرساء دعائم الأمن والاستقرار، وتأسيس دولة امتدت مظاهرها إلى مختلف جوانب الحياة، من الأمن والقضاء والإدارة والجيش والأوقاف، حتى أصبح المسافر ينتقل بين صنعاء وصعدة آمناً.
وأوضح أن الإمام الهادي وضع ما يشبه العقد الاجتماعي بين الحاكم والرعية، عندما اشترط على نفسه الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإقامة العدل، وأوجب على الأمة النصيحة والطاعة في المعروف، مؤكداً أن هذا الميثاق يعد من أوائل النماذج السياسية المنظمة في تاريخ اليمن.
واستعرض عدداً من شهادات المؤرخين والعلماء في حق الإمام الهادي، ومنهم المؤرخ الذهبي، والعمري صاحب “مسالك الأبصار”، والإمام يحيى بن الحسين، وعدد من الباحثين والمؤرخين، الذين أكدوا مكانته العلمية، وعدله، وشجاعته، وزهده، وحسن سيرته، وقيادته للدولة بنفسه، وحرصه على تطبيق أحكام الإسلام في مختلف شؤون الحياة.
وأشار إلى أن الإمام الهادي كان مثالاً في التواضع والزهد، لا يحتجب عن الناس، ويعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويحكم بين الناس بالسوية، ولا يأخذ من بيت المال إلا القدر اليسير الذي يكفيه، مبيناً أن سيرته شكلت نموذجاً أخلاقياً وإدارياً ينبغي استلهامه في واقع الأمة.
وأكد الأهنومي أن الإمام الهادي يمثل إحدى أعظم الشخصيات التي أنجبتها اليمن، وأن استذكار سيرته يجب أن يكون منطلقاً للاقتداء بمنهجه في إقامة العدل، وبناء الدولة، وتحمل المسؤولية، والتمسك بمنهج القرآن الكريم.
وفي ختام المحور، دعا إلى الاستفادة من سيرة الإمام الهادي وتجربته في بناء الدولة وإدارة المجتمع، سائلاً الله تعالى أن يرزق الأمة الاقتداء بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ينفع المسلمين بمحبتهم والاهتداء بمنهجهم.