موقع أنصار الله . تقرير
حينما يُغلق العالم أذنيه عن أنين الضحايا ويفتحها على مصراعيها لصوت الجلاد وهو يبرر جرائمه، يصبح الموت في اليمن حدثًا يوميًا لا يستوقف أحدًا. اثنا عشر عامًا من العدوان والحصار السعودي الأمريكي، لا تكفي فيها الدموع ولا الكلمات ولا الأرقام لوصف ما جرى ويجري. كل بيت يمني صار مأتمًا، وكل شارع مقبرة، وكل مستشفى شاهدًا حيًا على جريمة العصر التي ترتكبها السعودية بدعم أمريكي، ويمر عليها العالم وكأن شيئًا لم يكن.
في اليمن، لا يحتاج المرء أن يحمل سلاحًا ليُقتل، يكفي أن يمرض، يكفي أن يجوع، يكفي أن يكون طفلًا أو امرأة أو شيخًا في أرض حولها السعوديون إلى سجن كبير، يُحاصر فيه السكان ويُمنع عنهم الدواء والغذاء والوقود، ويُخيّرون يوميًا بين الموت تحت القصف أو الموت على أبواب المستشفيات المغلقة بفعل الحصار.
وحينما قرر الشعب اليمني أن يفك عن نفسه هذا الحصار الغاشم، وأن يبحث عن حقه في الحياة بيده، وقرر أن يعامل العدو السعودي بالمثل ويطرح معادلة "الحصار بالحصار"، انهالت بيانات الإدانة والشجب والتنديد والاستنكار من كل حدب وصوب. اعتبروا فعل اليمنيين جريمة، وكأن اثني عشر عامًا من الأنين والجوع والحصار والفقر لا تُرى ولا تُسمع ولا تستحق حتى التفاتة. لقد أرادوا من اليمني أن يموت بصمت، أن يلفظ أنفاسه الأخيرة دون ضجيج، أن يقبل بمصيره المحتوم تحت رحمة جلاد لا يعرف الرحمة.
ولكي يطلع الرأي العام على خلفيات القرار اليمني في مواجهة هذا العدوان والحصار، نقف اليوم على جانب واحد فقط من آثار الحصار: القطاع الصحي. جانب واحد يكفي ليُظهر حجم الكارثة الإنسانية التي تسببت بها السعودية وحلفاؤها، ناهيك عن بقية القطاعات التي دُمرت عن آخرها.
القطاع الصحي في اليمن لم يكن يومًا في منأى عن آلة الحرب السعودية، بل كان في قلب الاستهداف. ضربات مباشرة وغير مباشرة، منع للدواء، إغلاق للمطارات والموانئ، تجويع للمرضى، وحرمان ممنهج من حق العلاج. النتيجة: قطاع صحي منهار، وملايين البشر يُتركون لمصيرهم وحدهم.
الضرر المباشر يتمثل في تدمير آلاف الوحدات الصحية. نحو ألفي مركز صحي ووحدة صحية توقفت عن العمل نتيجة الحصار والعدوان. عشرات المستشفيات والمراكز خرجت من الخدمة، بعضها سُوي بالأرض بغارات الطيران الحربي السعودي، وبعضها الآخر أُغلق لأن التمويل اللازم لتشغيلها انعدم، فلم يعد هناك وقود ولا أدوية ولا حتى كهرباء.
مِن أقسى فصول هذه المأساة منعُ السعودية للمرضى اليمنيين من السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، فلا هي أبقت المستشفيات وسمحت للأدوية بالدخول، ولا هي سمحت للمرضى بالخروج للعلاج. هناك ما لا يقل عن ثمانية عشر ألف حالة من الأمراض المستعصية تحتاج إلى السفر العاجل، لأن الإمكانات الطبية في الداخل لم تعد موجودة. زراعة الكلى، زراعة الكبد، علاج الأورام السرطانية، والعلاج الإشعاعي أو ما يُعرف بالعلاج الذري، كلها خدمات حُرم منها اليمنيون بقرار سعودي متعمد.
يصل الحد إلى أن مريض السرطان اليمني يضطر للسفر إلى الخارج فقط ليحصل على حبتين من اليود المشع، فكيف له أن يسافر والمطار مغلق؟ وكيف له أن يعبر الحدود برًا ومرتزقة العدوان ينتظرونه لانتهاك كرامته ونهب ما تبقى معه من مال، بل والزج به في السجون كأنه مجرم لا مريض يبحث عن فرصة حياة؟
كارثة الدواء في اليمن لا تقل بشاعة. بسبب الحصار البري والبحري وإغلاق مطار صنعاء، تُجبر الأدوية على المرور بطريق طويل عبر جيبوتي، رحلة تستغرق ثلاثة إلى أربعة أشهر، تصل بعدها شحنات الدواء وقد انتهت صلاحيتها، أو فسدت لأنها تحتاج إلى درجة برودة معينة لا يمكن الحفاظ عليها في حاويات تنتظر لأسابيع تحت الشمس. أما الأدوية التي تحتاج إلى النقل الجوي الفوري، فالمأساة أعظم. مطار صنعاء مغلق بقرار سعودي، والطائرات الأممية التي يُسمح لها بالهبوط لا تحمل أكثر من ثلاثمئة كيلوغرام في كل رحلة، بينما يحتاج اليمن إلى مئات الأطنان من أدوية الغسيل الكلوي وحده. هذه الطائرات لا تسد الرمق، ولا تلبي شيئًا من الاحتياج الفعلي.
حصيلة هذا الحصار الدوائي مرعبة: ثمانية وعشرون ألف حالة وفاة بمرض السرطان خلال سنوات العدوان، لأن أصحابها لم يتمكنوا من السفر للخارج، ولم يجدوا العلاج الذي يحتاجونه في الداخل. مرضى السرطان يموتون واحدًا تلو الآخر، وفي عيونهم سؤال واحد: بأي ذنب نُقتل؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد. مراكز غسيل الكلى على شفا الإغلاق الكامل، ليس لأنها لا تملك الأجهزة فقط، بل لأن المستلزمات الخاصة بالغسيل لا تصل إلا بعد أشهر، وتتأخر في جيبوتي بأمر سعودي، أو في عدن حيث تفرض عليها غرامات تأخير إضافية. مريض الكلى الذي يحتاج إلى جلسة غسيل كل يومين أو ثلاثة، صار يواجه احتمال الموت بسبب نقص الفلاتر والمحاليل.
لم تكتف السعودية بقتل المرضى، بل امتدت يدها إلى الأطباء. أكثر من سبعة آلاف أخصائي طبي يمني هاجروا إلى الخارج، بعد أن سُلبت منهم إمكانية العمل، وضُيّق عليهم، واستُهدفوا بشكل غير مباشر، ضمن سياسة ممنهجة لإفراغ البلد من كفاءاته، وفي الوقت نفسه، غادر أكثر من خمسة وتسعين بالمئة من الكوادر الطبية الأجنبية العاملة في اليمن، تاركين وراءهم نظامًا صحيًا ينهار.
أما أولئك الذين بقوا، فيعملون في ظروف صعبة، المستشفيات تعاني من شُح المشتقات النفطية التي كانت تغذي المولدات الكهربائية، بعد أن انسحبت المنظمات الداعمة فجأة بفعل الضغط السعودي. نسبة كبيرة من ميزانيات المستشفيات لم تعد تذهب لشراء الدواء أو دفع رواتب الموظفين، بل لشراء الوقود اللازم لتشغيل أجهزة العناية المركزة وغرف العمليات.
السعودية لا تمنع دخول الأدوية فحسب، بل تمنع دخول كل المستلزمات الطبية. شركات الأدوية العالمية انسحبت من اليمن، وتجار الأدوية المحليون توقفوا عن الاستيراد، لأن الحصار والغرامات الباهظة والتأخير في الموانئ جعل التجارة في الدواء خاسرة. النتيجة: نقص حاد في المستلزمات الأساسية التي تُبقي المرضى على قيد الحياة.
دعامات القلب، المسامير الجراحية، أجهزة التنفس، المحاليل الوريدية، أدوية التخدير، كلها أصبحت أهدافًا للحصار. مرضى القلب يموتون لأنهم لا يجدون الدعامة التي توسع شرايينهم. الجرحى يفقدون أطرافهم لأن المسامير الجراحية اللازمة لتثبيت الكسور غير متوفرة. لم يعد أمام المريض اليمني سوى انتظار الموت، لا مهرب ولا بديل.
الأرقام الرسمية الموثقة ترسم صورة أكثر قتامة مما يتخيله العقل. منذ بداية العدوان السعودي الأمريكي وحتى السادس والعشرين من مارس 2026، بلغ عدد الشهداء والجرحى الذين وصلوا إلى المستشفيات ستين ألفًا، منهم أربعة وعشرون ألف شهيد، وستة وثلاثون ألف جريح.
الأطفال كانوا في قلب الاستهداف. ثلاثة آلاف ومئتان وثلاثة وأربعون طفلًا استُشهدوا، وخمسة آلاف وتسعة عشر طفلًا أُصيبوا بجراح. النساء أيضًا لم يسلمن، ثلاثة آلاف ومئتان وخمسون امرأة استُشهدن، وثلاثة آلاف وأربعمئة وست وثلاثون امرأة جُرحن.
هذا العدوان تسبب في زيادة نسبة الإعاقة في البلاد بنسبة ثلاثمئة بالمئة، آلاف البشر خرجوا من الحرب بأجساد ممزقة وأرواح منهكة، ليبدؤوا حياة جديدة من العجز والمعاناة.
وحتى في فترات "خفض التصعيد" لم تتوقف الآلة العسكرية السعودية عن الحصد. منذ الأول من أبريل 2022، بلغ عدد الشهداء المدنيين ألفًا وسبعة وتسعين شهيدًا، والجرحى ستة آلاف وخمسمئة واثنين وثلاثين جريحًا، بينهم تسعمئة وعشرون طفلًا وأربعمئة وثمانٍ وعشرون امرأة. الهدنة المزعومة لم تكن سوى استمرار للحرب بأدوات أخرى.
على المناطق الحدودية، تجاوز عدد الشهداء اليمنيين منذ بداية العدوان تسعمئة واثنين وسبعين شهيدًا، إضافة إلى ثلاثة آلاف وستمئة وستين جريحًا. ولم يسلم حتى اللاجئون الأفارقة الذين كانوا يحاولون العبور إلى السعودية بحثًا عن حياة كريمة، فقُتل منهم مئة وثلاثة، وأُصيب ألف وستمئة وواحد وسبعون. منذ بداية الهدنة في أبريل 2022 وحده، سقط مئتان وسبعة وتسعون شهيدًا وألفاْ جريح في المناطق الحدودية، بينهم أربعة وخمسون قتيلًا وألف ومئتان وواحد وخمسون جريحًا من اللاجئين الأفارقة.
المنشآت الصحية كانت هدفًا مباشرًا للغارات السعودية، وكأن الرياض أرادت أن تمحو أي أمل في تلقي العلاج. ستمئة وسبعون مرفقًا صحيًا وسيارة إسعاف دُمرت، منها مئة وخمسة وستون دُمرت تدميرًا كليًا، وثلاثمئة وستة وسبعون دمرت جزئيًا. ومئة وتسع وعشرون سيارة إسعاف استُهدفت بالقصف المباشر أثناء أدائها مهامها الإنسانية، رغم أن الإشارة الدولية كانت ظاهرة بوضوح على سقفها وجوانبها.
حصيلة هذا الاستهداف الممنهج أن أكثر من خمسة وخمسين بالمئة من المرافق الصحية في اليمن خرجت عن الخدمة بشكل كامل، فيما تعمل خمسة وأربعون بالمئة المتبقية بالحد الأدنى، بلا إمكانيات ولا تجهيزات ولا كوادر كافية.
تم تدمير واحد وعشرين مستشفى بشكل كلي، وواحد وخمسين مستشفى بشكل جزئي في أربع عشرة محافظة. محافظتا صعدة وحجة كانتا الأكثر تضررًا، ففي صعدة دُمرت ثمانية مستشفيات كليًا واثنان جزئيًا، وفي حجة دُمرت أربعة مستشفيات كليًا وخمسة جزئيًا، تلتهما أمانة العاصمة صنعاء، حيث تضررت اثنا عشر مستشفى جزئيًا، ثم محافظات صنعاء والحديدة وعمران وتعز التي نالت نصيبها من الدمار.
ولم تتوقف الجريمة عند المستشفيات، بل امتدت إلى مصادر إنتاج الدواء والأكسجين. دُمر مصنع للدواء ومصنعان للأكسجين بشكل مباشر، في رسالة واضحة أن السعودية تريد قطع كل سبل الحياة عن اليمنيين. التقديرات الأولية تشير إلى أن تكلفة الخسائر الناجمة عن القصف المباشر للمنشآت الصحية فقط بلغت سبعة مليارات دولار.
الأرقام الكلية للمأساة تكاد لا تُصدق. العدوان والحصار تسببا في وفاة مليون وأربعمئة ألف مواطن يمني، لم يسقطوا بالقصف المباشر، بل ماتوا نتيجة الحصار وتفشي الأمراض وسوء التغذية. موت بطيء، صامت، لا يُحدث دوياً كدوي الصواريخ، لكنه يحصد أرواحًا أكثر. أكثر من عشرين مليون يمني محرومون من الرعاية الصحية الأساسية. سبعة عشر مليونًا يعانون من الجوع الشديد. وفي قلب هذه الكارثة، يدفع الأطفال والنساء الثمن الأكبر.
العدوان والحصار حرما المرأة والطفل من حقهما الطبيعي في الخدمات الصحية والرعاية. ثلاثة ملايين وستمئة ألف طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم ستمئة وثلاثون ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يهدد حياتهم بشكل مباشر. أربعمئة ألف طفل يواجهون الموت جوعًا، يلفظون أنفاسهم الأخيرة ليس بسبب مرض عضال، بل لأن الطعام لا يصل إلى أفواههم، لأن الحصار صنع مجاعة مفتعلة.
خلال سنوات العدوان، توفي أكثر من ثمانمئة وأربعة وستين ألف طفل دون سن الخامسة. وفي كل يوم، يموت ثمانون مولودًا دون ثمانية وعشرين يومًا، لأن أمهاتهم لم يجدن رعاية صحية أثناء الحمل والولادة. ستة وأربعون ألف امرأة تُوفين نتيجة مضاعفات ناجمة عن الحصار، وتم تسجيل ثلاثمئة وخمسين ألف حالة إسقاط حمل، كثير منها بسبب نقص التغذية وعدم توفر الرعاية الطبية.
أما التشوهات الخلقية بين الأجنة، فقد شهدت زيادة مرعبة بلغت نحو اثنين وعشرين ألف حالة تشوه في المناطق التي استهدفها العدوان بالأسلحة المحرمة دوليًا. هؤلاء الأطفال يولدون بعاهات دائمة، يحملون في أجسادهم الصغيرة شهادة حية على الجريمة.
ثلاثة آلاف طفل مصابون بتشوهات قلبية يحتاجون إلى السفر للخارج لإجراء عمليات دقيقة، لكن أبواب السفر مؤصدة، وثلاثمئة طفل مصابون بسرطان الدم بحاجة ماسّة إلى السفر للعلاج، ثلاثون بالمئة منهم يحتاجون إلى زراعة نخاع عظم، عملية غير متوفرة في اليمن، لكن الحصار يمنعهم من مغادرة البلاد. هؤلاء الأطفال محكوم عليهم بالإعدام، لا لشيء إلا لأنهم ولدوا يمنيين.
ما الذي يعطي السعودية الحق في أن تمنع مرضانا من السفر للخارج للعلاج؟ أي قانون يسمح بدخول طائرات القصف ومنع طائرات الدواء؟ أي شرع يبيح تدمير المستشفيات وتجويـع الأطفال وحرمان المرضى من أبسط حقوقهم الإنسانية؟
من حق اليمنيين أن يتلقوا الخدمات الطبية. من حقهم أن يبحثوا عن الدواء والعلاج في أي مكان في هذا العالم، كما هو سائر على كل أمم الأرض. من حقهم ألا يكون المرض حكمًا بالإعدام، وألا يكون الجوع سلاحًا يُستخدم ضدهم، وألا يكون الحصار وسيلة لإخضاعهم.
في عالم لا يسمع إلا صوت الجلاد، ويصم أذنيه عن أنين الضحايا، يبقى القطاع الصحي في اليمن شاهدًا حيًا على عمق المأساة. تبقى أرواح الأطفال الذين ماتوا جوعًا، والمرضى الذين قُتلوا لأن الدواء لم يصل، والنساء اللواتي نزفن حتى الموت على أبواب المستشفيات المغلقة، تبقى هذه الأرواح تصرخ في وجه كل من غض الطرف، وكل من دان الضحية حين تحركت لإنقاذ نفسها.
في اليمن، لم يعد الموت حدثًا استثنائيًا، بل صار هو الحالة الطبيعية. وكل يوم يمر هو يوم إضافي من الإبادة البطيئة التي ترتكبها السعودية وأمريكا، وتتفرج عليها الإنسانية في صمت مخزٍ لن يغتفر.
ولكن، وأمام هذا الواقع البئيس نجد من ينتقد الموقف اليمني الذي تحرك عسكريا لإنهاء هذه المأساة، لكن الشعب اليمني -المعروف بشهامته وأصالته- لم يلق لتلك الأصوات بالاً، وها هو بعون الله يتحرك في كل المجالات لانتزاع حقه بالقوة، فهذا العالم لا يعرف إلا لغة القوة، ومن أراد أن يقف مع اليمن فهنيئا له شرف مقارعة الظالم والطغيان، وأما عبيد الدينار والدرهم فلينتظروا الخزي والعار في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فهذه سنة الله، ولا راد لأمره.