على مدى اثني عشر عامًا، عاش اليمنُ واحدةً من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث؛ مأساة صنعتها حرب سعودية واسعة بعنوانها الإقليمي، وحصار ممتد، وسياسات عدوانية استهدفت الإنسان اليمني في حياته وأمنه وغذائه ودوائه وحقه في التنقل والعيش بكرامة.
وخلال هذه السنوات، عاش المواطنُ اليمني أمام واقع يومي من الخوف والفقدان والحرمان، ومأساة مركبة وكارثية لم تكن مجهولة المصدر، ولم تقع بعيدًا عن أعين العالم، فالوقائع موثقة، وآثار القصف والحصار ماثلة، والضحايا معروفون، كما أن التصريحاتِ الصادرةَ عن قادة ومسؤولين عسكريين وسياسيين في بدايات الحرب كشفت بوضوح طبيعة التدخل وأهدافه، حين قُدمت العملياتُ باعتبارها حربًا سريعة يُتوقع حسمها خلال أسابيع أو أشهر.
وعلى الرغم من وضوح الوقائع، برز في الآونة الأخيرة خطابٌ سعودي يحاولُ التنصلَ من المسؤولية، وقلب صورة المعتدي والضحية، وإعادة تقديم الحرب وكأنها حدث غامض لا يعرف أحد من بدأه، أو من فرض الحصار، أو من امتلك القرار العسكري والسياسي خلال مراحله المختلفة.
غير أن الإنكارَ لا يغيِّرُ الحقيقة، فلا يمكنُ لخطابٍ إعلامي متأخر أن يمحوَ صورَ الضحايا، ولا أن يلغي آثار الغارات، ولا أن يبرر إغلاق المطارات والموانئ، ولا أن ينفيَ سنواتِ الحرمان التي عاشها ملايين اليمنيين.
ولا يمكن كذلك شطب الاعترافات والتصريحات التي صدرت في مراحل الحرب الأولى من ذاكرة التاريخ، عندما كانت القيادة السعودية تتحدث بثقة عن أهدافها وعملياتها وتحالفها العسكري، قبل أن تتحول تلك اللغة، بعد اتضاح الفشل، إلى محاولة للهروب من المسؤولية وإلقاء النتائج على الآخرين.
إن محاولةَ إنكار ما جرى تكشف عجزًا عن مواجهة النتائج، والمشكلة هنا لا تقتصر على الجانب الأخلاقي، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين اليمن والسعودية؛ لأن السلام لا يمكن أن يُبنى على إنكار الألم، ولا يمكن لجارين أن يفتحا صفحة جديدة من دون الاعتراف بما حدث ومعالجة آثاره.
إن استمرارَ الحصار والتهرُّبَ من المسؤولية يُبقي مِلف الحرب مفتوحًا على كل الاحتمالات، ويُبقي أسباب التصعيد قائمة، فحين يشعر شعب بأن مظلوميته تُنكر، وأن حقوقه تُؤجل، وأن معاناته تُستخدم ورقة تفاوضية، يصبح الاستقرار أكثرَ هشاشة، وتتزايد احتمالات الانتقال من حالة التهدئة المؤقتة إلى مواجهة جديدة.
والتصعيد الذي دَشَّنَه اليمن اليوم مثقَلٌ بالتراكمات:- حصارٌ لم يُرفع، وحقوقٌ لم تُستعد، وأضرارٌ لم تُعالج، ووعودٌ لم تتحول إلى خطوات عملية.
ومن هنا، فإن الإصرارَ على خطاب الإنكار قد يدفع المنطقة إلى جولة جديدة من التوتر؛ لأن الطرفَ المتضرِّرَ سيجدُ نفسَه أمام رسالة واضحة مفادها أن الصبرَ لم ينتج حلًّا، وأن التهدئة لم تؤد إلى إنهاء الحصار أو تسوية عادلة، وهذا ما يجعل الاعتراف بالوقائع ضرورة سياسية، لا مجرد مطالبة أخلاقية.
لقد أثبتت سنواتُ الحرب أن أمنَ السعودية لا يمكنُ أن يتحقِّقَ عبرَ إضعاف اليمن أو محاصرته، فاليمن جار ذو حدود طويلة، ومصالح متداخلة، وتاريخ اجتماعي وإنساني عميق، وأي اضطراب طويل داخله لا بد أن يرتد على أمن المملكة واقتصادها وحدودها ومنشآتها الحيوية.
إن أمنَ الجارَين مترابط، وأيةُ محاولة لبناء أمن سعودي على حساب اليمن محكوم عليها بالفشل، إذا ما تجاوزت الحقوق والسيادة والمصالح المشتركة.
تكمُنُ خطورةُ الخطاب السعودي المنكر للمسؤولية في أنه يستفز الذاكرة اليمنية، ويهدِّدُ فرص التسوية نفسها، فالسلام يحتاج إلى وضوح في تحديد أسباب الصراع، وإلى اعتراف بالمظالم، وإلى إرادة لمعالجة آثار الحرب والحصار.
أما حين يُعاد توصيف المعتدي بوصفه وسيطًا، وتُمحى سنوات القصف والحصار من الرواية السياسية، فإن أي اتفاق يتحول إلى هدنة هشة قابلة للانهيار.
لا يمكن لأحد مطالبة اليمنيين بالثقة في مسار سياسي يتجاهل ما تعرضوا له، كما لا يمكنُ بناءَ استقرار طويل الأمد من دون رفع الحصار، وفتح المطارات والموانئ، ومعالجة الملف الإنساني، ووقف التدخل في الشأن اليمني.
وبعد اثني عشر عامًا، بات واضحًا أن السعوديةَ لم تحقق من الحرب أهدافها، ولا استقرارها وأمنها، فقد ورثت حدودًا أكثر توترًا، وخصمًا أكثر قدرة، وذاكرة يمنية مثقلة بالدم والدمار والحصار.
ولهذا، فإن الطريقَ إلى الأمن يأتي من الاعتراف بالوقائع، ورفع الحصار، ومعالجة آثار الحرب، واحترام سيادة اليمن واستقلاله، لا عبر مزيد من التصعيد أو الإنكار.
والخيار الحقيقي والوحيدُ اليوم أمام الرياض هو الانتقال من منطق الحرب والهيمنة إلى منطق الجوار والمصالح المشتركة، ومن إنكار المأساة إلى تحمل المسؤولية عنها، ومن إدارة التوتر إلى بناء سلام عادل ومستدام.
وما دون ذلك، فإنها الحرب التي لا يمكن تأطيرها تحت أية مزاعمَ أو تأويلات.
محاولات إنكار تهدّد أمن الجوار
سند الصيادي
على مدى اثني عشر عامًا، عاش اليمنُ واحدةً من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث؛ مأساة صنعتها حرب سعودية واسعة بعنوانها الإقليمي، وحصار ممتد، وسياسات عدوانية استهدفت الإنسان اليمني في حياته وأمنه وغذائه ودوائه وحقه في التنقل والعيش بكرامة.
وخلال هذه السنوات، عاش المواطنُ اليمني أمام واقع يومي من الخوف والفقدان والحرمان، ومأساة مركبة وكارثية لم تكن مجهولة المصدر، ولم تقع بعيدًا عن أعين العالم، فالوقائع موثقة، وآثار القصف والحصار ماثلة، والضحايا معروفون، كما أن التصريحاتِ الصادرةَ عن قادة ومسؤولين عسكريين وسياسيين في بدايات الحرب كشفت بوضوح طبيعة التدخل وأهدافه، حين قُدمت العملياتُ باعتبارها حربًا سريعة يُتوقع حسمها خلال أسابيع أو أشهر.
وعلى الرغم من وضوح الوقائع، برز في الآونة الأخيرة خطابٌ سعودي يحاولُ التنصلَ من المسؤولية، وقلب صورة المعتدي والضحية، وإعادة تقديم الحرب وكأنها حدث غامض لا يعرف أحد من بدأه، أو من فرض الحصار، أو من امتلك القرار العسكري والسياسي خلال مراحله المختلفة.
غير أن الإنكارَ لا يغيِّرُ الحقيقة، فلا يمكنُ لخطابٍ إعلامي متأخر أن يمحوَ صورَ الضحايا، ولا أن يلغي آثار الغارات، ولا أن يبرر إغلاق المطارات والموانئ، ولا أن ينفيَ سنواتِ الحرمان التي عاشها ملايين اليمنيين.
ولا يمكن كذلك شطب الاعترافات والتصريحات التي صدرت في مراحل الحرب الأولى من ذاكرة التاريخ، عندما كانت القيادة السعودية تتحدث بثقة عن أهدافها وعملياتها وتحالفها العسكري، قبل أن تتحول تلك اللغة، بعد اتضاح الفشل، إلى محاولة للهروب من المسؤولية وإلقاء النتائج على الآخرين.
إن محاولةَ إنكار ما جرى تكشف عجزًا عن مواجهة النتائج، والمشكلة هنا لا تقتصر على الجانب الأخلاقي، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين اليمن والسعودية؛ لأن السلام لا يمكن أن يُبنى على إنكار الألم، ولا يمكن لجارين أن يفتحا صفحة جديدة من دون الاعتراف بما حدث ومعالجة آثاره.
إن استمرارَ الحصار والتهرُّبَ من المسؤولية يُبقي مِلف الحرب مفتوحًا على كل الاحتمالات، ويُبقي أسباب التصعيد قائمة، فحين يشعر شعب بأن مظلوميته تُنكر، وأن حقوقه تُؤجل، وأن معاناته تُستخدم ورقة تفاوضية، يصبح الاستقرار أكثرَ هشاشة، وتتزايد احتمالات الانتقال من حالة التهدئة المؤقتة إلى مواجهة جديدة.
والتصعيد الذي دَشَّنَه اليمن اليوم مثقَلٌ بالتراكمات:- حصارٌ لم يُرفع، وحقوقٌ لم تُستعد، وأضرارٌ لم تُعالج، ووعودٌ لم تتحول إلى خطوات عملية.
ومن هنا، فإن الإصرارَ على خطاب الإنكار قد يدفع المنطقة إلى جولة جديدة من التوتر؛ لأن الطرفَ المتضرِّرَ سيجدُ نفسَه أمام رسالة واضحة مفادها أن الصبرَ لم ينتج حلًّا، وأن التهدئة لم تؤد إلى إنهاء الحصار أو تسوية عادلة، وهذا ما يجعل الاعتراف بالوقائع ضرورة سياسية، لا مجرد مطالبة أخلاقية.
لقد أثبتت سنواتُ الحرب أن أمنَ السعودية لا يمكنُ أن يتحقِّقَ عبرَ إضعاف اليمن أو محاصرته، فاليمن جار ذو حدود طويلة، ومصالح متداخلة، وتاريخ اجتماعي وإنساني عميق، وأي اضطراب طويل داخله لا بد أن يرتد على أمن المملكة واقتصادها وحدودها ومنشآتها الحيوية.
إن أمنَ الجارَين مترابط، وأيةُ محاولة لبناء أمن سعودي على حساب اليمن محكوم عليها بالفشل، إذا ما تجاوزت الحقوق والسيادة والمصالح المشتركة.
تكمُنُ خطورةُ الخطاب السعودي المنكر للمسؤولية في أنه يستفز الذاكرة اليمنية، ويهدِّدُ فرص التسوية نفسها، فالسلام يحتاج إلى وضوح في تحديد أسباب الصراع، وإلى اعتراف بالمظالم، وإلى إرادة لمعالجة آثار الحرب والحصار.
أما حين يُعاد توصيف المعتدي بوصفه وسيطًا، وتُمحى سنوات القصف والحصار من الرواية السياسية، فإن أي اتفاق يتحول إلى هدنة هشة قابلة للانهيار.
لا يمكن لأحد مطالبة اليمنيين بالثقة في مسار سياسي يتجاهل ما تعرضوا له، كما لا يمكنُ بناءَ استقرار طويل الأمد من دون رفع الحصار، وفتح المطارات والموانئ، ومعالجة الملف الإنساني، ووقف التدخل في الشأن اليمني.
وبعد اثني عشر عامًا، بات واضحًا أن السعوديةَ لم تحقق من الحرب أهدافها، ولا استقرارها وأمنها، فقد ورثت حدودًا أكثر توترًا، وخصمًا أكثر قدرة، وذاكرة يمنية مثقلة بالدم والدمار والحصار.
ولهذا، فإن الطريقَ إلى الأمن يأتي من الاعتراف بالوقائع، ورفع الحصار، ومعالجة آثار الحرب، واحترام سيادة اليمن واستقلاله، لا عبر مزيد من التصعيد أو الإنكار.
والخيار الحقيقي والوحيدُ اليوم أمام الرياض هو الانتقال من منطق الحرب والهيمنة إلى منطق الجوار والمصالح المشتركة، ومن إنكار المأساة إلى تحمل المسؤولية عنها، ومن إدارة التوتر إلى بناء سلام عادل ومستدام.
وما دون ذلك، فإنها الحرب التي لا يمكن تأطيرها تحت أية مزاعمَ أو تأويلات.