لم تكن تلك النعوتُ الإلهيةُ التي انثالت على صدر البعثة المحمدية في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ مجردَ حِلْيَةٍ للفظِ أو نافلةٍ في القول، ولا عناوينَ لتكريمٍ فرديٍّ يُقرأُ على هوامشِ التاريخ؛ بل كانت التعيينَ الإلهيَّ لناموسِ الحركة، والميزانَ القُدسيَّ الذي أُديرت به رحى الوجود، والهندسةَ الاستراتيجيةَ الشاملةَ لإخراج الأمة من رثاثة التبعية والانكسار إلى ذروة الاستخلاف والفاعلية الحضارية.

تتجلى "الشهادة" في أولى ركائز هذه الرسالة بوصفها القيوميةَ الإيمانية، والمرجعيةَ المعياريةَ المطلقةَ التي لا تقفُ على هامش الصراع، ولا ترصدُ تقلباتِ الأحداثِ رصدًا سلبيًا؛ فالرسول الأعظم -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله- لم يأتِ بنظرياتٍ مجردة، بل قدم النموذجَ الحيَّ والمبتعثَ لواقعية القرآن حركةً وموقفًا.

إن الشاهد القرآني هو الوليُّ الرقيبُ الذي يُحاكمُ كلَّ المنظوماتِ العصريةِ الطاغوتيةِ إلى حُكمِ الهدى، ليبني أمةً شاهدةً تستعلي بعقيدتها فوق موازين الزيف، وتكسرُ هيمنةَ الصنميةِ الاستكبارية.

ومن قلب هذه الشهادة، ينبثقُ بُعدُ "البشارة" كمنظومةِ اختراقٍ للحجبِ الزمنية، وقوةِ ردعٍ نفسيةٍ تستمدُّ يقينَها من وعدِ الله؛ إذ لم تكن البشارةُ النبويةُ طمأنةً غيبيةً معزولةً عن الميدان، بل هي الرؤيةُ الاستراتيجيةُ التي تبصرُ بالنورِ الإلهيِّ وسطَ ركامِ الظلمات.

إنها القدرةُ على رؤيةِ سقوطِ عروشِ الاستكبارِ وتداعي أساطيله في لحظاتِ الحصارِ الأشدّ، تمامًا كما رأى المصطفى -صلوات الله عليه وعلى آله- قصورَ قيصرَ وكسرى وهو يضربُ الصخرةَ في الخندق، لتتحولَ البشارةُ إلى قوةٍ ذاتيةٍ تُحررُ المستضعفين، وتصنعُ الدافعيةَ الكبرى للاستبسال والتضحية.

وعلى الضفة المقابلة، تتكاملُ "النذارة" كصدمةٍ رساليةٍ جليلة، وسلاحِ وعيٍ ثوريٍّ يُعرّي مخططاتِ أئمةِ الكفرِ قبلَ وقوعِ الخطر.

إن النذارةَ هي الصدعةُ بالحقِّ التي تُجرّدُ قوى الطغيانِ من سلاحِها الأعتى: سلاحِ الرعبِ والإخضاعِ النفسي، وتحذرُ الأمةَ من استرخاء التواكل وسوءِ عاقبةِ التفريط.

فالنبيُّ النذيرُ هو الذي يرسخُ في الأمةِ مفهومَ المواجهةِ الصلبة، مؤكدًا أن الاستكانةَ للظلمِ استدعاءٌ للشهودِ الحضاريِّ والعقابِ الإلهي.

واليوم، وفي معركةِ الفرقانِ المعاصرةِ ضدَّ الفراعنةِ الجددِ –ممثلي الهيمنةِ الأمريكيةِ الصهيونية– تقفُ الأمةُ أمامَ حتميةِ الاستعادةِ الحقيقيةِ لهذه الأبعادِ الخمسة.

إن الموقفَ المشرفَ والشجاعَ للشعبِ اليمنيِّ العزيز، بقيادتهِ الإيمانيةِ الحكيمة، وهو يخوضُ معركةَ النصرةِ والإسنادِ لمستضعفي غزة، ويكسرُ هيبةَ البارجاتِ والأساطيلِ الغربيةِ في البحار، ليس إلا الامتدادَ الحيَّ والشظيةَ الأولى لانفجارِ النورِ المحمدي.

إنه التحركُ الذي يتجاوزُ الاتباعَ الشكليَّ إلى التأسي الجهاديِّ الشامل، ليثبتَ للعالمِ أن الرسالةَ المحمديةَ لم تأتِ لمهادنةِ الطواغيت، بل جاءت لتصنعَ من الأمةِ سيفًا ينصرُ المستضعفين، وسراجًا يضيءُ طريقَ الفتحِ الموعود.