موقع أنصار الله . تقرير 

إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست مجرد مناسبة تتصل بحدثٍ مضى في صفحات التاريخ، ولا محطةً زمنيةً تستعاد فيها السيرة بوصفها حكايةً من الماضي، ثم تنقضي بانقضاء أيام الاحتفاء بها؛ وإنما هي فرصةٌ لاستعادة المعنى الذي من أجله أرسل الله خاتم أنبيائه، ولإعادة النظر في موقع الأمة من الرسالة التي حملها، وفي المسافة التي تفصل واقعها الراهن عن القيم والمبادئ التي جاء بها رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكلما أقبلت ذكرى مولده الشريف، كان من الجدير بالأمة أن تسأل نفسها قبل أن تسأل التاريخ: أين نحن من رسول الله؟ وأين نحن من هديه؟ وما الذي بقي في واقعنا من القيم التي أقام عليها الرسالة؟ وهل ما نعيشه اليوم من انقسام واضطراب وصراع وارتهان وانحراف هو امتداد طبيعي لهوية الأمة ورسالتها، أم نتيجة لمسار طويل من الابتعاد عن مبادئها، والتقصير في مسؤولياتها، والتنازل التدريجي عن مقومات عزتها واستقلالها؟

إن أعظم ما تمنحه هذه الذكرى للأمة ليس مجرد استحضار شخصية عظيمة من الماضي، وإنما استحضار المعيار الذي يمكن أن تقيس به حاضرها، وتعيد على أساسه تصويب مسارها. فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس شخصيةً تاريخيةً نحتفي بها، بل هو المعلم والقدوة والأسوة والمرجع العملي الذي تجسدت فيه الرسالة قرآناً وسلوكاً وموقفاً ومسؤولية.

ومن هنا يصبح المولد النبوي مناسبةً لمراجعة الذات، وتشخيص الخلل، واستعادة الهوية، والعودة إلى المنابع التي صنعت أمةً خرجت من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية، ومن التمزق إلى الوحدة، ومن الذل إلى العزة، ومن عبادة البشر والحجر إلى عبادة الله وحده.

 أولاً: حين تتحول الذكرى إلى مرآة للحاضر

تحتاج الأمم في المنعطفات الكبرى إلى لحظات توقفٍ صادقة، لا لتستريح من مسيرها، وإنما لتتأكد من أنها تسير في الاتجاه الصحيح. وذكرى المولد النبوي من أعمق هذه اللحظات؛ لأنها تضع الأمة أمام أصل هويتها ومصدر رسالتها، وتدعوها إلى أن تقارن بين ما تؤمن به وما تمارسه، وبين ما تقوله عن رسولها وما تفعله في واقعها. فالأمة لا تخسر دفعةً واحدة، وإنما يبدأ الخلل حين تتسع الفجوة بين المبادئ والسلوك، وبين الهوية والممارسة، وبين الإيمان والمسؤولية. وكلما اتسعت هذه الفجوة، ظهرت آثارها في السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والأخلاق، حتى يصبح الانحراف في بعض المجالات سبباً لانحرافات أخرى متتابعة.

ولهذا فإن تقييم واقع الأمة لا ينبغي أن يقف عند مظاهر الأزمة، بل يجب أن ينفذ إلى جذورها: ماذا حدث للهوية الإسلامية؟ ماذا حدث للقيم؟ ماذا حدث لمفهوم المسؤولية؟ وكيف أصبح بعض أبناء الأمة قادرين على الاصطفاف مع قوى الهيمنة والعدوان، بينما يقف آخرون في موقع المتفرج أو الصامت أو المهادن أمام المظالم التي تصيب شعوباً مسلمةً وغير مسلمة؟

إن المشكلة، في جوهرها، ليست فقط في وجود أعداء للأمة؛ فوجود الصراع سنةٌ من سنن الحياة، وإنما الخطر الأكبر أن تفقد الأمة البوصلة التي تمكنها من معرفة موقعها، ومصالحها، وقيمها، وأولوياتها، وأن يصبح معيار الولاء والبراءة والحق والباطل مضطرباً إلى الحد الذي تختلط فيه مواقع المعتدي والمعتدى عليه.

ومن هنا تأتي الذكرى النبوية لتعيد ترتيب الأسئلة قبل الإجابات، وتضع الأمة أمام مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية.

 ثانياً: الهوية الإسلامية ليست شعاراً بل منظومة حياة

إن الحديث عن الهوية الإسلامية لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد عنوانٍ ثقافي أو انتماءٍ اسمي؛ فالهوية الحقيقية هي منظومة من القيم والمبادئ والمواقف التي تحدد للإنسان من هو، ولمن ينتمي، وما الذي يؤمن به، وما الذي يرفضه، وما الذي يسعى إلى تحقيقه.

وحين تستعيد الأمة هويتها، فإنها تستعيد معها مفهوم العزة والعدل والرحمة والكرامة والتكافل والمسؤولية، وتستعيد كذلك وعيها بأن الإسلام ليس طقوساً منفصلة عن الحياة، بل مشروع هداية وبناء وإصلاح، ينظم علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالآخرين، وموقفه من الظلم والعدوان والفساد. وفي قلب هذه الهوية يأتي الإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لا إيمان المعرفة المجردة، ولا إيمان المناسبة، وإنما إيمان التصديق والمحبة والولاء والاقتداء والاتباع. فمحبة الرسول لا تكتمل بمجرد التعبير الوجداني عنها، وإنما تظهر حقيقتها في مدى حضور هديه في السلوك، وفي قدرة الأمة على تحويل قيمه إلى واقع حي.

ولهذا كان استحضار الرسول في الذكرى النبوية دعوةً إلى استحضار منهجه كله: صدقه، أمانته، رحمته، عدله، صبره، شجاعته، ثباته، حكمته، وإحساسه العميق بالمسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع والأمة.

 ثالثاً: النعمة العظمى.. رسول أخرج البشرية من الظلمات

حين ننظر إلى العالم الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ندرك بصورة أعمق عظمة النعمة التي أنعم الله بها على البشرية من خلال رسالته. لم تكن الجاهلية مجرد نقصٍ في المعرفة، وإنما كانت منظومةً متشابكةً من العقائد المنحرفة، والقيم المختلة، والظلم الاجتماعي، والاضطراب الأخلاقي، والصراعات التي أهدرت قيمة الإنسان.

وفي ذلك الوقت جاء الرسول بالهداية التي أعادت للإنسان إنسانيته، وللحياة معناها، وللمجتمع ميزانه، وللأخلاق مكانتها، وربطت الأرض بالسماء، والدنيا بالآخرة، والسلوك بالمسؤولية، قال الله تعالى: {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}، لقد كان مجيء الرسالة انتقالاً تاريخياً وحضارياً وأخلاقياً عظيماً؛ إذ لم تكتفِ بتغيير بعض المظاهر، وإنما أعادت تشكيل الإنسان من الداخل، وأقامت على أساس ذلك مجتمعاً جديداً تحكمه معايير مختلفة عن معايير الجاهلية.

قال تعالى:{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}. ومن هنا فإن استحضار المولد ليس استحضاراً لولادة رجل عظيم فحسب، وإنما استحضار لولادة مرحلة جديدة في تاريخ الإنسان؛ مرحلة حملت معها كتاب الله، وأقامت معياراً جديداً للحق والعدل، وفتحت للإنسان طريقاً إلى النجاة والكرامة.

 رابعاً: الرحمة عنوان الرسالة المحمدية

إذا كان ثمة عنوان جامع للرسالة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو الرحمة. قال الله سبحانه وتعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، فالرحمة هنا ليست حالةً عاطفيةً محدودة، وإنما منهج حياة متكامل. هي رحمة بالإنسان حين تنقذه من الضلال، ورحمة بعقله حين تمنحه البصيرة، ورحمة بقلبه حين تطهره من الحقد والشر، ورحمة بالمجتمع حين تقيم فيه العدل والتكافل، ورحمة بالضعيف حين تمنع استغلاله، ورحمة بالمظلوم حين تقف في وجه الظلم.

ومن هذا المنظور، فإن الأمر بالعدل رحمة، والنهي عن الظلم رحمة، والأمر بالإحسان رحمة، والنهي عن الإساءة رحمة، والتكافل بين أفراد المجتمع رحمة، وحماية الإنسان في دمه وعرضه وماله وكرامته رحمة، وبناء مجتمع قوي قادر على حماية نفسه من العدوان رحمة.

والرحمة في الإسلام ليست ضعفاً ولا استسلاماً؛ فالرحمة التي تحمي المظلوم وتردع المعتدي، والتي تمنع الإنسان من أن يتحول إلى ضحية للظلم، هي رحمةٌ متكاملةٌ لا تنفصل عن العدل والقوة والكرامة، ولهذا جاء القرآن بوصفه طريقاً إلى الرحمة:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. فالاتباع هو الطريق الذي يجعل الرحمة حقيقةً حاضرة في حياة الفرد والمجتمع، لا مجرد مفهوم يُتداول في الخطب والمناسبات.

 خامساً: من الاحتفاء بالنبي إلى الاقتداء بالنبي

ليس السؤال الحقيقي في المولد النبوي: كيف نحتفي برسول الله؟ بل كيف نكون جديرين بالانتساب إليه؟

فالمناسبة تفقد جوهرها إذا بقيت في دائرة الاحتفال ولم تنتقل إلى دائرة الاقتداء. والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو القدوة التي ينبغي أن تعاد إلى قلب الحياة، لا أن تبقى محصورةً في كتب السيرة أو في المناسبات الموسمية، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. إن الاقتداء بالنبي يبدأ من إعادة بناء الإنسان لنفسه: في صدقه، أمانته، علاقته بأسرته، معاملته للناس، تحمله للمسؤولية، وثباته أمام الشدائد، ثم يتسع ليشمل المجتمع في علاقاته وتكافله ومواقفه، ولذلك فإن العودة إلى الرسول ليست عودةً إلى الماضي بمعناه الزمني، وإنما عودة إلى القيم التي يمكن أن تصنع الحاضر والمستقبل.

 سادساً: الأمة بين الجاهلية الأولى والجاهلية المعاصرة

إذا كانت الجاهلية الأولى قد تمثلت في عبادة الأصنام، والظلم، والاستعلاء، وامتهان الإنسان، فإن صور الجاهلية يمكن أن تتجدد في كل عصر بأشكال مختلفة. قد تتغير الأصنام، وتتغير أدوات السيطرة، وتتبدل اللغة والمظاهر، لكن جوهر الانحراف يبقى حين يتحول الإنسان عن عبودية الله إلى الخضوع لقوى الباطل والهيمنة، وحين يصبح الظلم أمراً عادياً، والعدوان سياسةً مقبولة، والتبعية خياراً طبيعياً.

ومن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة أن تعيش الجاهلية وهي تظن أنها تجاوزتها؛ أن تحمل أسماء الإسلام بينما تتحرك بقيم تناقض جوهره، أو أن ترفع شعارات الاستقلال بينما تخضع لإرادة القوى الخارجية، أو أن تتحدث عن العروبة والوطنية وهي تتخلى عن أبسط مقتضيات العدالة والكرامة.

وهنا تتأكد الحاجة إلى الرسالة المحمدية بوصفها معياراً يميز بين الاسم والحقيقة، وبين الشعار والموقف، وبين التدين الذي يحرر الإنسان من الخضوع للباطل والتدين الذي يتحول إلى قشرةٍ لا تمنع الانحراف.

 سابعاً: المسؤولية.. المعيار الذي يكشف صدق الانتماء

الإسلام لا يبني الإنسان ليكون متفرجاً على الأحداث، وإنما يبنيه ليكون مسؤولاً، ولذلك فإن من أخطر مظاهر الخلل أن تتحول الأمة إلى جمهور يراقب المآسي من بعيد، بينما تتسع دوائر الظلم والعدوان. إن المسؤولية ليست موقفاً موسمياً، ولا انفعالاً مؤقتاً، وإنما وعي دائم بأن الإنسان جزء من واقعٍ يؤثر فيه ويتأثر به. وكلما ارتفع وعي الأمة برسالتها، ارتفع إحساسها بمسؤوليتها عن الحق والعدل والكرامة.

وهنا تتضح قيمة القدوة النبوية؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحمل هم الرسالة، ويواجه التحديات، ويصبر على الأذى، ويعمل على بناء الإنسان والمجتمع، ولم يتعامل مع الإيمان باعتباره علاقةً فرديةً معزولة عن الواقع.

إن الأمة التي تستعيد هذه الروح تستطيع أن تنتقل من موقع الشكوى إلى موقع الفعل، ومن انتظار الحلول إلى صناعة أسبابها، ومن الاستسلام للواقع إلى العمل على إصلاحه.

 ثامناً: اليمن.. استعادة نموذج الأنصار

وفي السياق اليمني، تستحضر الذكرى النبوية معنىً خاصاً حين يستعيد اليمنيون في ذاكرتهم موقع الأنصار في بدايات الإسلام. فقد ارتبط اسم الأنصار بالمحبة والإيثار والنصرة والثبات، وهي قيم لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل يمكن أن تكون نموذجاً متجدداً في الحاضر. قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. فقيمة هذا النموذج لا تكمن في الانتساب الاسمي إليه، وإنما في القدرة على استعادة خصاله: الإيثار، النجدة، الكرامة، الثبات، وتقديم المبدأ على المصلحة الضيقة. والمجتمع الذي يريد أن يستحق شرف الانتساب إلى هذا النموذج مطالب بأن يجعل من القيم الإيمانية سلوكاً يومياً، وأن يجعل من التكافل والتراحم والتعاون مسؤوليةً اجتماعية، وأن يقدّم في واقعه صورةً حيةً عن الإنسان الذي تصنعه التربية القرآنية والنبوية.

 تاسعاً: شعب الإيمان أمام التحديات

إن قيمة الإيمان لا تظهر في أوقات الرخاء وحدها، وإنما تتكشف حقيقتها في ساعات الشدة. وعندما تتعرض المجتمعات للتحديات الكبرى، تصبح قدرتها على الصبر والثبات وحماية قيمها واختيار مواقفها اختباراً حقيقياً لعمق ما تؤمن به.

وقد واجه الشعب اليمني خلال سنوات طويلة من الصراع والعدوان ظروفاً قاسية، وأصبح الصمود بالنسبة إليه تجربةً ممتدةً تختبر قدرته على الاحتمال والثبات. ومهما اختلفت المواقف السياسية تجاه تفاصيل الصراع، فإن المبدأ الأخلاقي الأهم يبقى في ضرورة حماية الإنسان، ورفض استباحة المدنيين، وصيانة الكرامة، والسعي إلى السلام العادل الذي لا يقوم على الإذلال أو الاستسلام للظلم.

ومن هنا فإن الصبر في المفهوم القرآني ليس استكانةً ولا قبولاً بالباطل، وإنما قدرة على الثبات في طريق الحق، وعدم الانهيار أمام المحن، وتحويل الألم إلى وعي، والتضحيات إلى مسؤولية، والمحنة إلى فرصة لبناء مجتمع أكثر تماسكاً.

 عاشراً: إعادة بناء الأمة تبدأ من الإنسان

إن تصويب مسار الأمة لا يبدأ من المؤسسات وحدها، ولا من السياسة وحدها، ولا من الشعارات العامة، وإنما يبدأ من الإنسان، فالإنسان هو الذي يصنع المؤسسة، وهو الذي يحمل الفكرة، وهو الذي يحول القيم إلى ممارسة.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تفعله الأمة في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أن تعيد بناء علاقتها بالرسالة في داخل الإنسان: أن تربي جيلاً يعرف معنى الصدق، ويكره الظلم، ويحترم الإنسان، ويعرف مسؤوليته، ويعتز بهويته، ويملك وعياً يحميه من التضليل، ويستطيع أن يميز بين الحق والباطل بعيداً عن ضجيج الدعاية وصخب المصالح.

فالأمة لا تستعيد قوتها حين تمتلك أدوات القوة فقط، وإنما حين تمتلك الإنسان القادر على استخدام القوة في موضعها، والعلم في موضعه، والرحمة في موضعها، والعدل في موضعه.

 خاتمة:

إن ذكرى مولد رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليست عودةً عابرةً إلى زمن مضى، وإنما عودة إلى المنبع الذي منه تستعيد الأمة معنى وجودها، وإلى القدوة التي تستطيع من خلالها أن تراجع واقعها وتكتشف مواضع الخلل في مسيرتها. إنها مناسبة لتسأل الأمة نفسها بصدق: هل نحن أقرب إلى قيم الرسول أم أبعد عنها؟ هل تعكس مجتمعاتنا الرحمة التي جاء بها؟ هل نمارس العدل الذي أمر به؟ هل نتحمل مسؤولياتنا؟ هل نحفظ كرامة الإنسان؟ هل نملك من الوعي ما يحصننا من التبعية؟ وهل علاقتنا برسول الله علاقة محبة واحتفاء فحسب، أم علاقة اقتداء واتباع ومسؤولية؟

لقد جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والإنسان غارقٌ في ظلمات الجاهلية، فأنقذه الله بهديه، وفتح أمامه طريق النور والكرامة. وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تتذكر أن الجاهلية ليست حقبةً زمنيةً انتهت، وإنما يمكن أن تعود كلما ابتعد الإنسان عن قيم الحق والعدل والرحمة، وكلما فقدت الأمة بوصلتها، ورضيت أن تُقاد بغير هدى الله.

ومن هنا فإن الاحتفاء الحقيقي بالمولد هو أن يتحول الحب إلى اقتداء، والذكرى إلى وعي، والفرح إلى مسؤولية، والسيرة إلى منهج، والانتماء إلى التزام، والولاء إلى موقف، والإيمان إلى عمل. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمةً مهداة، فإن أعظم وفاء لهذه الرحمة أن نحمل شيئاً من نورها في حياتنا؛ أن نكون أكثر عدلاً ورحمةً وصدقاً وتكافلاً، وأكثر وعياً بمسؤوليتنا، وأشد تمسكاً بكرامة الإنسان، وأثبت أمام الفتن، وأقدر على التمييز بين طريق الهداية وطرائق الاستعباد.

وهكذا تصبح الذكرى الكريمة أكثر من مناسبة؛ تصبح محطةً لإعادة ترتيب الأولويات، وتصحيح الاتجاه، وتجديد العهد بالرسالة، واستعادة الوعي بأن الأمة التي تريد أن تستعيد مكانتها لا تحتاج أولاً إلى أن تبحث عن نموذج جديد، وإنما تحتاج إلى أن تعود بصدق إلى نموذجها الأول: رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضياع إلى الهدى، ومن الجاهلية إلى الإيمان، ومن التفرق إلى الأخوة، ومن الخضوع للباطل إلى العزة بالحق.

وعندها لا يكون السؤال: ماذا فعلنا في ذكرى المولد؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا فعل المولد فينا؟ وهل أعاد إلى حياتنا شيئاً من أخلاق الرسول، وإلى وعينا شيئاً من بصيرته، وإلى مواقفنا شيئاً من ثباته، وإلى مجتمعاتنا شيئاً من رحمته؟

ذلك هو المعنى الذي يجعل الذكرى حيةً في الأمة؛ أن تتحول من تاريخٍ يُستعاد إلى رسالةٍ تُستأنف، ومن مناسبةٍ يُحتفى بها إلى عهدٍ يتجدد، ومن ذكرى للمولد إلى ميلادٍ جديدٍ في وعي الأمة بمسؤوليتها ورسالتها وطريقها.