موقع أنصار الله . تقرير 

من قلب الأرض التي باركها الله، ومن جبالٍ حملت أمانة الإيمان منذ فجر الرسالة، يطلّ اليمنيون على ذكرى مولد النبي الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله وسلم، كموعد روحانيٍّ متجدد، تتوشح فيه الجبال بالخضرة، وتتزين المدن بالأنوار، وتفيض القلوب شوقًا إلى من كان رحمةً للعالمين.

إنها ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها وآله أفضل الصلاة والتسليم، التي تتحول في اليمن إلى ملحمةٍ إيمانيةٍ فريدة، تعكس عمق العلاقة التي تربط هذا الشعب برسول الله، تلك العلاقة التي هي نسيج من الحب الخالص، والعشق الصادق، والاقتداء العملي، والاستعداد الدائم لنصرة الدين والدفاع عن مقدساته.

استنفارٌ وطنيٌّ يجسد الوفاء

في أمانة العاصمة صنعاء، وفي ساحة ميدان السبعين، التي تستعد لاستقبال أكبر احتشادٍ جماهيري على مستوى العالم يوم الثاني عشر من ربيع الأول، تتجسد معاني الوفاء والشوق في أبهى صورها، فهناك، حيث تكتمل التجهيزات الهندسية والفنية، وتتعالى المآذن بالتكبير، وتتناغم الأضواء الخضراء على قمم الجبال المحيطة، يعرف الزائر أن هذا الشعب يحتفل ويجدد عهدًا، ويؤكد هوية، ويرسل رسالةً للعالم بأن حب النبي الأعظم يسكن كل ذرةٍ في هذا التراب الطاهر.

وتكشف الأرقام عن حجم هذا الاستعداد الفريد: 31 ورشة صيانة متنقلة لتأمين طرق الوافدين، و129 مهندسًا وفنيًا في نقاط التماس، و7880 كادرًا صحيًا في الساحات، و200 سيارة إسعاف، و80 مستشفى عامًا، و140 مستشفى خاصًا، و58 مخيمًا طبيًا، و30 مستشفى ميدانيًا. إنها شواهد على أن هذا الشعب، رغم الحصار والعدوان، يملك من العزم والحب للنبي الأعظم والأقدس ما يجعله يستقبل ذكراه بكل ما أوتي من قوةٍ وإمكانات.

ليلة المولد: الألعاب تنير يمن الأنصار

وما إن دقت الساعة الثامنة من مساء ليلة المولد النبوي الشريف، حتى انطلقت الألعاب النارية في سماء العاصمة صنعاء، وسرت شراراتها المضيئة كألسنة فرحٍ تتناثر فوق المآذن والجبال، لتنتقل اللوحة الإيمانية من سكون الاستعداد إلى عاصفة البهجة، كانت هذه الأعيرة نشيدًا شعبيًا يمتد عبر الأفق، يملأ سماء العاصمة وكل القرى والمدن والعزل، في كل شبرٍ من هذا الوطن الصامد، كأنها نبضٌ واحدٌ يهتف: "لبيك يا رسول الله".

لقد تجسدت تلك اللحظة الفارقة في لوحةٍ فنيةٍ فرائحية نادرة، امتزج فيها وميض الألعاب بعبق البخور، لتتحول الأجواء إلى عرسٍ وطنيٍّ كبير، تلك اللقطة كانت إعلانًا رمزيًا عميقًا بأن هذه الذكرى هي ذكرى الخلاص من العبودية للطغيان، وذكرى الانعتاق من الهيمنة للطاغوت، فكما أضاءت رسالة النبي الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله وسلم ظلام الجاهلية، وأخرجت الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، كذلك يجدد اليمنيون في هذه الليلة رفضهم لكل أشكال الاستعباد والوصاية، ويؤكدون أنهم تحرروا بإيمانهم من كل طاغوتٍ متجبر.

من السبعين إلى كل الساحات.. شوقٌ لا يعرف الحدود

ومن ميدان السبعين تمتد خارطة الشوق لتشمل كل المحافظات اليمنية الحرة، ففي محافظة صنعاء تفتتح حزمة مشاريع خدمية وتنموية بأكثر من أربعة مليارات و261 مليون ريال، لترجمة القيم المحمدية إلى واقعٍ ملموس يمس حياة المواطنين. وفي تعز تكتسي المدينة ومديرياتها وعزلها وقراها بالحلة الخضراء. وفي الحديدة تتكامل التجهيزات التنظيمية مع مشاريع الإحسان والتمكين الاقتصادي التي تتجاوز قيمتها مليارين و228 مليون ريال، لتشمل 40 ألف أسرة من الفقراء والمساكين، وتمكين 170 مستفيدًا من الإنتاج الحيواني والسمكي وتربية النحل، وتأهيل المرافق الصحية في مختلف المديريات.

وتتواصل هذه الملحمة في الجوف، حيث تتعالى المجالس الفكرية والندوات الدينية. وفي الضالع، حيث تكتسي الساحات والمساجد بالخضرة. وفي المحويت، حيث تستكمل الترتيبات النهائية لساحة الرسول الأعظم. وفي صعدة وحجة وذمار وعمران وريمة والبيضاء وإب، وفي المناطق الحرة بمأرب والضالع ولحج، لتشكل جميعها لوحةً وطنيةً واحدةً تعبر عن وحدة الموقف والمسار.

هيئة الزكاة.. ترجمةٌ عملية للرحمة المحمدية

وفي قلب هذه الملحمة تبرز مشاريع الإحسان التي أطلقتها الهيئة العامة للزكاة بأكثر من 14 مليار ريال، تستهدف أكثر من 300 ألف مستفيد من الفقراء والمساكين، تحت شعار "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ". وتتضمن مشاريع الإحسان مشاريع الصرف اللامركزي المتمثلة بـ: المساعدات الشهرية للأسر العاجزة عن العمل بمبلغ مليارين و670 مليون ريال لـ 44 ألفًا و502 مستفيدين، والمساعدات النقدية للأسر الفقيرة بمبلغ أربعة مليارات لـ 200 ألف مستفيد، والمساعدات العلاجية بمبلغ 953 مليون ريال لأربعة آلاف مستفيد، ومساعدات الغارمين بمبلغ 359 مليوناً لألف مستفيد، ودعم مصرف سبيل الله بمبلغ أربعة مليارات ريال، وزراعة الكلى بمبلغ 137 مليون ريال لـ 25 حالة من مرضى الفشل الكلوي، ودعامة الحياة "عمليات قسطرة - تركيب دعامات قلب" بمبلغ 137 مليون ريال لـ 175 مستفيدًا.

كما تشمل المشاريع دعم المستشفى الجمهوري بأمانة العاصمة صنعاء بمبلغ 900 مليون ريال لـ 70 ألف مستفيد، ودعم مراكز رعاية وإيواء المتشردين "المرضى النفسيين غير المصحوبين" بمبلغ 170 مليون ريال لـ 250 مستفيدًا، ودعم دور الأيتام ومراكز الخدمة التابعة لهم بمبلغ 50 مليون ريال، ودعم المراكز العلمية وجامعات وأكاديميات العلوم الشرعية بمبلغ 500 مليون ريال ودعم ابن السبيل بمبلغ 145 مليون ريال لأربعة آلاف و487 مستفيدًا.

إنها رسالةٌ واضحة بأن الاحتفاء بالمولد النبوي هو التزامٌ عملي بقيم الرحمة والتكافل والإحسان التي جاء بها النبي الأكرم، فمن المساعدات النقدية للأسر الفقيرة، إلى دعم الغارمين والمرضى، إلى زراعة الكلى ودعم المستشفيات والمراكز العلمية، تتجسد معاني "الرحمة المهداة" في أرقى صورها.

هويةٌ إيمانيةٌ تصنع المعادلات

إن ما يميز احتفاء اليمنيين بالمولد النبوي الشريف هذا العام هو ذلك التلاحم الفريد بين البعد الروحي والاستعداد الميداني، بين الشوق والحب، وبين الصمود والجهوزية، فبينما تتزين الساحات وتتعالى المدائح، تفرض القوات المسلحة اليمنية معادلات الردع والحصار بالحصار على المعتدي السعودي، مؤكدةً أن هذا الشعب الذي يحتفل بذكرى نبي الرحمة، هو نفسه الشعب الذي يملك من الشجاعة والإباء ما يجعله يدافع عن كرامته وسيادته.

إنها معادلةٌ فريدة: حبٌّ يفيض رقةً ورحمةً، وصلابةٌ لا تعرف اللين في مواجهة المعتدين. إنها روح الرسالة المحمدية نفسها، التي جمعت بين الرحمة بالمؤمنين والشدة على المعتدين، وبين الإحسان إلى الجار ونصرة المستضعفين، وبين العبادة الخالصة والجهاد في سبيل الله.

رسالةٌ إلى العالم

في ذكرى المولد النبوي الشريف يرسل اليمنيون رسالتهم إلى العالم أجمع: نحن شعبٌ لا يمكن كسره، لأن جذوره ضاربةٌ في عمق الإيمان، وعلاقته برسول الله صلوات الله عليه وآله علاقةٌ تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتتعمق مع كل تحدٍّ، وتزداد قوةً مع كل عدوان. إنها رسالة حبٍّ وشوقٍ ووفاء، تتجدد كل عام، لتؤكد أن هذا الشعب العظيم، الذي أُوذي في دينه وحوصر في أرضه واستهدف في معيشته، ما يزال يملك من العزم ما يجعله يستقبل ذكرى نبيه بكل هذا البذل والعطاء، وما يزال يحمل في قلبه من الشوق ما يجعله يقطع المسافات الطويلة، ويتحمل المشاق ليشارك في ساحات الاحتفال، مرددًا: "لبيك يا رسول الله.. لبيك يا حبيب الله".

إنها الهوية الإيمانية التي لا تزول، والشوق الذي لا يخبو، والعلاقة التي لا تنفصم، والوفاء الذي لا يتغير إنه شعب اليمن، الذي قال فيه رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم: "الإيمان يمان، والحكمة يمانية"، فكان وما يزال، وسيبقى بإذن الله، حصن الإيمان وحامل الراية وموطن الحكمة.

فيا رسول الله.. من قلب صنعاء، ومن كل ساحات اليمن، يرفع شعبك راياتك الخضراء، ويهتف بحبك، ويجدد العهد على نصرة دينك والسير على نهجك، حتى يلقاك وهو على العهد ثابت، وعلى المحبة مستمر، وعلى الشوق دائم بإذن الله.